مقالاتمقالات الأهرام العربى

ضابط.. وإعلامى.. وسياسي

رحل صفوت الشريف؛ حامل أختام الجمهورية فى مصر فى حقبتها الأخيرة. أكثر من 30 عاماء رحل بعد أن أسدل الستار على جمهوريته الأخيرة بعقد كامل.

كانت حياته وسيرته موضع محاكمة طوال تلك الفترة الصعبة؛ والدقيقة جداء فى تاريخنا السياسى, بل الإنسانى معاء والمحاكمات فى عصره ليست للقضاة فقط؛ لكن الكل فى عصر ما يُعرف ب «السوشيال ميدياء؛ يملك الرأى. ويقول,؛ ويحكم..
قضاة بغير ورق, وبغير علم كذلك. لكن خيالهم مُطلق. وأساطيرهم لا نهاية لهاء يصورون ما لا يعقلون. وبالرغم من ذلك, لا يقبلون إلا أحكامهم المطلقة؛ والأخطر أنهم يملكون الادعاء. وسلطة إصدار الأحكام معاء فى السطر نفسه؛ وعلى الصفحة نفسها.لا أعرف فى المستقبل كيف سيكتبون التاريخ وسط هذا الكم؛ ليس من الأوراق فقطء ولكن من الركام؟ سوف يكون تاريضا صعبا أن نستخلصه. أو يُكتب. فكيف سيستخلصون الحقائق من وسط الأكاتيب. والشائعات. وأوراق كتبها عقلاء؛ ومجانين. كتبها محترفون وهواة. كتبها أصحاء ومرضى: فى كتب وصفحات. وجرائد. ومجلات. وأفلام. وتليفزيونات. من كل فج عميق. لكى تتعلم. ونتسلى. كان الله فى عونهم أولتك الذين سيستخرجون الحقائق فى قادم الأيام؛ ويفندون الأكاذيب؛ ويكشفونها. أكيد ستكون عقولهم مختلفة. ومتطورة عما تعرف الآن.

صفوت الشريف الضابط المحترف. وأطول وزير إعلام فى تاريخ الجمهورية. وهو من أهم السياسيين فى الجمهوريات التى أعقبت يوليو 1952 بعد رحيل الملك فاروق, وأحزابه, ونظامه السياسى. ملفاته كثيرة. من ضابط مخابرات. إلى رئيس للهيئة العامة للاستعلامات. ووزير للإعلام لمدة 22 عاما. ثم أمين للحزب الوطنى. ورئيس لمجلس الشورى أكثر من 10 سنوات. حتى نهاية عام 2010. ولعل أعماله فى وزارة الإعلام تكشف أنه الذى أنشاً مدينة الإنتاج الإعلامى. التى يسميها العرب. وأهل الشرق عموما. «هوليوود الشرق». كانت منارة للكثير من محطات التلفزة. وشاهدا على عصر الفضاء والأقمار الصناعية. هو الذى أطلق الأقمار الصناعية. ونشر المحطات الفضائية (راديو وتليفزيون). يتذكر أهل الإعلام بأن محطاتنا الإذاعية.  والتليفزيونية كانت لا تغطى ربوع القّطر المصرى,. فانتشرت فى كل مكان. كانت أذن وشاشة المصريين مفتوحة للإذاعات والتليفزيونات الأجنبية القادمة من الخارج. فجعل محطاتنا عنوانا لدولتنا ‎٠‏ تبث للمصريين فى كل مكان. وتعبر عنهم؛ وهذه ما سماها «الريادة الإعلامية». كانت فنواتنا قليلة. وأصبحت كثيرة فى عهده. الكم تزايد. قد يكون ذلك على حساب النوعية. أو جودة المنتج.

أكيد لا أملك كل الحقائق. أو كل المعلومات؛ وهى موجودة عند الجميع؛ لكن الرجل كان ملء السمع والبصر لأكثر من عقود فى التاريخ المصرى الحديث. وأكيد له ماله وعليه ما عليه, لكن أثق فى شهادة واحد من الجيل الراهن؛ الذى كتب: «الحق, والحق أقول. إن سجلات الدولة المصرية عامرة بما يُدلل على وطنية وإخلاص صفوت الشريف؛ وإن اختلفت زوايا النظر ولكن
بميزان الدولة؛ ومعاييرهاء وبمقتضى السياسة؛ وأدواتها: كان استشاء يُدرّس فى المهارة. والإتقان»؛ كلمة دقيقة أحترمها جداء رحم الله صفوت الشريف. فهو الآن أمامر قاض عدل. حكمه ماض على كل البشر؛ لكن هذا الرجل ملك ميزَّة الاستمرارية.
3 من عصر عبد الناصر؛ إلى عصر السادات. ثم عصر مبارك. وتعامل فى أخطر الأماكن فى عصر تمكين الجمهورية. وصراعاتها. بعد الثورة المباشرة فى عالم الإعلام؛ عندما ظهرت المنابر.
والأحزاب. ثم فتحّ المحطات. وانتشار الإعلام.؛ وله قصة مع كل سياسى؛ وصحفى. وإعلامى. مع كل الفئات. وعالم السياسة. والأحزاب. وداخل الغرفة الثانية من البرلمان. ومع التليفزيون. وخطورته, والصحف,؛ وانتشارهاء وهو عالم دفيق. لا ينجو من يعمل فيه من لسعات الإعلاميين. والسياسيين. لكن كان دوره ملحوظاء ومشهودا. وكبيراء طوال تلك الفترة الدقيقة فى التاريخ المصرى. وهى فترة سوف تختلف ونتفق كثيرا على دقتها .

لكن صفوت الشريف كان شاهدا. أو مشاركا فى صنع التاريخ الحديث. ففى عالم الأسرار كان موجودا وحاضرا ٍ وكذلك فى عالم الإعلام, وعالم السياسة. وبين الفنانين؛ وهى عوالم كلها أساطير. ودراما, وحكايات. وهى هواية ومهنة أصحابها. وإذا فتحت لن تقفل. لكن الحقيقة أكيد سوف تعرف فى يوم من الأيام عندما تفتح كل الملفات. لكن لنا من الرجل. أو الراحل. أعماله. وقدرته على التعبير عناء وعن إعلامنا لسنوات كاملة. وهى أكيد كانت مرهقة؛ وصعبة؛ وتستحق منا وقفة تأمل. وتأن. واحترام؛ ولكن لنا أن نعرف أن القوة الإعلامية. والفنية؛ أو البنية الأساسية لهذا العالم الصعب؛ التى تتمتع بها مصر فى إِق يمها الآن. كان وراءها رجل اسمه صفوت الشريف. أصبح الآن فى ذمة الله.
إننا يجب أن ندرس؛ ونعرف أدوار الناس. ومهامهم. عبر تاريخناء حتى لا يكون من بيننا ظالم. أو مظلوم؛ وأن ندرس التاريخ بحكمة؛ وروية؛ ونحكم على كل مرحلة بظروفهاء وتطوراتهاء بحيادية ودقة. أعرف أننى أطلب المستحيل. لكن رحم الله صفوت الشريف؛ وكل من جعلته أقداره. وشخصيته العامة؛ هدفا فى مرحلة التحولات, والبناء الصعبة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى