مقالاتمقالات الأهرام اليومى

عين على القاهرة في إقليمها..!

أسامة سرايا
منذ سنوات وأنا أراقب المصريين كل يناير: كيف يفكرون ويخططون؟.. وما مساراتهم وطموحاتهم للمستقبل؟.. خاصة فى العِقد الماضي، الذى تفجرت فيه “الانتفاضات”، وأدت إلى انكسارات كبيرة فى عالمنا العربي.
إننى على يقين من أن الوقت والتاريخ حانا لإعادة بعث أمة قديمة، بل هى أقدم الأمم: (أمة المصريين- الأمم القديمة جدا)، عالم الشعوب التى لا تموت أو تَفنى، فهى تمرض، لكنها تعود من جديد، فقد عاد الصينيون إلى عالمهم وأصبحوا رقما فى المنافسة والمعادلة العالمية، فإنتاجهم وتطورهم يفاجئ العالم، ويديرون حواراتهم مع الدول الكبرى (أمريكا ودول الغرب) بكفاءة واقتدار، ويحافظون على ما تحقق لهم من تقدم..
وهكذا، أرى مصر محليا، وفى إقليمها، وفى عالمها أيضا، وهى الأمة الأقدم من الصينيين، فبعين ثاقبة على مصر يتكشف لنا حجم التقدم فى كل المناحى بها، اقتصاديا، وسياسيا، واجتماعيا، بل فى التفكير الإستراتيجى، منذ أن نُفض عن جبينها تراب التيارات المتطرفة المتخلفة، والقوى التى حاولت أن تسرقها، بشعارات وأوهام التدين الظاهرى، والتدثر بعباءات إقليمية وعالمية، لتحقيق هذا الهدف الإجرامى، هذه العباءات أرادت أن تعيد المصريين إلى حالة من الغيبوبة، أو الضعف والترهل لعقود مقبلة..
إذن، المصريون يفاجئون الدنيا كلها بثورة عارمة، شعبا ومؤسسات، تعيد دوران العجلة والتقدم منذ منتصف العِقد الماضى وحتى الآن، وباستمرارية واقتدار، بل بسرعة فائقة لتعويض خسائرنا، فالعمل لا يتوقف فى كل مساحة المليون كيلومتر مربع (مساحة مصر)، ولأول مرة فى تاريخنا نتواصل بريا عبر الطرق الواسعة، وبحريا عبر الموانئ، وجويا عبر المطارات، والآن بشبكة سكك حديدية حديثة، وأنفاق متطورة، سواء للعاصمة أم للمدن القديمة، أو لإنهاء عُزلة سيناء بأنفاق وجسور متطورة، ربطت الجزء الآسيوى لمصر بالجزء الإفريقى، برؤية إستراتيجية بعيدة النظر، وجددنا قناة السويس البحرية بازدواجها، مما زاد من جاذبيتها للتجارة الدولية، وجعلها الأرخص والأيسر.. وهكذا سار التفكير الإستراتيجى المصرى فربط البحرين الأبيض والأحمر بشبكة القطار فائق السرعة، فى رسالة إلى أننا نفهم طبيعة الجغرافيا المصرية ككل، بأنها وسط العالم، ويجب أن نخدم بها الشعب وعالمها، وأننا سنكمل المسار بالربط الإفريقى، عبر نهر النيل، بل عبر إفريقيا، وجنوب قارتنا الإفريقية العزيزة علينا، وسارعنا إلى إعادة بعث وحدة “وادى النيل” بالاتفاق مع السودان، وشرح أبعاد العدوان الإثيوبى على النهر، وربط المجتمع الدولى بقضية حيوية لإقليم مهم للتجارة، واستقرار العالم، والأهم سياسة اقتصادية متوازنة تتيح لكل المصريين العمل صناعيا، وزراعيا، بأسس اقتصادية سليمة، تخلصنا فيها من الدعم، الذى كان سبيلا إلى تبديد الموارد الغالية، بما فيها المياه، والنفط، وتغيير غير اقتصادى فى النظام السعرى لا يخدم المنتجين الحقيقيين، بل يفتح الباب أمام مجالات اقتصادية غير إنتاجية، وسمسرة.. وخلافه، لا تضمن لمجتمعها تقدما حقيقيا واستقرارا طويل المدى، ولا تحمى الطبقات العاملة، ونستعد الآن للعبور إلى عاصمة جديدة، أو تطوير شامل للعاصمة القديمة، مع ربطها بالبحر عبر العاصمة الإدارية الجديدة، لغة جديدة يتكلم بها المصريون مع بعضهم، وعينهم على البناء والتحضر، يختلفون ويتفقون، لكن عيونهم شاخصة إلى رفع قيمة وطنهم، وبلدهم، إنه الوعى والتكامل..
ثم جاء عيد الشرطة هذا العام مميزا جدا للمصريين، فقد كان فرصة لتقول شرطتهم لأبناء وطنها: إننا عدنا شرطة حديثة ومتطورة، ليس فى الشكل ولكن فى المضمون، جنودا و ضباطا جددا هدفهم تنفيذ القانون، وحماية الوطن وأبنائه باقتدار يفوق الوصف والتعبير، فلقد ذكرتنا شرطة مصر هذا العام (2021) بعودة القوات المسلحة المصرية بقوة وانتصار فائق فى عام 1973، وأدركنا نحن المصريين أن المؤسستين الأمنية والعسكرية هما الجسر الأبرز الذى تعبر الأمة المصرية من عليه إلى عالمها الجديد بثقة، ويقين، واستمرارية، وأنه لن تحدث هزات أخرى تأخذ من عمر وطننا وأهالينا سنوات من الخسائر، أو تُوقف عجلة التقدم المأمولة، رغم جائحة “كورونا”، التى عطلت العالم كله، واندفاع المصريين نحو البناء، والخروج من شرنقة الضعف، بل التطلع إلى مستقبل أفضل، وأظهرت أرقامنا الاقتصادية أمام المؤسسات، بل أمام المواطن العادى، أننا أقوى من “الوباء”.
وإذا كانت الصورة الداخلية بهذا القوة، فإن الشكر واجب للمصريين الذين تحملوا تَبعات هذا النمو والتطور، ودفعوا تكلفته كاملا دون ضجر، بل بإصرار على أن هذا خير عمل يقوم به أبناء وطن لأبنائهم، وللأجيال القادمة، فالوطن هو ظهر أو ظهير كل مواطن، وهذا الوعى الكبير هو ما يجعلنى مطمئنا على مصر اليوم وغدا، لأنه بهذا الوعى سنستطيع أن نأخذ كل المصريين نحو بناء أعمق، وأكثر تجذرا فى محيطنا المصرى، والعربى، والإفريقى، وتلك هى أسس الحضارة الجديدة للمصريين، بلا شعارات، أو هتافات، أو أغانٍ، وإن كنت أطالب المصريين بأن يغنوا لبلدهم، وشعبهم، من أجل أن نرفع الروح الوطنية وهم سائرون نحو بناء أمة جديدة ومتجددة، ستكون قادرة على مساعدة أهالينا فى الشرق، وفى إفريقيا، مثلما نقف الآن لمساعدة السودان، وليبيا، ونتجه بهما نحو إفريقيا، ونساعد ونسعى إلى ترميم ما حدث فى العراق، وبناء تحالف “مصرى- عراقى- أردنى” يحمى هذه المنطقة، ونفعل كذلك مع أشقائنا فى الخليج عبر إتمام “المصالحة”، التى قادتها السعودية ودول مجلس التعاون الخليجى، مع قطر، وكان الموقف المصرى المتجرد، والمتسامح، والقوى، إشارة قوية إلى القدرة على إنجاح هذه المصالحة المهمة للمنطقة فى تعاملاتها العالمية، وإشارة، كذلك، للقوى الإقليمية إلى وحدة المجموعة العربية..
لقد كنا فى يناير الماضى نشير إلى أننا، كأمة عربية، فى سنة صعبة، سوف تُمتحن فيها كل دول المنطقة- بعد مرور 100 عام، بالتمام والكمال، على الحرب العالمية الأولى، التى فتحت العالم على صراعات وحروب هددت ملايين البشر، وهدمت الأمم، وأخّرت العالم، وجعلته يستخدم القنابل النووية فى الحرب الثانية- لتأكيد أننا قادرون على تقديم “النموذج” للعالم فى المرحلة المقبلة، لنبذ العنف، والإرهاب، والتطرف، والحروب، والاتجاه إلى السلم الإقليمى والعالمى، الذى ستكون فيه مصر، بالتعاون مع أشقائها، قادرة على إنقاذ الخريطة العربية من أن تتحول إلى أوراق للمساومة فى السياسات العالمية، وأعتقد أن مصر القادرة، بالرؤية والقوة، ستكون كلمتها مسموعة فى كل المحافل الإقليمية والدولية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى