مقالاتمقالات الأهرام اليومى

“الشيخ” و”الفتى”.. حياتهما رائعة.. وسيرتهما أسطورة!

أسامة سرايا

الشخصيتان اللتان اخترت أن أتحدث عنهما، وعن حياتهما الرائعة، قد لا يجمعهما مكان، أو عمل، ولكن جمعهما الفكر، والثقافة، والعلم، والشخصية الأنيقة، والمتميزة، وأسطورة ما بعد الرحيل، وروعة حياتهما.
جمعهما حب بلدهما، وأهليهما، بل إنسانيتهما، وحب ثقافتهما العربية الغنية بما يفوق الوصف، جمعتهما قيمة رفيعة زرعت فينا جمالها، وروعتها، وإخلاصها، وتفانيها، وستعيش للأجيال القادمة، كما تبادلا الألقاب معا عند الميلاد، وكذلك عند الرحيل..
رحل الشيخ صالح مهران، وظل لقبه بيننا “الفتى مهران”، لأننا لم نشعر بأنه أصبح شيخا جليلا، ورفيع القامة، والقدر (1937 -2021)، فهو عندما يتحدث تنصت إليه بإعجاب، ونبرة صوته قوية، ولديه ذاكرة الشباب، فهى لا تُخطئه أبدا، إنه أول من قال “هنا القاهرة”، ونقل لنا وقائع وانتصار “حرب أكتوبر1973” عبر الإذاعة، وبالصوت فقط، كأننا على الجبهة، كان صوتا دافئا، ودافقا، وناقلا للحدث بكل أبعاده، وكنت بعد سماعه لا أحتاج الصورة، أو التعليق، فالصوت يكفى، فأى روعة كنت عليها أيها الشيخ الراحل صالح، والفتى المتدفق المستمر لما بعد الحياة؟!.
أما الشخصية الثانية، فقد رحلت بعد حادث دامٍ، قُتلت فى بيروت الجنوبية، (الشيخ لقمان حسن سليم)، الكاتب اللبنانى، والناشر القومى، ابن السيدة والكاتبة المصرية، سيدة التاريخ سلمى، التى ربت بطلها، الذى وقف لجحافل الميليشيات و”حزب الله”، دفاعا عن لبنان، وثقافته.
قُتل ابن الشيخ سليم “الفتى الشجاع- لقمان” ( ١٩٦٢ – ٤ فبراير ٢٠٢١) وهو لم يكمل عامه الخمسين، لأنه وقف ضد “قوى الأمر الواقع” فى بلاده، ومَنْ أطلق عليه الرصاصات الخمس، أربع فى رأسه والخامسة فى الظهر، كان يقصد إعدامه، وقتلْ صوته، وردعْ أى صوت آخر يجاهد فى لبنان ضد سيطرة الميليشيات الدينية الشيعية التابعة لإيران، فى هذا البلد، الذى يعانى فى كل الاتجاهات(السياسية، والاقتصادية، والإنسانية)، ومأزوم على كل صعيد، فهو بلا حكومة، وبلا رعاية للمواطنين، ويتعرض استقلاله، ومستقبله لهزة عنيفة.
إننى أعتقد أن اغتيال السياسيين لا يَحل مشكلات لبنان، ولن يُسكت الأصوات، ولكن يزيد الشعوب قوة، وصلابة، دفاعا عما يعتقدون، ومؤكد أن سيرة الرجلين ستكون مُلهمة للأجيال الحالية، والمستقبلية، وليست كل الحياة “سياسة”، ولا أقصد فى هذا الحديث أن أتكلم عن السياسة، ولكن القصة الإنسانية هى الملهمة لى فى هذا الرحيل، لأن كل إنسان فى حياتنا له قصة، ويجب علينا أن نَسبر قصص هؤلاء النجوم الظاهرة، لنأخذ من رحيقها زهرة منعشة، ومن حياتهم، العبرة، والخبرة، فتزيد قدرتنا على معرفة معنى الحياة، وقيمتها، سواء انتهت بالرحيل العادى، أو الدامى، فالقصة لا تنتهى بهذا الرحيل، ولكن تظل درسا، وعبرة.
الأستاذ صالح مهران سيظل اسمه فى ذاكرتنا الصوتية، فهو ينتمى لأجيال ظهرت فى السبعينيات، وكانت تعتمد على “الراديو” فى الرسالة الإعلامية، فتكونت لدى مصر أجيال، وأصوات مبدعة، وخلّاقة، علمت أجيالا متتابعة، وجعلت وسيلة الإذاعة أقوى من الصورة، وكان المذيعون الكبار ليسوا أصواتا فقط ، وإنما مؤسسات إعلامية ناطقة بالعربية، وراسخة فى أذهاننا بصورة إعلامية نادرة، تعيش عبر الأجيال،
وهكذا، كنا نسمع مهران، وفراج، وجلال معوض، فهم أصوات حفرت فى عقولنا معانىَ لا تضيع عبر الزمن، وكانوا مؤسسة تعليمية تفوق الوسيلة أو الصوت الإذاعى، ولم يبخلوا بقيمهم، وقدموها للأجيال.
رحم الله صالح مهران، المبدع الذى رحل فى عالم فيروس “كورونا”، مصابا به، وكان حذرا منه، ولكنه وصل إليه وسِنه كبيرة، ولم يستطع أن يصمد أمامه، فدخل الجسم، وترك الصوت، والعمل، والعبرة، والثقافة الرفيعة باقية وكبيرة للأجيال القادمة، وسنظل نحفظ رسائله إلى ابنته “أميمة” وهو يحدثها ببراعة عن الإذاعة، وحبه وعشقه لها، أو عندما كان يغنى لنا، وهو يقدم كوكب الشرق (أم كلثوم)، فهيأ عقولنا وأذهاننا للصوت العبقرى القادم، ليغذى الوجدان، والعقول..
أما الفتى حسن لقمان، فكان فى رحيله تَذَكُر فقدان لبنان الزعيم رفيق الحريرى، والصراع الطائفى الدائر الآن هناك، منذ ٥ عقود، الذى انفجر فى هذا البلد، فكان قلم وصوت لقمان “الشيعى” فى قلب الضاحية ضد هذا الانفجار، ومحذرا من استمراره فى عالم الطائفية البغيض، وأضراره على مستقبل بلده من الميليشيات المسلحة، وتأثيرها، والتى تَدعى “المقاومة”، وتسيطر على مقاليد البلاد، بالاستقواء بقوة إقليمية (الملالى الإيرانيين، الذين يرعون، ويسيطرون على الشيعة فى كل العالم)، وستظل حيوية لقمان، واستمراره فى معقل الحزب الطائفى، دروسا للأجيال القادمة فى الشجاعة، والبطولة، والتضحية بالنفس.
إن الشيعة العرب، أو اللبنانيين، لم يكونوا كلهم طائفيين، بل رفضوا التعصب، وأحيوا “صيغة” هذا الوطن الفريد، الذى يحتوى الجميع، وهو البلد المتسامح الفريد فى عالمنا، وكان يجب أن يظل لكل الطوائف.
هزنى رحيل لقمان، وهزتنى أكثر أمه “المصرية- المسيحية”، التى وقفت دفاعا عن ابنها، وما يمثله، فطالبت كل اللبنانيين بأن يكونوا مثل ابنها، مولعين بالمعرفة، والإبداع، وأن يبنوا الوطن بالحب، وقبول الآخر، وليس بالسلاح، وإنما بالشجاعة، والحب.
الأم العظيمة المكلومة تكلمت بلغتها المصرية العامية المحببة، تكلمت فى الضاحية الجنوبية وسط المتعصبين والمتطرفين، الذين قتلوا ابنها، وسط العالم ودبلوماسييه، فاكتشفت عمقه، واكتشف العالم حديثها الراقى، فمنتهى الألم حينما يكون هذا المستوى الرفيع فى قلب المأساة (الأم والابن والابنة)، وحينما يتحدى الفكر، والثقافة، والحضارة التطرف، والإرهاب، وحينما يُعلم ويَعيش، رغم الألم والمعاناة.
فتحية لكِ أيتها السيدة المصرية، وكم كنت فخورا بك وبابنك، وكم كان قلبى وعقلى معك، وأنت تفقدين الابن الغالى، الذى كان ملء السمع، والبصر، وأمل بلاده، بل أمل طائفته الشيعية فى إعادة اندماجها فى مجتمعها، فقد كان الشيعة يقولون: لسنا كلنا أيديولوجيين أو حزبيين، فلقمان حسن سليم وأسرته، يعيشون بيننا بسلام، لكن المتطرفين رفضوا أن تظل هذه “الصيغة”، التى كانت فى مصلحتهم، وآثروا أن يظهروا بـ”حوزتهم” ضد لقمان، ورفضوا أن يظل صوته حيا وقويا ليحميهم قبل غيرهم، وقرروا إسكاته ليرهنوا مستقبل هذا البلد، الذى يجمع كل الثقافات، والأديان، ويعيش الجميع فيه أحرارا، كما أرادت الأم عالية القيمة، والرصينة، التى اعتبرت أن محبة بلادها (مصر)، التى عاشت وتربت فيها، فوق كل موضوع، فهى “مصرية- مسيحية” تزوجت لبنانيا شيعيا، وربت أبناءها على احترام كل الأديان والطوائف، وعبرت عن بلد زوجها خير تعبير، وحلمت بحياة أفضل للجميع، فاستكثروا عليها حياة ابنها، وقتلوه غِيلةً فى قلب الضاحية، حيث استباحوا دم لقمان، ويعيشون، ولا يُحاكمون، فهل لقمان مات فعلا؟.. وهل أسقطوا صوت لقمان برصاصاتهم، أم أسقطوا أنفسهم بهذه الرصاصات؟!.
إن منطق التاريخ له كلام آخر غير ما تُعلن عنه الأحداث، أو سيرها، إنهم لم يُسقطوا لقمان، ولكنهم أسقطوا المتطرفين، والإرهابيين، ولهذا ستظل الأرواح الجميلة ترفرف فى عالمها، كما سنظل نسمع الأصوات الرائعة، ونَطرب لها، ونعيش بها ولها.
قصتا الفتى صالح مهران، والشيخ لقمان، رغم تبادل الألقاب بينهما، يجب أن تُكتبا أكثر فى السينما، والمسرح، والتليفزيون، ونسلط الضوء عليهما لنعيش بهما، ومعهما.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى