مقالاتمقالات الأهرام اليومى

من الدوارة إلى العين الحارسة

معني بناء العاصمة.. وبناء الوطن!

أسامة سرايا
الحوار فى الشارع القاهرى، إن لم يكن فى الشارع المصرى كله، الآن، يدعو للسعادة والفرح معا، ولكن القاهريين يلاحظون، الآن، أن مدينتهم العريقة تتغير تغيرا كاملا، وترتدى ثوبا جديدا.
إن كل متابع من قلب المدينة أصبح اليوم يلوم نفسه، ومنهم أنا، فقد تصورت أننا عندما بدأنا، منذ سنوات قليلة، فى تركيز الاهتمام بالعاصمة الإدارية الجديدة، خارج نطاق الحيز العمرانى للقاهرة، أن هذا الاهتمام سيكون على حساب العاصمة القديمة، فإذا بنا نجد أن القاهرة، عاصمتنا، تتغير كلها من قلبها.
ولعل رؤية ما حدث فى ميدان التحرير، ذلك الميدان الذى يعتبر قلب العاصمة، يشير إلى حجم هذه المتغيرات، فقد أصبح له رونق، والأهم شخصية الميدان، التى ظللنا نبحث عنها لأكثر من قرن بلا جدوى، منذ أن خطط له الخديو إسماعيل عام ١٨٦٥ ليحاكى العاصمة الفرنسية باريس، ومنذ أن كان ثكنات عسكرية، إلى أن أصبح فى الفترة ما بين ستينيات وسبعينيات القرن الثامن عشر، بعد إنشاء أول كوبرى فى مصر، يربط بين الميدان والجزيرة، تلك الفترة التى تقترب من قرن ونصف القرن، وأخيرا أصبح ميدان التحرير مُتحفا مفتوحا للعاصمة، كأنما التاريخ يقول إن خروج المتحف المصرى من التحرير إلى منطقة الأهرامات، حيث بنت مصر أهم منطقة أثرية فى العالم ما بين المتحف والأهرامات، رسالة جديدة للعالم، ولكننا لم ننس ميدان التحرير، حيث زُين بالمسلة الفرعونية، التى انتشرت فى كل عواصم العالم الكبرى، فالمسلة والكباش أعلنا للعالم، من قلب العاصمة، هوية مصر، وأعادا الاعتبار لتاريخها العظيم فى أهم ميادينها.
كما أن العاصمة الإدارية الجديدة، التى تُنشأ الآن، تطل على البحر الأحمر وليس على نيل القاهرة، حيث إن العاصمة المصرية القديمة أصبح لها ظهير عمرانى مختلف على هذا البحر، ولم يتوقف البناء فى مصر ومدنها، لأننا نبنى عاصمة جديدة، بل تسارعت وتيرتها، ونرى جميعا مشهدها فى كل تحرك فى شوارع وميادين العاصمة، وتلك ظاهرة أخرى يجب أن تدل علينا فى الحِقبة الراهنة، فأحداثنا وتطوراتنا مذهلة، وهو ما دعانى إلى كتابة هذا المقال لكى أشارك فى تحية ما يحدث، فما يحدث فى أطراف القاهرة، وما حدث فى مصر الجديدة، ومدينة نصر، وما بينهما، وعزبة الهجانة، التى سوف تصبح مدينة الأمل، هو رسالة أخرى لمصر المعاصرة تدعو للافتخار، ولكن ما أدعو إليه، أن ما نقوم به من عملية تحديث شامل، يجب أن تصاحبه عملية رعاية ومتابعة لما يحدث من الناس، فهكذا نبنى الوطن، وأن يستمر البناء والعمل، ولكن “العجلة الدوارة” فى العملية البنائية لم تمنع الأهالى من تصحيح هذا العمل، خاصة سكان حى الزمالك، عندما شاركوا بالرأى للحفاظ على جوهر حيهم السكنى الهادئ من تسلل الزحام من جديد عبر مشروع سياحى، أُطلق عليه “عين القاهرة”، وأسفر الحوار بين السكان والحكومة عن نقل “العجلة الدوارة” من حى الزمالك، وهكذا شَعر الأهالى، أو السكان، بأنهم أصحاب مشورة، حيث يشاركون فى البناء، ويحافظون عليه، وعلى الاستمرارية.
إن الحوار بين الحكومة والسكان، وحسم القرار بالنقل، بدد المخاوف من أن التطور الحادث الآن، ليس فى القاهرة فقط، بل فى كل ربوع الوطن، لن يتعرض لهزة، أو إهمال، مرة أخرى، فالأهم من التطوير أن يكون لكل حى، أو منطقة، شخصية، وهويتها، والأهم أصحابها، أى سكانها المتابعين، الذين يشاركون، ويصححون أى أخطاء تحدث فى العمل، وأن يكون بينهم وبين الحكومة، والمؤسسات التنفيذية، حوار إيجابى مستمر وخلّاق، ينبع من أنهم يشعرون بأن العمل والتحديث ملكهم، وأنهم أصحابه، وأولى الناس بالمتابعة، وحمايته.
ومثلما حدث مع سكان الزمالك، تكرر الأمر مع سكان مصر الجديدة، أسلوب حضارى متميز فى المناقشة، وعرض الرأى، ومتابعة الأجهزة التنفيذية، للحفاظ على الطراز المعمارى لحيهم العريق، خاصة كنيسة البازيليك، ذات التراث المعمارى الفريد، والتى بُنيت من عمر مصر الجديدة، أكتر من قرن من الزمان، ويتوسط هذه المنطقة العمرانية “هليوبوليس”، أو حى “الشمس”، هذا القلب النابض بهذه الواجهة المعمارية على الطراز البيزنطى المشابه لـ”أيا صوفيا” فى اسطنبول، فقد تحرك المسلمون قبل المسيحيين، والأرثوذكس قبل الكاثوليك، وهو تحرك قاهرى منظم لاستمرار هذه الواجهة الجميلة دون أن يعوق منظرها كوبرى جديد، وهو الذى كان فى المخطط القديم..
هذا التحرك الجماهيرى المميز، واستجابة الحكومة، جعلنا على ثقة من أن ما تقوم به الدولة، الآن، فى كل أنحاء مصر، من بناء وتعمير، سواء فى العاصمة الجديدة، أو المدن المصرية المختلفة، بكل أحيائها، لإعادة رونقها وجمالها، الكل شركاء فيه، ويتابعونه بحيوية وجدية، وضرورى ومهم جدا لمستقبل العمل، فقد كانت الآفة المصرية القديمة ليس عدم البناء، ولكن عدم الصيانة، أو عدم المتابعة، للحفاظ على ما يُبنى، خاصة إذا كان من المال العام، وهذا يستدعى التحرك الحكومى لبناء نظام متكامل للحكم المحلى، أو الإدارة المحلية الفاعلة، وأن تكون هناك مشاركة مستمرة لحماية الأعمال، وليت هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة تنضم لما يحدث فى القاهرة والمدن المصرية، وتنقذ المجتمعات العمرانية التى تشرف عليها من الزحام والإهمال، خاصة فى التجمع الخامس، تلك المنطقة الراقية، التى ليس لها عمر طويل، ولكن امتدت إليها أيادى الإهمال، وعدم المتابعة، لدرجة أن أهم تجمعاتها (منطقة غرب الجولف وامتداده، وجولف القطامية) فى حالة اشتباك وصلت إلى الاستغاثات لرئيس الحكومة والمسئولين، لإنقاذهم من العشوائية الجديدة الناتجة عن الإهمال، وعدم مد خدمات، وترك الأحياء للخلافات بين السكان، وعدم احترام المخططات العمرانية..
أعتقد أن التطور الذى يحدث فى مصر، الآن، مثير وجميل، والحوار بين الأهالى والحكومة يدعو للإعجاب، لكن المتابعة وسرعة الحل ستجعلان هذا التطور أكثر جمالا ورونقا، ويليق بالتطوير، والتحديث، والأموال الضخمة، التى تُصرف على عمليات البناء، لنحافظ عليها، ليس للأجيال الحالية فقط، ولكن للأجيال القادمة كذلك.
فتحية لكل يد تخطط، وتعمر، وتحل المشكلات لعاصمة قديمة، اكتظت بالسكان، وكانت تبحث عن أيادٍ حانية، وعمل جاد، ليعيد رونقها، وبهاءها التاريخى، ولا شك أن ما يحدث فى مصر شىء يدعو للإعجاب، والإبهار، فى الوقت نفسه، سواء فى العاصمة الجديدة، أو فى المدينة التاريخية- على السواء..

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى