مقالاتمقالات الأهرام اليومى

نحن وأمريكا.. ومراجعات بايدن!

أسامة سرايا
لم تكن الإدارة الأمريكية الجديدة فى حاجة إلى المائة يوم الأولى لسلطة بايدن للتوصل إلى مراجعات جديدة لسياساتها الخارجية، خاصة فى منطقتنا الملتهبة، لأن بايدن كان اهتمامه الرئيسى والأهم منصبا حولها منذ 50 عاما، خاصة فى السنوات العشر الأخيرة، متابعا عن قرب فى إدارة ديمقراطية نائبا للرئيس، ومرشحا محتملا للجمهوريين للمنافسة على المنصب، الذى انتظره طويلا، ووصل إليه فى لحظة أمريكية وعالمية حرجة، وسط دوامة أو إعصار أمريكى، تصور المراقبون خلاله أن الولايات المتحدة الأمريكية، فى أزمة، لأنه بدا للبسطاء أن هناك صراعا على السلطة بين الحزبين المتنافسين، والذى اُختتم باقتحام همجى للكابيتول، وكانت المؤسسات الأمنية فى الدولة العظمى الوحيدة فى حالة من السكون، أو الانتظار، أو الترقب.
إن كل ما سبق حدث وسط جائحة “كورونا”، الوباء العالمى، وقد كانت أمريكا من أكثر الدول تضررا منه، وقد انعكس ذلك، ليس على الأمريكيين وحدهم، ولكن على العالم، ونحن منهم، تأثيرا ومتابعة، لدرجة أننا شاركناهم الأحداث، ونسينا أن نركز على مراجعاتنا، وما نحن فى حاجة إلى أن نقوله للإدارة الجديدة، لحظة توليها المسئولية مباشرة، خاصة أن أوضاعنا الداخلية، فى منطقة الشرق الأوسط كلها، كانت فى حالة انتظار، أو بحث، ليس عن المصل، ولكن عن الترياق، للتخلص من الجمود، والفوضى، والاضطرابات،
والحروب التى شملت معظم بلادنا، وكان يجب أن تكون هناك مراجعات سابقة لمراجعات إدارة بايدن، لأننا الذين كان يجب أن نبادر ونطرح لهم أوضاعنا، واحتياجنا إلى الأمن، وإلى سياسات جديدة، ونضع أمامهم أجندة للأخطاء الأمريكية المتتابعة فى السياسات الخارجية فى منطقتنا، والتى أدت إلى تأثيرها على حياة كل البشر فى المنطقة العربية، وتحديدا كلنا كنا متضررين، وأوضاعنا الاقتصادية والإنسانية عارية، ومفتوحة على أزمات جديدة، وصراعات دامية، وكانت كلها واضحة،
وكان يجب أن تكون المبادرة منا للمكاشفة والمصارحة مع الأمريكيين، وإدارتهم المؤسسية الجديدة، عقب توليها المسئولية مباشرة، لأن الصورة كانت واضحة جدا لهم ولنا،.
وأقصد الدول العربية جميعا، بما فيها مصر، التى تملك الآن إدارة ممثلة للشعب والمؤسسات معا، ولديها رؤية كاملة عن أوضاع منطقة الشرق الأوسط، وكان يجب أن يكون اتصالنا بالأمريكيين، لنحدد لهم ما تشعر به المنطقة الآن من الآلام والمعاناة فى الخليج العربى، فهناك حرب مشتعلة فى اليمن فجرتها إيران، لزعزعة استقرار السعودية ودول الخليج، بعد فشلها فى تفجير البحرين، ولم تكن الأزمة العربية فقط وليدة الصراع “الأمريكى- الإيرانى” النووى، ولكن لأن المنطقة كانت مفتوحة على التدخلات الخارجية، التى فرضتها أخطاء مباشرة من السياسة الأمريكية فى المنطقة، بعد حربين شديدتى الوطأة فى العراق وأفغانستان، عقب أحداث سبتمبر 2001 فى واشنطن ونيويورك، وكان على المنطقة العربية أن تدفع لوحدها ثمن هذا الحادث الإرهابى البشع، بإعلان الحرب عليها وحدها، والذى نتج عنه ظهور ما عُرف بتنظيم “داعش” الإرهابى، وهو تطور لـ”القاعدة” فى أفغانستان، كما سمحت أمريكا بالتدخل فى شئون دول المشرق العربى لكل القوى العالمية، مما أدى إلى اتساع رقعة الحرب على سوريا والعراق، كما سقطت ليبيا نتيجة ضربات جوية من الناتو، ولم يكن هناك حل سحرى لإنقاذها بقدر ما كان حلا سريعا لسقوطها، وهجرة سكانها خارج حدودها، وكنا نحن فى مصر فى منطقة الخطر، وتسلط المتطرفين علينا، لولا وجود مؤسسات، وجيش حازم وحاسم وقوى، وشعب رفض السقوط واستدعى مؤسساته للحكم، ولم يكن ذلك إنقاذا لمصر وحدها، ولكن كان إنقاذا لمنطقتها العربية ككل من السقوط تحت النفوذ الإيرانى، أو التركى، أو الإسرائيلى، أو حتى الأوروبى، والروسى، وكان يجب، حفاظا على استقرار الوطن، وحرية شعبه، وأراضيه، مواجهة الإرهابيين والمتطرفين، الذين انتشروا على حدوده: مع السودان، وليبيا، ولم تكن مصر ملاذا فى دعم أشقائها فقط، بل كانت أكثر الدول استقبالا للمهاجرين والفارين من الحروب فى السودان، وسوريا، واليمن، وليبيا، ومن قبلهما العراق ولبنان..
كما كنا، ومازلنا، نعانى، انتظارا لحل عودة اللاجئين الفلسطينيين، وقد تجمد “حل الدولتين”، انتظارا لقرار أمريكى يُلزم إسرائيل، ولم يأتِ ذلك القرار بعد، ولكم أن تتخيلوا هذا الحل، إذا جاء، وتأثيره على حال المنطقة، خاصة لمواجهة الإرهابيين والمتطرفين، وقد كان أنصار السلام والاستقرار الإقليمى، الذين يتزايدون فى مصر والمنطقة، فى حالة الانتظار للقرار الأمريكى، لدعمهم وتشجيعهم، بحل هذه الكارثة الفلسطينية المفزعة منذ قرن من الزمان، إلا أنه ونحن فى انتظار هذا الحل، كانت قائمة المتضررين العرب تتزايد فى سوريا، واليمن، والعراق، ولبنان، وكل ذلك نتيجة سياسات أمريكية تحتاج إلى المراجعة والفهم لطبيعة شعوبنا ومنطقتنا، ودرجة تطورها ونموها الثقافى، والاقتصادى، والاجتماعى، بل درجة قدرتها على بناء هياكلها، ومؤسساتها السياسية، والاقتصادية، وبدلا من أن تساعدها أمريكا والغرب فى إيجاد مخرج للكوارث الإنسانية، التى ألمتْ بها، وغياب حل لمشكلاتها مع جيرانها الإقليميين: إسرائيل، وتركيا، وإيران؛ جاءت أمريكا لتسبقنا، أو إدارة بايدن (باستخدام الأساليب القديمة: حادث هنا، أو هناك، أو أخطاء، فى مواجهة حالات التعامل مع الإرهاب، والتطرف) لتوصم المنطقة بغياب حقوق الإنسان، وأصبحت الحوادث الفردية (التى يجب أن يكون هناك حل وطنى لها) بديلا عن المناقشة الصريحة فى أخطاء السياسات الأمريكية فى منطقه الشرق الأوسط، والتى يجب أن نحددها الآن بتفاوض عربى جماعى، قد يستدعينا أن ندعو واشنطن لتقود مبادرة عالمية، مثل مشروع “مارشال اقتصادى وسياسى” لإنقاذ المنطقة مما ألمَ بها نتيجة الحروب العبثية، الأمر الذى جعلها منطقة اللاجئين والفارين الأولى فى العالم..
إننا لا نريد زيادة المشكلات الإقليمية التى تهدد بلداننا، والتى امتدت بالفعل إلى الغرب، كصراعات جديدة- لعل أهمها الصراع على النيل بين مصر والسودان وإثيوبيا، ومشكلات اليمن، وسوريا، والعراق، ولبنان، وليبيا- إذا فُتحت فإنها تحتاج إلى حالة من المفاوضات، وليس أن تجتزئ الإدارة الأمريكية الأمور، وتلجأ إلى عمليات التسطيح، ووضع القوى، التى عملت على الاستقرار الإقليمى فى السنوات الماضية، فى موضع الاختيارات الجديدة،.
فالمنطقة العربية تمتلك قادة مخلصين وقادرين على إدارة هذا التفاوض، وتلك العملية الممتدة والدقيقة، ليس مع الإدارة الأمريكية فقط، ولكن مع كل القوى العالمية، وروسيا، والصين، وأوروبا، والقوى الإقليمية الأخرى المهتمة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى