مقالاتمقالات الأهرام اليومى

حوار حول “الشهر العقارى” و”الثروة العقارية”

أسامة سرايا

أزمة “الشهر العقارى” الأخيرة كشفت عن فاعلية “الحوار المجتمعى”، وقدرته، وكانت استجابة الدولة سريعة قبل أن يبدأ شهر التنفيذ (مارس الحالى) بالتأجيل، وتلك يجب أن ننظر إليها بجدية، ومن زاوية مهمة، لأن الرفض المجتمعى ليس ضد التسجيل العقارى، بالرغم من أن “رسوم” التسجيل كان مبالغا فيها إلى حد كبير، كما أن ضريبة “التصرفات العقارية” تحتاج إلى المراجعة والتبسيط، ولأن الرفض المجتمعى كان منصبا أساسا على مدى قدرة المؤسسة المناط بها التنفيذ، وهى هنا “الشهر العقارى”، على أداء هذه المهمة الصعبة
إن لكل مصرى مع مصلحة الشهر العقارى قصة، من صعوبتها، ومن طبيعة العاملين بالشهر العقارى أنفسهم، كنا نتساءل بتعجب: كيف سينفذون هذه المهمة الصعبة والدقيقة؟.. فثروة مصر العقارية تقترب من 10 تريليونات جنيه، وهذه القيمة مرشحة للزيادة إلى 15 تريليونا، حيث يبلغ عدد العقارات نحو 43 مليون عقار، وإذا نظرنا إلى هذه الثروة، فهى “أصول” للاقتصاد المصرى، وعند تسجيلها، فإنها من الممكن أن تكون ثروة حقيقية، يمكن “تسييلها” فى أى وقت، مما يجعل البنوك تتعامل معها بكل سهولة ويسر، وهذا يؤدى إلى أن كل هذه الأموال من الممكن إعادة استثمارها، وضخها فى شرايين الاقتصاد لمصلحة المجتمع، وأيضا يستفيد منها أصحابها، وتصبح الثروة العقارية مولدة للدخل، ولذلك فإن كل أصحاب العقارات، وهم، تقريبا، جميع المصريين، سيكونون مستفيدين من هذا التسجيل.
إننا إذا نظرنا بدقة إلى مصلحة الشهر العقارى؛ فسنجد أنها ينطبق عليها تعبير “القلعة الحصينة لحماية الملكية”، وقد كنا نتصور أن تقوم الدولة، قبل أن تُقدم على تلك المهمة الصعبة والدقيقة، بتبسيط كل الإجراءات، وأن يصاحبها تغيير جذرى فى مصلحة الشهر العقارى، حتى لو أدى الأمر إلى تحويلها إلى وزارة مستقلة، أو هيئة قضائية، يتمتع العاملون فيها بحصانات القضاة، وبمستواهم الاجتماعى، والاقتصادى، كما أننا إذا نظرنا لطبيعة هذه المؤسسة، فإننا سنجد أن مصر أخذت بنظامين، هما ” الشهر الشخصى والسجل العينى”، وكان تحديثهما يجب أن يسبق هذه المهمة، والفصل بين القطاعين يحقق سرعة لهذا الإنجاز، ويعطى التخصص قدرته، وفاعليته، فقطاع التوثيق هو مجموعة من الإجراءات القانونية والموضوعية التى يقوم بها الموثق لتوثيق، وتسجيل، وتحقيق، وتحرير المحررات، والعقود بجميع أنواعها، وفقا لأحكام الدستور والقانون، وهذا التقسيم لقطاعى المصلحة (الشهر العقارى والتوثيق) هو نظام قانونى مصرى حالى، واستثنائى، وغير موجود إلا فى عدد قليل جدا من دول العالم، وهو الجمع إداريا بين جهات التسجيل العقارى والتوثيق فى مؤسسة حكومية واحدة، مما أدى إلى صعوبة تحقيق هذه المهمة، وأصبحت لا تتم بالشكل المناسب، وهجرها الناس، ونحن نحتاج إلى تطوير هذه الوظيفة، باعتبارها وظيفة اجتماعية، وعنصرا من عناصر الثروة القومية فى المجتمع، بهدف استقرار المعاملات بين الأفراد، عن طريق البحث، والتحقيق فى أساس الملكية، وقيد الحقوق العينية، سواء أصلية أو تبعية، من واقع المستندات المعروضة.
إذن، فإن مصلحة “الشهر العقارى” تحتل أهمية كبرى، باعتبارها إحدى المؤسسات، أو خط الدفاع الحقيقى فى مواجهة “مافيا” الأراضى، وهى ملاذ الناس لصون ممتلكاتهم.
ولذلك، فإننا إذا نظرنا إلى الشهر العقارى، والثروة العقارية، من منظور اقتصادى، وحماية مصالح المواطن، فسنجد أن كل مصرى ومصرية سوف يرحبان بهذا، بل يطالبان به، ونُعده قرارا تنظيميا هائلا، ولكن إذا نظرت إليه الحكومة من منظور “الجباية” الضريبية، فإنها تعبث بالقرار، وتفصله عن مضمونه، وحقيقته، وهذا ما حدث بالمادة الأخيرة، وكان الهدف هو رصد التصرفات العقارية، وليس حماية الحقوق، وإعطاء ملاك العقارات حق التصرف، والاقتراض، والإحساس بالملكية، والتعامل معها كنوع من “الكاش”، الذى يصلح لإقامة مشروعات، واستثمار بضمان عقارى، وبالتالى تتحول هذه الأموال من “قيمة مهملة” إلى “حركة حيوية” فى سوق منتعشة.
لقد كنا،منذ إنشاء مصلحة الشهر العقارى فى عام 1946، وهو العام الذى أنشئ فيه أعرق المؤسسات القضائية فى مصر، ألا وهو مجلس الدولة، على وشك تحقيق استقلال هذه المؤسسة، واعتبارها هيئة قضائية مستقلة، وقد مرت بمراحل متعددة، وكانت الأولويات تجعلها مهملة، حتى نسينا الشهر العقارى، وبالتالى أهملنا الثروة العقارية، إلى أن جاء هذا القانون المعيب، الذى يحتاج إلى تطوير شامل، وتبسيطه، وإلى وضبط آليات تنفيذه، لكن الأهم المؤسسة المناط بها التنفيذ، يجب أن نعيد إليها الاستقلالية، والتى تَجنب الناس الذهاب إليها، فالشهر العقارى مهم لحياة كل إنسان، مثله مثل المحاكم، التى تصدر أحكاما ولا تستطيع تنفيذها، لأن آليات التنفيذ ضعيفة، ولا تتناسب مع قدرة المؤسسة القضائية، ومكانتها فى مصر..
نحن جميعا فى حاجة إلى “توثيق” عقاراتنا، وحماية الملكية، وهذا فى مصلحة الناس، ولا يمكن نترك “البيروقراطية”، وضعف المؤسسة، والأوراق الكثيرة المعقدة، والتكاليف الباهظة، تجعل هذا الهدف يضيع منا من جديد، فيجب أن يكون هناك حوار موضوعى، يتناول القانون، وتبسيطه، ووضع الشهر العقارى نفسه، وفصله عن وزارة العدل، وتحويله إلى مؤسسة قضائية مستقلة، وتزويده بتكنولوحيا حديثة، وأفراد دارسين لأصول التوثيق، واسترجاع الوثائق، وأن تكون مؤسسة جماهيرية ينظر إليها المواطن بارتياح، لأنها تقدم خدمة مهمة له، ولا يهرب منها خوفا من التعقيدات، والمشكلات المتراكمة، والموظف الضعيف، الذى ينظر لنفسه داخل كادر وزارة العدل أنه مظلوم بها، ويذهب لعمله وهو فى حالة التعاسة، ويندب حظه أن القوى العاملة حولته إلى وزارة العدل فى مهنة التوثيق والشُهر، وهى من الأعمال القضائية، لكنه يتحول داخلها إلى الكادر الضعيف، وبالتالى لا يستطيع أن يلبى المهمة المطلوبة منه، ويتسبب فى التعقيدات، والمشكلات لطالب الخدمة، مما يجعله يهرب منها..
أعتقد أن تغيير الجهاز الإدارى فى الدولة ضرورة حتمية، لأنه لا يلبى طموحات الدولة المعاصرة، التى نتطلع إليها، بل أصبح هذا الجهاز، الذى يُناط به دفع الدولة للأمام، وحماية أصولها، وتطوير آلياتها، عبئا ضخما على دولة تتطور بفاعلية، وقدرة متزايدة، كما يحدث فى مصر الآن.
لا أريد أن يكون التشريع المعيب فرصة للرد على هدف “سامى”، هو ضخ الثروة العقارية فى شرايين الاقتصاد المصرى، وحماية ممتلكات الأفراد، وإنقاذهم من “مافيا” الأراضى، والاستيلاء على الشقق، دون وجه حق، ولهذا نتطلع إلى “حوار مجتمعى” جديد، يحقق الهدف، ويتلافى السلبيات، ولا يقتل الأهداف النبيلة، للتطور الاقتصادى المصرى.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى