مقالاتمقالات الأهرام اليومى

رحلتان لهما ما بعدهما السيسى فى الخرطوم.. وبابا الفاتيكان فى بغداد

أسامة سرايا
فى مارس الحالى، حدثت فى منطقتنا العربية رحلتان لهما بصمتان تاريخيتان كبيرتان، لا تُخطئهما العين أبدا، وستكون تأثيراتهما متتابعة، بل لهما ما بعدهما، وعلينا أن نُمسك بتلابيبهما، لتكون العبرة بالنتائج للشعوب كلها، والأهم أنهما تُعبران‏ عن رغبة مكنونة لدى شعوبنا فى صناعة السلام، والتعايش، والمحبة، والخروج من الأزمات، التى يصنعها سوء التفاهم، والصراعات، والحروب.
الرحلة الأولى، كانت عندما حط الرئيس عبد الفتاح السيسى فى الخرطوم (6 مارس) ليصنع لقاء “مصريا- سودانيا” مميزا للغاية، نتائجه لن تكون مباشرة على الدولتين صاحبتى الحدث فقط، ولكن على كل وادى النيل، الذى يعيش تحت وطأة أزمة السد الإثيوبى، ومفاوضات طويلة لأكثر من ١٠ سنوات بلا جدوى حتى الآن، وتَعلُق مشاعر الشعوب على مصدر الحياة، ألا وهو الماء.
أما الرحلة الثانية، فكانت متزامنة مع الرحلة الأولى، ( ٥ – ٨ مارس)، وهى رحلة الحبر الأعظم، البابا فرنسيس- بابا الفاتيكان، إلى بغداد، وأربيل، وأور، ليفتح صفحة جديدة للتعايش بين الغرب والشرق.
لم تكن زيارة أعلى سلطة روحية فى العالم للمسيحيين وحدهم، ولم يكن العراق وحده الذى يعيش المحنة الممتدة، ولكن لجيرانه فى أرض المشرق (السوريين، واللبنانيين، والفلسطينيين) الذين يعانون هم الآخرون وطأة مشكلات متراكمة، والأهم سقوط وضعف دولهم.
إننا إذا نظرنا إلى الرحلة الأولى للسودان، فسنجد أنها تذكرنا بوقوف الرئيس عبدالفتاح السيسى فى سيدى برانى بمطروح فى ٢٠ يونيو ٢٠٢٠، وهو يخاطب ‏الجيش والقبائل الليبية، معلنا دعم مصر للشقيقة ليبيا، واحترامه للشعب الليبى ككل، ولوحدته، وحدد الخط الأحمر، الذى لن تسمح مصر لأحد من المعتدين والإرهابيين بأن يتجاوزه بدخول الميليشيات، أو القوة الأجنبية على خط “سرت- الجفرة”.
لقد كانت رسالة قوية سمعها كل طامع فى ليبيا، وسمعها العالم: “مصر القوية لن تترك ليبيا للحروب العبثية، أو الميليشيات الإرهابية، نحن فى خندق واحد”، وكان لهذه الرسالة مفعول السحر على العالم، والمتابعين، والأهم على المعتدين، الذين راجعوا حساباتهم وأدركوا أن ليبيا ليست أرضا محروقة، وأن مصر لن تتركها للميليشيات، كما كانت هذه الرسالة القوة التى تصنع السلام، وهى نقطة البدء لما نراه الآن فى ليبيا من جدية وخطوات نحو إعادة الدولة وبنائها.
وهكذا كانت رحلة السودان لإنقاذ وادى النيل وشعوبه كلهم، وليس مصر والسودان فقط، ولكن الأهم إثيوبيا نفسها، التى تعيش محنة الحرب الأهلية، والأخطاء الإستراتيجية فى التفكير والرؤية لقضايا خطيرة تهم الشعوب قبل الحكومات، وهو ما عبر عنه قادة أديس أبابا بأن النيل الأزرق بحيرة إثيوبية تتحرك فيها بقرار أحادى، بل فرض أمر واقع على كل الشعوب التى ‏على هذا النهر منذ بدء الخليقة وحتى الآن.
إن لقاء مصر والسودان لم يكن لقاء تقارب تفرضه الجغرافية قبل التاريخ، ولوحدة هدف فى قضية وجودية (١٥٠ مليون مصرى وسودانى)، بل ضرورة بقاء فى عالم متغير، ودنيا جديدة لن تسمح لأحدهما بالحياة بعيدا عن الآخر، كما كان لقاء مساواة وتعاون، ليس من أجل قضية واحدة مهما تكن خطيرة ومؤثرة على كل مصرى وسودانى، بل لأنها الامتحان الأقسى والحاسم، لأن النجاح فيه يعنى نجاج الشعبين والجيشين، وأنهما يستحقان الحياة معا بكرامة واحترام، ولم يكن لقاء حرب أو استعداد لها، بل أكبر من ذلك؛ أنه لقاء القوة ووحدة الرؤى التى تصنع السلام واستدامته لدى العقلاء، ورغم تَخوفنا من سوء الإدراك الإثيوبى، الذى تمثل فى تفجير الصراعات العرقية بين شعوبه، والتى لها تأثيرات ضارة على دول القرن الإفريقى ووادى النيل، بل دول البحر الأحمر كلها، فإننا مازلنا نعتقد أن العالم لن يتركنا لوحدنا، خاصة عندما طلبت مصر والسودان من الرباعية الدولية (الاتحاد الإفريقى، والولايات المتحدة، والأمم المتحدة، والاتحاد الأوروبى) التدخل فى قضية مصيرية تُحدد ليس علاقات الدول، ولكن علاقات الشعوب ببعضها..
أعتقد أن التطورات فى حوض النيل- رغم أن الوقت يدهمنا، فالملء الثانى للسد الإثيوبى سيتم فى صيف هذا العام- ستكون طبقا لحجم المسئولية والتبعات، التى لا تجعل الشعب ‏فى مصر والسودان، وحتى إثيوبيا، قادرا على الانتظار، لأن المخاوف تكتنف الجميع، كما أن المجتمع الدولى لن يترك شعوب وادى النيل تنزلق إلى حروب وصراعات على المياه، رغم أنها تعيش فى وادى المياه، وفى أهم منطقة فى العالم، حيث تُعتبر الاحتياطى الإستراتيجى للعالم فى المياه، فإذا أرادوا أن يجعلوا من المياه سلعة للبيع، فيجب ألا يكون ذلك على حساب دولتى المصب (مصر والسودان)، وإنما بتعاون لزيادة الإيرادات من المياه ‏والاتفاق على توزيعها، وليس من الحصص القديمة، التى هى نفس حقوق المياه والأرض، صنوان لا يفترقان، ولا حياة من دونهما، وتلك رسالة خطيرة ستُحسب للبلدين (مصر والسودان) أنهما تحركا فى اللحظة الدقيقة، ليس من أجل شعبيهما فقط، ولكن من أجل منطقتهما أيضا.
أما زيارة البابا للعراق، فهى تحمل رسائل أكبر للمشرق العربى ككل، والتى تمت كرغبة باباوية فى تأكيد أن العراق مهد الأديان (٢٠ ديانة وطائفة)، حيث أرسل رسالة جديدة ‏للعالم أن هناك رغبة شعبية عارمة لتصمت الأسلحة، وأن يعلو شأن ومصالح الشعوب، وأن عراقية العراقيين هى الهدف الأسمى.
إن العراق يسعى للتخلص من حالة الحرب، التى طالت لأكثر من ٤ عقود، ويسعى للتخلص من الضغوط الإيرانية التى تفرض على شيعتها التبعية للخارج،
والرحلة الباباوية ‏هى رسالة للشيعة العرب، بل تصحيح لمفهوم زرعته إيران أن ثورتها جاءت من أجل المستضعفين ومساندتهم أمام المستكبرين، بل إن الرحلة جاءت لعدم خلط بين ما يحدث مع إيران وأخطاء سياساتها، ولكى تكون العراق بعيدة عن هذه الأخطاء، وليس النقطة الضعيفة التى يجرى فيها الصراع “الغربى- الإيرانى”.
يجب على المفكرين والسياسيين العرب أن يجعلوا من زيارة البابا فرنسيس نقطة حوار لإخراج العراق من محنته، فبخروجه من هذه المحنة سوف يستفيد كل الجيران، بل كل العرب فى كل مكان، ‏ولنتذكر أنه منذ سقوط بغداد ثم سوريا، وما يحدث فى اليمن، وليبيا، ولبنان، فإن خاصرة المنطقة مفتوحة للصراعات ودولها متأثرة ببعضها، ولهذا فإن المنطقة ككل تحتاج إلى حلول، وشبكة إنقاذ عالمية، فكفى ما نعانيه حتى الآن، وطوبى لصناع السلام.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى