مقالاتمقالات الأهرام العربى

عباس الطرابيلى

أسامة سرايا

رحل كاتب صحفى مخضرم قدير وأمين وموهوب فى زمن الكورونا، خطفه منا هذا الفيروس اللعين، وهو فى ذروة العطاء وقمته.
رحل الأستاذ عباس الطرابيلى، الكاتب السياسى بل والمؤرخ، فهو يعرف تاريخ مصر .. ويكتبه كأنه مكتوب على كف يده.
تستطيع أن تسأله فى أى وقت عن أى شخص أو شارع أو مدينة أو حتى قرية فى الدلتا أو الصعيد .. أو عن قصة تاريخية أو حكاية أدبية أو فنية أو سيرة إنسانية، فتجده يقدمها إليك على طبق ليس من فضة فقط بل أكثر من ذلك، لأنك تستطيع بعد أن تقرأ ما يكتب عباس الطرابيلى، أن تتذوق ما يقول.. لأنه فاكهة طازجة.
وعليك أن تختار أى نوع من الفاكهة تحب.. سوف تجدها فى كلماته التى يغذيها بلغة عربية فصيحة، وكلمات تبدو للبسطاء عامية لأنها سهلة وميسورة، وهى من أم القواميس مكتوبة، بل إنها دقيقة، فالرجل موسوعى الموهبة.. ذو ذاكرة حديدية تهضم التفاصيل التى تضيع من الكثيرين ولا تتذكرها القواميس.
رحم الله الأستاذ عباس الطرابيلى الذى عاش لمهنتنا أكثر من 70 عاما، فقد ولد فى يناير 1936 ورحل فى مارس 2021. يكتب ويؤلف ويدير الصحفيين وينشئ الصحف ويخطط الصفحات بل يصورها كأنه يعيشها، ويكتب كأنه يعلم وفى نفس الوقت يدرس.. ولا يقدم موعظة إنشائية ولكنه يكتب صحافة «كالأدب» موثقة معلوماتيا كأنه يكتب للجامعات وليس للصحف السيارة.
ويروى قصة حقيقية تهضمها فورا وتشعرك بأنها قصتك وتجد نفسك ترددها كأنك صاحبها.. وفجأة ينتابك حس الملكية الفكرية.. فتذكر قائلها لكنك تتبناها كأنها قصتك وتصبح كلماته وكتاباته حكاية تعيش فينا. ونتذكرها كأننا صنعناها. رحلة الرجل المهنية عظيمة وذات قيمة خالدة.
ولم تكرمه دولة أو جريدة أو هيئة، مثل الكثيرين من العاملين فى مهنة الصحافة، فهم يرحلون فى صمت وكأنهم لم يقدموا عصارة عقولهم لوطنهم وأمتهم وأهاليهم، وعاشوا منهم ومعهم على الحلوة والمرة بل جعلوا حياتهم ممكنة وغذوا عقولهم.
وساعدوهم فى أن تستمر حياتهم نظراً لأن القراء أو أصحاب الاهتمام، وكل من فى سوق مهنتنا كلهم فى واد يهيمون، بل يشعرون بأنهم يغرقون وينسون الملاذات الإنسانية التى عاشوا فى ظلها سنوات طويلة.
رحم الله عباس الطرابيلى – الذى عاش معنا وعلمنا، وكتب لنا طوال العهد الجمهورى مع نجيب وناصر والسادات ومبارك والسيسي، بل إنه من معاصرى العهد الملكي، كان أحد أضلاع العمل الصحفى فى الأخبار، وشارك مصطفى شردى وجمال بدوى فى تجربة الوفد، وكان الثلاثة نجوم أول صحيفة وفدية. جاءت مع عودة الوفد الجديد لتكون بعثة للحياة السياسية، فقد سبقت الحزب السياسى العريق، بل سبقت كل أحزاب المعارضة، وكانت الأقوى.
طاف الطرابيلى بالمنطقة العربية كلها، وكرمته الإمارات العربية لدوره فى دعم صحافة الخليج، بل وإنشائها هو وصحبه الكرام الراحلون.
رائد مهنى يرحل فى زمن الكورونا، بل فى عصر تعيش فيه مهنة الصحافة، حالة أزمة مع نفسها، ومع اقتصادها، ومع جمهورها، فى عصر السوشيال ميديا، وضعف الاقتصاد.
فجأة أصبحت مهنتنا فقيرة لأنها تتأثر بأوضاع السوق و الاقتصاد والإعلانات.
ونحن فى حالة مخاض جديد.
قلبى مع الصحفيين وإحساسى بأنهم يشعرون بأن قراءهم فى واد بعيد، وأن صحفهم فى حالة من الاغتراب.
شيوخ المهنة وفى مقدمتهم الراحل الكبير لم يشعروا بهذه المخاوف، لأنه ظل شغوفا بالكلمة، وبما يكتب، وكتاباته من فرط طزاجتها وحلاوتها. كانت تشعره بالميلاد الجديد. لذلك ظل الشيخ الثمانينى شابا متواصلا مع الكل شيوخا وشبابا، محبوبا من الجميع، فى كل الصحف والمجلات المصرية والعربية، اسمه كان مصحوبا بالاحترام، كان المعارض الذى يسأل عنه المؤيد، يحترم الجميع ويقدر الوطن، والوزراء يتساءلون والقراء يسألون: أين أستاذ طرابيلى؟! كتاباتك حية بل مدوية ومستمرة مكتوبة بمداد المحبة والرؤية الثاقبة، لذلك فهى باقية.
أستاذ طرابيلى، أشعر تجاهك بمحبة، كنت تقابلنى كأننا كنا معا فى المدرسة أو الجامعة.
رحلت وأرجو ألا ترحل معك تلك الروح المحبة، ولن ترحل لأن الروح كما قال الخالق لا ترحل، لكنها ترفرف فى المكان الذى أحبت، وأنت روحك أحبت مهنة الصحافة واحترمت وبجلت الوطن وقدرت الإنسان، لذا فهى باقية.
رحم الله الأستاذ عباس الطرابيلى، الذى عاش لمهنتنا وخدم الوطن فى العصرين الملكى والجمهورى، وكان القارئ يبحث عنه بشغف وبحب، فهو كما قلت “فاكهة طازجة وكلمة حلوة” كانت تثير وستظل حية وخالدة.

أسامة سرايا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. شكرا لك اسامه بيه كلماتك المعبره عن اااستاذ عباس الطرابيلي فقد كان عاشق للتفاصيل التاريخيه والمواقع المصريه والشوارع وعرفت منه الكثير في كتابه عن العباسيه وغيرها شكرا لك والله يرحمه ويغفر له.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى