مقالاتمقالات الأهرام اليومى

عاصم القرش.. ورحلة الوداع عن عالمنا!

أسامة سرايا
ظللت فى عالم آخر، غير عالمنا الذى نعرفه، لدقائق، عندما هاتفنى زميل وأنا فى الطريق، وقال كلمة صغيرة- كبيرة، تكبر مع الأيام: عاصم القرش فى رحاب الله!
عاندنى التصديق، رغم معرفتى أنه يقاوم “كورونا” فى المستشفى، وتوقفت على جانب الطريق، لأكفكف دموعى، وأستجمع نفسى، وأواصل المسيرة، ويعود إيمانى بأن الخالق استرد وديعته، ولا حول ولا قوة إلا بالله، فكلنا لله، حقيقة تتكرر وكأنها تحدث لأول مرة، ونفاجأ بها، لأن الخالق جعل لكل منا بصمة إنسانية تختلف كلية عن الآخر.
لقد ‏لملم زميلنا الأستاذ عاصم القرش أوراقه، ورحل فى عام “الجائحة”، وهو كما هو، كما عرفته منذ 50 عاما، فى العام الأول للجامعة، فهو زميلى وأخى، كما وصفه زميل آخر- بحق- “الفتى الذهبى”، فهو لم يتغير أبدا، عبر كل المراحل، شكلا، أو روحا، أو أداء، فتى ولا كل الفتيان، شاب فى الثلاثين وهو فى الستين، وقد تجاوزها قليلا.
عاصم القرش، الصحفى الذى سميته “الخواجة المصرى”، والذى يحب الكشرى، ويبحث عنه فى كل مكان، فى القاهرة، وحتى لندن، وأى مكان آخر فى عالمنا، تخرج فى إعلام القاهرة، الدفعة الأولى (‏1975)، وكان من المتفوقين، وعُين معيدا بالكلية، ثم ترك الجامعة، وأشياء أخرى عُرضت عليه، من أجل الصحافة، والترجمة، والتحق بـ”الأهرام”، أصغر الطلاب، والخريجين سنا، وأكفأهم، والمبتسم الدائم، والخجول المبادر، وصاحب الروح العالية، حيث لا تُخطِئه العين فى أى مكان يوجد فيه.
ظللنا معا، طوال عمره، نتحاور فى كل شىء، طلابا وزملاء، لم تخرج منه كلمة إلا بالحق، والعلم، يعمل عاصم القرش بلا كلل، أو ملل، فهو محب لحياته، ومهنته، وملتزم بمصريته، وأسرته، وعروبته، هو كما هو، لا يدعى شيئا خلافا لما يعرف،‏ سألته: ستظل فى قسم الترجمة؟!.. نهرنى قائلا: الخارجى، نحن محررون، نحن مدرسة فى الصحافة والتحرير، ارجع إلى كتب عمك، وأعماله، لكى تعرف أنه غيَّر أقسام الترجمة إلى التحرير الخارجى، نحن مثل كل المحررين، نجمع الأخبار من الوكالات، ونحررها من جديد، ‏نعم يا عاصم، علمتنا درسا، يومها، كنت قد نسيته، عن عمى الراحل، فى المهنة، والذى كان مترجما بالخارجى، وصممت أن أرده إليك فى يوم من الأيام، وعندما سنحت الفرصة، قلت لمن يختارون، عند الاختيارات فى عام 2005 : عاصم القرش أفضل من يكون رئيسا لتحرير “الأهرام ويكلى”، عاصم القرش عائد، والذى كان مراسلا لـ”الأهرام” فى لندن، وخواجة، أو فلاحا مصريا، رغم أنه لم يعرف الريف، فهو قاهرى المذهب، ‏والمذاق، والمزاج، وسيكون تحريره فى الصحيفة “الأهرامية” الناطقة بـ”الإنجليزية” مختلفا، لأنه محب لمصريته، وسينقلها للأجانب بنفس روحه، وثقافته المصرية الخالصة، المُطعمة بكل الثقافات الحية، وكان عند عاصم شئ آخر عرفته، وخبرته؛ أنه يدرك أن الآراء المتنوعة مِزية، بل مزايا، لمهنتنا (الصحافة والإعلام)، وأنه يجب أن يقبل الجميع كما هم، لا يُغيِّرهم، ولكن يتحاورون معا، فيصنعون الجديد، ويعطون ‏مذاق المهنة المختلف، منعكسا على صفحاتها بحيوية متجددة، وتلك حقيقة، ولكن بشرط الالتزام بقواعد، وقيم، وجماليات مهنة الصحافة وآدابها.
ساعتها تنازعتنى مصلحتى، ومصلحة الصحيفة الأخرى، كنت أريدك معى فى “الأهرام”، لأننى أعرف قدرك، ومكانتك، وحاجتى إليك، وأنك ستساعدنى فى مهمتى الصعبة، فى ذلك الوقت، وقلت لك: أنت مكانك فى المبنى الثانى رئيسا للتحرير، ظننت أنت ساعتها أننى أتهرب منك، وأنت منى، لم تخرج على الإطلاق فى كل مراحل المهنة، وعمرنا، ولكن طبيعة الموقف، و‏صِدق النصيحة ألزمنى، لمن يسألنى، أن أكون صادقا، ونجحت يا عاصم رئيسا للتحرير، بل تفوقت، كما كنت مراسلا وصحفيا متميزا للغاية.
قصتك دائما مكتوبة، بل معجونة بروحك السامية، ولغتك المتماسكة، والمفتونة بالجمال، والطلاوة، والحلاوة معا، والرفيعة المصاحبة للصحفى، والمتأمل الكبير عاصم القرش.
سارعت إليك لكى أكون معك فى رحلتك الأخيرة عن عالمنا، من المستشفى، إلى الجامع، إلى طريق السويس، ‏حيث المثوى الأخير، كنت أتوه فى الطريق، لا أعرفه، لكننى قلت إن حدسى يحدثنى، ويساعدنى أن أكون إلى جوارك فى الرحلة الأخيرة، وكنت أريد أن أسمع لك، أو ألومك على الرحيل المبكر، فقد أدركت أننى سأسمع كلماتك، أو أحسها، ترن داخلى، كما كنت أسمع حواراتك معى ونحن طلاب، حينما كنا نمشى من جامعة القاهرة إلى رمسيس على أقدامنا لنركب قطار “كوبرى الليمون”، والذى أصبح الآن ‏الخط الأول لمترو الأنفاق، ونتعرف على القاهرة كأننا غرباء عنها، ونحن نعيشها، بل تعيش فينا، كما سمعتك وأنت تقول لى: اسمعنى، قصتى الصحفية مكتوبة بالأهرام، والويكلى، وصحف أخرى، ولكن لى جانب لا تعرفونه جيدا، أننى الآن أستاذ للمهنة، فقد أكملت دراساتى، وأبحاثى فى هذا المضمار الحيوى، عن المحتوى الصحفى والإعلامى لكل الصحف والمجلات، بل لكل الوسائل الإعلامية الأخرى، أدرس، وأصنع، وأهيئ الإعلاميين الشباب بالجامعات المصرية، وكنت أريد أن أكمل قصتى معكم بالتدريس والتدريب، لكننى لم أسمع صدى جيدا لطلبى، لم يهتم أحد، لم أزعل من أحد، كعادتى، واحتفظت بها لطلابى، أنقلها إليهم، وأسعد بحواراتهم، وتجاوبهم معى، وتلك رحلتى لم تتغير، أحب الجميع كما هم، لا كما أريد، لكن ثقوا أن مهنة الإعلام والصحافة لن تموت، بل تجدد نفسها، هى مثل الطعام، كليهما غذاء للعقل، والروح، والجسم معا، لن تتقادم أو تهبط مكانتها أبدا، لكنها الآن فى مرحلة تغير، وتكيف مختلف، يجب أن تعيدوا النظر فى كل شىء، يجب أن تدرسوا خصائصها الجديدة، ومتغيراتها المختلفة، واحتياجات القراء الجدد، والمشاهدين، والمستمعين، والمختلفين، أو حتى رواد “السوشيال ميديا”، برغباتهم المحمومة، وكلها احتياجات مشروعة، ومطلوب صنعها، فهم يعيشون فى عالم جديد، يجب أن نعرفه، ونساعدهم، فهم لا يعرفونه جيدا، ولا يهربون منه.
قد يتصور البعض أن اللغة اختلفت فيلجأ إلى الشتائم، أو الصوت العالى لجذب المشاهدين، ‏‏والقراء، ويحصل على “لايكاتهم”، أو موافقتهم مؤقتا، لكن ثقوا أن هذا ليس صحيحا على الإطلاق، فهو تغييب للحقيقة، ولن يثق القارئ، أو المشاهد، أو المستمع، أو المتلقى الجديد للإعلام، مع مرور الوقت، فى هذه الحالة، فهو يبحث عن الرسالة المتكاملة، التى يستطيع أن يهضمها العقل الجديد، الذى أصبح ملما بكل شىء، ومتغيرا فوق الوصف، بل يعيش العالم دقيقة بدقيقة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. صدقت زميلي العزيز وقلت ما في نفوسنا جميعا نحن رفاق الرحلة من كلية الإعلام لصوت الجامعة الي بلاط صاحبة الجلالة ..مرت السنوات وتراكمت الخبرات و كثيرا ما تبخر الحلم و لكن ظل عاصم نفس الشاب البشوش الذي يعيدني في لحظة الي رحاب كلية الإعلام وصوت الجامعة وسنوات عشان فيها الحلم و تصورنا اننا باقلامنا سنغير الدنيا ..رحم الله عاصم ..وجيعتنا مشتركة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى