مقالاتمقالات الأهرام اليومى

القناة.. والنيل.. ونبض مصر!

أسامة سراياأسامة سرايا
مصر المعاصرة تعيش لحظة دقيقة من عمرها المديد، والحمد لله، عندما سمعنا الرئيس عبدالفتاح السيسى يتحدث من أمام قناة السويس للعالم، فى لحظة مصرية مفرحة، هى تعويم سفينة، أو حاوية، كبرى، جنحت فى القناة، وأدت إلى توقف الملاحة بها لمده ٦ أيام، فى مارس الماضى، هذه اللحظة المفرحة، والنجاح المدّوىِ- الذى شاهده العالم، وشهد للمصريين، من خلاله، باقتدارهم وقوتهم- لم ينسيانا التهديد القادم من أعالى النيل، الذى يمثله بناء سد إثيوبى على مجرى النهر، كان هدفه، المزعوم، فى بدايته، توليد الكهرباء، وأصبح، بعد ذلك، تخزين وحجب المياه، وراوغت، ولاتزال، أديس أبابا، من منابع النيل، فى الوصول إلى اتفاق على طريقة تشغيله، ويحفظ الحقوق المائية لدولتى المصب (مصر والسودان)، مثلما حافظنا على حقها (إثيوبيا) فى التنمية والبناء.
الكلمات بسيطة، لكنها عميقة: “لا أحد يستطيع أن يأخذ المياه المصرية، وإن مصر قادرة، وقوتها تصل وتطول كل يد تمتد لمياهها، مثلما كانت قادرة على أن تحمى حدودها تماما، فالمياه والأرض هما جوهر الحياة”.
لم تكن كلمات الرئيس المدوية موجهة للإثيوبيين، رغم أنهم المعنيون بالاتفاق مباشرة، لكن العالم كله بقواه العظمى (أمريكا، وروسيا، والصين، وأوروبا) مازال غير مدرك خطورة الموقف الإثيوبى، وما يُخفى على هذا العالم أنه ترك، تقريبا، رُبع إثيوبيا (التيجراى) لكى تفتك بهم الحكومة المركزية القائمة الآن هناك، كما أن الحملة الدقيقة، والمعبرة، للرئيس السيسى: لم نكن بعيدين عن شركائنا العرب والإقليميين فى المنطقة، التى نعيش فيها معا، ويهمنا سلامها وشئونها، وبعضهم يغازلون الإثيوبيين، ونطالبهم بأن ينصحوهم بالاتفاق بديلا عن المغازلة، التى سيكون صداها عكسيا لديهم، ولكل شركائنا الإقليميين، الذين يستفيدون من الموقع، ومن سياسة السلام المصرية، عليهم أن يبادروا، ليس أمام الحكومة المصرية، ولكن أمام الشعب المصرى، ويغسلوا أيديهم من الصراع القادم، ولكى يوقفوا ما تدفعنا إليه إثيوبيا، لأن الكلمات لم تحمل تهديدا بقدر ما حملت توضيحا للموقف؛ بأن الاقليم، ككل، معرض لمخاطر وصراعات لن تتوقف إذا امتدت أيادٍ لفرض أمر واقع على المصريين والسودانيين معا،
ونعتقد أن العالم، إذا كانت هناك بقية من عقل، سيتدخل فورا فى هذا النزاع الحيوى، بل الوجودى، بين دولة المنبع (إثيوبيا) ودولتى المصب (مصر والسودان)، لأن انفجار الصراعات على المياه (أساس الوجود) هو أخطر وأشد الصراعات تأثيرا فى حالة حدوثها، وكأن القدر، الذى كان مع مصر دائما، جعل من هذا الحادث المُفزع فى قناه السويس، والنجاح السريع، فرصة ثالثة لكى تُطلق مصر، على لسان رئيسها، تلك الحملة، أو الصيحة المُدّوية، التى سَتَخْلُدُ فى ضمير مصر، إن لم يكن فى ضمير العالم كله.
قناة السويس هى ضمير مصر، أو نبضها، كما سماها جمال حمدان، صاحب شخصية مصر، عندما تحدث عن موقع مصر، أخطر موقع إستراتيجى، ليس فى الوطن العربى وحده، وإنما فى العالم القديم برُمته، على أرجح الظنون، وهى المجرى الملاحى، الذى يختصر الطريق بين أرجاء الأرض، وفى الوقت نفسه، يوثق ارتباط مصر بالعالم، ويحتفظ بشخصيتها، والقناة هى عنق ورقبة مصر الجغرافية، كما هى شريان التاريخ كذلك، وهى وادٍ آخر إلى جانب الوادى الأخضر (النيل)، ومثلما كان النيل شريان مصر، فإن القناة هى وريدها، فقد أصبحت حبل الوريد اقتصاديا بما تملكه من إمكانات لأشقائنا العرب، فالبترول هو توأم القناة- على حد وصف جمال حمدان- فهل هذا لا يكفى الأشقاء، الذين يمدحون الآن حكومة إثيوبيا- وتتفاخر بهم أديس أبابا- ليتدخلوا لوقف المراوغات الإثيوبية، والتهديد الفعلى لمصر؟!، وكلنا شهِدنا حاملة الطائرات (أيزنهاور)، عند مرورها بالقناة، بعد انتهاء “الأزمة”، وهى مُمثِلة حضارة، وقوة، العالم الجديد، أو المعاصر، وقد خرج جنودها، من فوق حاملة الطائرات، يسجلون بكاميراتهم لحظة العبور من تحت كوبرى السلام- الذى شيده المصريون، بمساعده اليابانيين، لعبور القناة إلى سيناء- لكى يدرك ممثلى العالم الجديد قوة ومكانة العالم القديم للإنسانية، وتأثيره فى مسار الحياة المعاصرة.
لم تكتفِ مصر المعاصرة بما يحدث، فقد خرج ملوكها القدماء فى موكب مهيب بشوارع القاهرة، وهم منطلقون إلى متحف الحضارة بالفسطاط، لكى تنقل صورة حية لحضارة وادى النيل، التى تخطط مجموعة من ضعاف العقول، وعديمى النظر، فى إثيوبيا، لقتل الحياة على أرضهم، وعلى أرضنا،
فلقد كانت حضارة المصريين، الضاربة فى عمق التاريخ، شاهدة على النيل، الذى يجرى فى أرضهم، ومصر المعاصرة جددت شبابها، مثلما فعلت مصر الحديثة، عندما شيدت القناة منذ ١٥٢ عاما، وافتتاحها عام ١٨٨٩، ودافعت عنها طوال تلك السنوات، فى حروب متتابعة، أُغلقت خلالها القناة ٨ مرات، بسبب حروب إقليمية وعالمية، وكان لها ميلاد جديد، عندما تم ازدواج القناة قبل خمس سنوات (أغسطس ٢٠١٥) لتعزيز الحلم المصرى، والمركز الصناعى، واللوجيستى، والعالمى، للقناة على مستوى العالم.
إن مصر المعاصرة تؤكد مكانتها بمشروعات حيوية، وعملاقة، على كل صعيد، نذكر منها ما يهم العالم، وليس ما يهم المصريين فقط، لأنها كثيرة، وتحتاج إلى مجلدات، فالقناة الجديدة، والقطار السريع، الذى يربط البحرين (الأبيض والأحمر)، مرورا بالعين السخنة والعلمين، وموازاتهما لبعض، ليس لخدمة مصر فقط، بل منطقتنا كلها، والمصريون المعاصرون لا يترقبون اتفاق النيل مع إثيوبيا فقط، فهم يدركون أن النيل، وطبيعة المجرى، سيحميان حقوقهم، كما أن قدرتهم على الدفاع عن أنفسهم ليس لها مثيل، وتضحياتهم ماثلة أمام الجميع- ولكنهم يترقبون العالم، والأصدقاء، والجيران، كلًا فى مكانه، وسوف نسأل عن موقف كل واحد، وكل دولة، من قضيتنا، وسيكون حساب المصريين صعبا فى هذا الامتحان القاسى، لأنهم يريدون لتجربتهم أن تستمر ولا تتوقف، وليس فى نيتهم أن يسلبوا حق أحد، كما أنه ليس من حق أحد أن يسلبهم حق الحياة.
إن إثيوبيا مُلأى بالمياه، فهى تملك تريليون متر مكعب منها، ومن يريد أن يستثمر فى المياه فهى متاحتة، ولا تضعوا أعينكم على ٥٥،٥ مليار متر مكعب حق مصر منذ بدء الخليقة، وهذا الحق يجب أن يدركه كل ببغاء يتحدث عن أن إثيوبيا ليس لها حصة فى النيل الأزرق، أو حصتها، كما يقولون، صفر، فهذا الكلام لا يقبله عقل، وقد كنا ننتظر من إثيوبيا، وشركائها الإقليميين، أو العالميين، أن يعوضوا مصر بحصص أكبر من المياه المتوافرة لديهم، وليس الانتقاص من حصتها الراهنة، التى لا تكفيها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى