مقالاتمقالات الأهرام اليومى

دراما رمضان..ومسلسلات آبى أحمد!

أسامة سرايا
رمضان ٢٠٢١ (فى مصر) له مميزات مختلفة، تتسم بحالة من القلق تتجاذب فيه ما بين الخوف والترقب، رغم الحيوية المجتمعية الظاهرة، التى لم تتوقف فى مجالات عدة.
فقد تزامن صيامنا هذا العام مع دخولنا أكبر حملة تطعيم ضد فيروس “كورونا” تتم بشكل منظم، وهادئ، على مستوى الجمهورية، وفى مناطق متفرقة، ومتنوعة، وليست مركزية، ‏كما تعودنا، وباستخدام التكنولوجيا الجديدة، وبلا ضجة، حيث يذهب الناس للتطعيم وبداخلهم مخاوف كثيرة صحيحة، أو كاذبة، أو مبالغ فيها، لكنها موجودة، كما أن حملات انتشار الموجة الجديدة من الفيروس مؤثرة نفسيا، وصحيا، على الناس فى مخنلف مجتمعاتهم، لكن قدرة المصريين على التعايش مع حالة الوباء المتجددة مبهرة، فهى تجمع بين حرصهم واستمرار الحياة بقوة، بل استمرارها بكل عنفوان، وكأنهم فى حالة مواجهة ضد الموت، والمرض، رغم الخوف، وألم رحيل الأحباء.
ولعلى، هنا، أشير إلى كمْ الدراما الرمضانية ‏الكبير، والكثيف، والمتنوع، من المسلسلات، التى انتشرت فى محطاتنا، وكل المحطات العربية، وتؤكد سيادة الدراما المصرية، وهنا لا أتحدث عن الكيف، ولكن عن الكم، والتنوع، فى شكل ظاهرة تحدٍ من صناع الدراما فى مصر، أقدم بلد فى منطقتنا، ومن البلاد المنافسة فى العالم فى صناعتى السينما والتليفزيون، لإثبات وجودهم و‏سيطرتهم على صناعة الصورة والدهشة فى الشرق الأوسط.
إن الدراما صناعة المجتمعات الكبرى، بل رغم أنها ناعمة، فهى ثقيلة ومؤثرة، ومن يُجيدها يُحرك العقول والنفوس، فلقد أثبت صناع الدراما هذا الموسم فى مصر قدرتهم الفائقة، واكتسحوا كل المنافسين القادمين من الخارج، أو من داخل الإقليم، بل أصبحنا لا نراهم، ولا نسمع عنهم، وكأنهم اختفوا فجأة أمام إنتاجنا المتنوع بجودة فائقة، وهذا حدث مدوٍ، وبالقطع سنخرج من موسم رمضان الحالى وقد أنتجنا دراما ومسلسلات تكفى منطقتنا، ومحطاتنا طوال العام، بل سنوات مقبلة، مُحكمة الصناعة، وشديدة الدهشة ابتكارا، وتدويرا للصورة، وتكتيكاتها، وتأثيراتها المنظورة، وإن كان لنا عليها نقد، أو ملاحظات، فهى طبيعة العمل والإنتاج، ولكل مشاهد، أو مستهلك، رأيه وانطباعه، لكنه يستهلك المنتج، ويتطلع إلى أن يتابعه فى فترة لاحقة، بعد أن تنتهى زحمة رمضان والإعلانات المبالغ فيها، والتى لها طابع خاص، وبالنسبة لى، فإن المنتجين فى بلادى ينتجون ولم يتوقفوا، ويبحثون عن المستهلكين بكل قوة وإبداع، وأن هناك مستهلكا مرتقبا يبحثون عنه بكل الوسائل والمفردات، عبر رسالتهم الإعلانية‏ المكلفة، بل أصبحوا ينتجون إعلانات أبطالها فنانون كبار، بتكلفة عالية قطعا، وأصبح إنتاج الإعلانات منافسا لإنتاج الدراما والمسلسلات.
كما أود أن أشير هنا إلى أن صناعة الإعلان تتطور فى بلادى إلى درجة كبيرة، حتى إن الأطفال يتابعونه ويفرضون على أهاليهم متابعة المُنتج، وهذا ليس عملا سلبيا إطلاقا، لكنه يعكس تطور الإنتاج الخدمى والصناعى فى مصر، وتنافسه الحاد، مما يجعل هذه السوق جاذبة للمستثمر، أو المنتج، ‏فالأموال تبحث عن الأسواق، ونحن نعيش عصر المستهلكين، الذين يصنعون الإنتاج، ويطورونه، ويجب أن نحافظ على القوة الشرائية للمستهلك المصرى.
. إننى لا أستطيع أن أُنهى ملاحظات رمضان ٢٠٢١ من غير أن أشير إلى الحديث الذى يسبق كل الأحاديث، وهو ترقب المصريين لهذا الصيف الساخن، وفيضان النيل، ومفاوضات السد الإثيوبى، فكلنا يتملكنا ترقب، قد يصل إلى حد الخوف، لكننا كلنا ثقة فى أن أكبر تحدٍ تواجهه مصر تزامن مع لحظة قوة، وتماسك، ونمو، تشهده مصر فى الوقت نفسه، ولم يكن هناك تزايد واهتمام بحجم قوتنا المدنية والعسكرية مثلما يحدث فى مصر الآن، ولم نحصل على ثقة وعلاقة قوية بين الدولة وشعبها مثلما يحدث الآن، فكلنا على ثقة من أن اتخاذ القرار فى هذا التحدى سيحافظ على موارد مصر، ولن ينقص كوب ماء واحد، ولن يستطيع أحد سرقة مياه النيل، وإذا كنا نبحث عن الاتفاق قبل الملء الثانى لهذا السد المعيب، والذى ‏أقيم على الحدود السودانية، وفى مناطق مؤثرة على مسار النهر، وتوازنه، فإن إثيوبيا من باب أولى يجب أن تكون أحرص منا على هذا الاتفاق، لأن عدم توقيع الاتفاق سوف يضعها أمام المجتمع الدولى، أو العالم، والأهم أمام جيرانها (مصر والسودان) فى موقف الاتهام، وسرقة المياه، وهذا ما يجب أن تعرفه إثيوبيا، بل كل إفريقيا، وهذا يُسقط إعلان المبادئ، ويجعل كل دول ‏حوض النهر الأزرق حرة فيما تفعله، وهذا ببساطة يجعل إثيوبيا تخسر سد النهضة، بل تخسر كل الإقليم، وشنقول كاملة، وتفتح صراعات حدودية لا قِبل لمنطقة شرق إفريقيا كلها بها، حيث ستكون منطقة صراعات سيخسر فيها الجميع.
كما لا أخفيكم سرا أن مسلسلات رمضان فى القاهرة نافستها حملة إعلانية نظمها فريق ‏آبى أحمد، رئيس وزراء إثيوبيا، فى أديس أبابا، لانتخاباته المقبلة، فى هذا الصيف، مستخدما سد النهضة لعبة انتخابية، بعد أن كان لعبة تفاوضية، وهذا، فى حد ذاته، جريمة انتخابية يُقَدمُ صاحبها للمحاكمة، لأنها تبنى صراعات على النيل، وبين الشعوب، لكنه لا يدرك أن المصريين تجاوزوا مراحل هذه المراهقة؛ عندما أنهوا استخدام ‏لعبة الدين فى السياسة، وسوف يُنهون حملة التعطيش والتخويف الإثيوبية، لأنها ببساطة مراهقة لسياسى لا يُدرك أنه يدفع ببلاده إلى حروب أهلية لا قِبل لأى دولة بها، وتؤثر على الاستقرار، والبناء، كما أن سد وحجز المياه للبيع عملية قد عفا عليها الزمن، كما أن الطاقة الكهربائية التى يبحث عنها من سد النهضة قد تجاوزتها تكنولوجيا العصر، فهناك الشمس، والرياح، والطاقة النووية المتجددة.. وغيرها التى تسبقها، فيجب أن يكون فى إثيوبيا سياسيون ‏قادرون على إنقاذ الدولة والمنطقة من التردى فى الصراعات، والحروب الأهلية الواسعة، كما أننا مازلنا نأمل فى المجتمع الدولى والإقليمى أن يتدخل لحل هذا الصراع المُدوى، والذى له تأثيرات عميقة على حياة الشعوب، بل المنطقة ككل.
إننى لا أستطيع أن أُنهى هذا المقال دون أن أشيد عاليا بالوعى الذى تتسم به القيادتان المصرية والسودانية، والقدرة على إدارة هذا الصراع الدقيق والمعقد، وأن تعاونهما هو مفتاح الحل لوقف تردى الأوضاع ‏حول نهر النيل فى شرق إفريقيا، أو القرن الإفريقى حول محيط البحر الأحمر، وفى كل الأحوال نحن أمام صيف ساخن، من أوله حتى نهايته، ستُقرر وتُحدد فيه مصائر كثيرة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى