مقالاتمقالات الأهرام اليومى

عبثية المشهد الإثيوبى ..وسد (حجز ) المياه!

بقلم: أسامة سرايا
‏لم تعد هناك مفاجآت يمكن أن ننتظرها فى أعالى النيل!، وقد تحركت مصر، إفريقيًا وعالميًا، بالرحلات المكوكية لوزير الخارجية، الذى أطلع زعماء “الترويكا” المتحكمة فى قرار الاتحاد الإفريقى، وممثلى إفريقيا فى مجلس الأمن، على آخر نتائج المشهد التفاوضى، احتراما لإفريقيا ومنظماتها، لتعرف حقيقة الموقف، الذى وضعتنا فيه إثيوبيا، وهو، ببساطة، التفاوض المفتوح، حيث فشلت كل الجهود، عندما توقفت فى واشنطن أول مفاوضات جدية للانتقال من هذا المشهد التفاوضى العبثى، وساعتها ‏أدركت إثيوبيا أنها لن تستطيع، أو لم تأخذ الموافقات من القوى، التى وضعت دول النيل والقرن الإفريقى فى هذه الحقيقة المخيفة المرتقبة للوصول إلى اتفاق ملزم لتشغيل هذا السد المخيف، الذى يحمل فى طياته حالة من الحالات العبثية، أو الصراعات التى لا تنتهى، ليس بين الحكومات أو الدول فقط، ولكن بين الشعوب أيضا.
حالة الترقب لقيام إثيوبيا بموقف عدائى آخر يرقى إلى الحالات ‏القصوى (صناعة العداء، والإضرار بمصالح دول المصب)، وذلك عندما تلجأ إلى الملء الأحادى (الثانى) دون اتفاق مع أصحاب النهر الحقيقيين (منبع ومصب معا) لصناعة قنبلة مائية على حدود (مصر والسودان) وتهديدهما إما بالعطش، أو الغرق، والمجتمع الدولى والإقليمى مازال فى حالة من انعدام الوزن، وعدم وضوح الرؤية.
لكن التحركات “المصرية- السودانية” تنم عن وعى عالٍ بالمخاطر المرتقبة، وتأثيراتها على مستقبل البلدين، ‏فقد استطاعا أن يضعا إثيوبيا أمام الإفريقيين واتحادهم فى موقف الضعف، وعدم القدرة على تبرير سياساتها العدائية الراهنة والمقبلة، وأساليب تعاملاتها فى مجرى نهر النيل، وتغيير جغرافيته، وكأنما تريد إثيوبيا، والسياسيون، وحزب “آبى أحمد” الحاكم هناك، أن ينقلوا حالة الصراعات الإثيوبية الداخلية المستحكمة إلى السد الإثيوبى، فى محاولة للهروب من واقعهم المؤلم، لأننا أمام دولة تواجه انهيارا وتفككا كاملا، ليس بسبب الحرب الأهلية، التى اشتعلت بين الطوائف الثلاث الكبرى هناك (الأورومو، والتيجراى، والأمهرة) فقط، ولكن بسبب حالة عدم الثقة واليقين لدى كل الطوائف بمستقبل الاتحاد الإثيوبى، فالدولة التى تكونت هناك، أو الإمبراطورية التى توسعت منذ نهاية القرن التاسع عشر، وصلت إلى نقطة عدم الالتقاء.
لم يتوقف انهيار وانفراط العِقد الإثيوبى بالتدخل الإريترى والأمهرة باحتلال إقليم تيجراى، وملايين المهاجرين هناك، ‏والذين انقطعت بهم سبل الحياة تماما، بل إننا نشهد الآن حالة ، خاصة فى إقليم بنى شنقول- قماز، الذى أقيم على أرضه السد الإثيوبى الغاصب لمياه نهر النيل، والذى يهدد حياة المصريين والسودانيين معا، بل مستقبل الدولتين! هذا الإقليم محتل، وهو جزء من السودان، وتكونت هناك حركة شعبية لإنقاذه مما يُخطط له، فهذا الإقليم هو شريط حدودى عرضه يتراوح بين ٢٥٠ و ٣٠٠ كيلومتر، ‏وتبلغ مساحته الكلية نحو ٥٠ ألف كيلومتر مربع، ويتكون من 3 مقاطعات، وعدد سكانه ٤ ملايين نسمة (أكثر من نصف‬ السكان مطرودون من أراضيهم، ويواجهون التشرد كاملا)، فالداخل الإثيوبى والتركيبة هناك تعانى حالة احتقان، وتفاعلات صراعية، ترتكز إلى العِرق والدين (٨٣ قومية/ إثنية) تنتقل الآن من حالة جديدة؛ من حالة ضرب القوميات العرقية فى بعضها إلى أن المؤسسة العسكرية أصبحت أكثر تشتتا على المستوى الميدانى، وباتت عملياتها تمتد من إقليم تيجراى شمالا، وصولا إلى الحدود السودانية، وإقليم أمهرة، وإقليم بنى شنقول، وإقليم أوروميا غربا، ‏وأصبح وضع الجيش فى إقليم بني شنقول لا يُحسد عليه، خاصة فى عدد من المناطق، فهو لا يستطيع السيطرة عليها، مما يعد أمرا غير مسبوق، وفى حالة استمرار هذا الوضع، والتوسع فيه، ستكون إثيوبيا على موعد مع فصل جديد من فصول الصراع الداخلى، التى ستؤثر، بالتأكيد، على ما يسمونه الانتخابات المقبلة، التى تقترب حثيثا، وكذلك ملف سد النهضة، الذى يقترب من لحظة حاسمة وفارقة، وهذه التطورات، كما يكشفها أدق الخبراء، لم تعد عامل توحيد للإثيوبيين وقومياتهم المتعددة حول السد المغتصب لحقوق دولتى المصب (‏مصر والسودان)، والذى يهددهما وجوديا، فالتأييد الذى سبق أن حصلت عليه طائفة التيجراى، التى أصبحت مشردة الآن، لإقامة السد، فى عهد سابق، لم يعد موجودا، كما كان، وبالتالى فإننا لا نستطيع أن نجزم مع مَنْ نتفاوض فى إثيوبيا فى المرحلة المقبلة، وإذا كان السد يعنى الأمهرة وحدهم لأسباب تاريخية غذّتها قوى خارجية؛ فقد أصبح سدا للخراب، ولذلك وجدنا أنه أصبح نقطة افتراق إثيوبيًا قبل أن يصبح إفريقيًا، بل إنه سوف يوسع حالة الحرب لتصبح شاملة فى القرن الإفريقى، ومصر، والسودان، اللتين أصبح موقفهما موحدا، ولا يبحثان عن وساطات،‏ بل عن قوة عالمية وإقليمية تستطيع أن تقوم بترشيد القوة الأمهرية المتحكمة فى الجيش الإثيوبى، لكى تتخلص أديس أبابا من استخدام السد.كحالة انتخابية ودعائية، كرمز للوحدة وتوليد الكهرباء، فقد أصبح السد رمزا للمهاجرين والمشردين، ولعلنا نرى بوادرهم فى إثيوبيا نفسها، (أكثر من نصف مليون إثيوبى تقطعت بهم السبل)، وأصبحت صورة المهاجرين فى القرن الإفريقى شائعة فى السنوات العشر الماضية..
فماذا ينتظر المجتمع الدولى، وهو يتلاعب فى هذه المنطقة، بحثا عن المقايضة السياسية على حساب الشعوب؟..‏وهل توسعت رقعة الصراعات والحروب الإقليمية؟.. نحن ندرك أن لعبة الوقت عنصر ضاغط على القاهرة والسودان فى التحرك على المسار الدولى، باعتبار أن هذا الملف شأن دولى فى الأساس، لكن الموقف الدولى معقد جدا، والتوترات فى جميع أنحاء شرق إفريقيا والقرن الإفريقى ستشكل تهديدا خطيرا للسلام والأمن الدولى، ولعل الحكمة هنا تقتضى أن يكون تحرك المبعوثين الدوليين، سواء كانوا عربا من الخليج، أو أمريكيين، أو من الاتحاد الأوروبى، أو الروس، أو حتى من الصين، أو إسرائيل- لتجميد الموقف، وأعتقد أن مصر ‏والسودان قد استطاعتا فى تحركاتهما الأخيرة وضع بعض الخيارات غير الحاسمة التى قد تعرقل مسار إنجاز الملء وتعطله، وقد يؤدى ذلك إلى بعض الخيارات القاسية، خاصة أن الجانب الأثيوبى قد يذهب للملء قبل الموعد المحدد، وفرض إستراتيجية الأمر الواقع على الجميع، وحتى لو تم ذلك، فيجب أن تدرك إثيوبيا أن السد وسرقة مياه النيل لا يمكن أن تتم بهذه الأساليب العدوانية، التى عفى عليها الزمن، فهل تدرك القوى الإقليمية والكبرى خطورة هذه القنبلة المائية فى أعالى النيل، وأنها أخطر من قنبلة إيران النووية بكثير؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى