مقالاتمقالات الأهرام اليومى

‏أحداث الأقصى.. ومستقبل القدس!

أسامة سرايا

أحداث المسجد الأقصى المبارك، واقتحامه من المستوطنين الإسرائيليين فى عيد الفطر المبارك، وما أعقبه من انتفاضة شاملة بين الفلسطينيين، ككل، داخل الأراضى المحتلة، والضفة الغربية، وغزة، متعاقبين، بدءًا من القدس، ثم الداخل الإسرائيلى- كانت نتيجة مباشرة، وعملية، لما تمارسه حكومة اليمين الإسرائيلى من اقتلاع قسرى ‏مجرم قانونا للمقدسيين العرب فى حى “الشيخ جراح” بالقدس الشرقية، فى إطار ما تَعود عليه نيتانياهو، زعيم اليمين المتطرف، للحفاظ على استمرارية حكمه، باستخدام المستوطنين، وسلاح التخويف للإسرائيليين من الفلسطينيين، وكذلك استخدام سلاح معروف لدى اليمين، ولدى الشعبويين منذ قديم الأزل، حيث ذهب رئيس الوزراء ‏المنتهية ولايته إلى أقصى نقطة فى المدينة القديمة، وفى عمقها، (القدس الشرقية) لتهويدها، وضمها قسرا وعدوانا، وهى التى تضرب فى أعماق التاريخ (أكثر من ٦٠ قرنا)، حيث بناها العرب البيوسيون فى القرن الرابع قبل الميلاد، أى قبل عصر أبوالأنبياء (إبراهيم) بـ” 21 قرنا”، وقبل ظهور اليهودية بـ” 27 قرنا”، وقبل تبلور اللغة العبرية بأكثر من ١٠٠ عام، ومن ‏ثم، فلا علاقة لليهودية ولا العبرانية بالقدس، حتى كلمة أورشليم، التى يتشدقون بها، تُنسب إلى الإله شالم، وهو إله السلام لدى الكنعانيين.
وإذا كان المسلمون تهفو قلوبهم، وباستمرار، إلى مسجدهم الأقصى، فهو حرم شريف تُشد إليه الرحال، وهو أول قبلة للمسلمين، وما يجب أن تعرفه إسرائيل، ومن خلفها كل القوى الغربية التى أنشأتها، أن أمورها لن تستقيم فى الشرق الأوسط دون الاعتراف بحق ‏العرب والمسلمين فى القدس الشرقية، وحكمها، والسيادة عليها، متزامنا مع قيام الدولة الفلسطينية المرتقبة، التى ماطل اليمين الإسرائيلى فى قيامها منذ الاتفاق عليها معهم، وحكوماتهم، عقب “أوسلو”، واعتراف الفلسطينيين بهم، وبدولتهم، ثم ما أعقبه من مصرع إسحاق رابين، وتصدع السلام “الفلسطينى- الإسرائيلى”، ثم دخلنا فى زمن “الانتفاضة” الفلسطينية، التى لم تتوقف من يومها حتى الآن، كما دخلت إسرائيل ‏فى الأزمات السياسية المستعصية، التى أوصلت أقصى اليمين (نيتانياهو، ومن هم على شاكلته)، الذين أصبحوا أمل إسرائيل فى الاستمرار بالمنطقة.
إن القدس الشرقية لها وضع أكثر من خاص، ودقيق، لا يصلح حوله التفاوض بين الفلسطينيين والإسرائيليين، أو بين الحكومات عموما، أو العرب المسلمين من جانب، والإسرائيليين والغرب من جانب آخر، لأن القدس لا تخص أفرادا، بل تخص مليارات المسلمين فى كل أنحاء العالم، والمنطقة العربية، وبالتالى، فإن إسرائيل يجب أن تسلم بحقوقهم‏ فورا، بل أن تسارع، بإرادتها الحرة، بالخروج منها مباشرة، فلا حياة لها فى المنطقة إذا كانت تعرف مصلحتها، وإذا كانت تظن أنها أصبحت قوة حقيقية فى المنطقة العربية، وأن هذا الحرم المقدس تحت إمرتها، أو سيادتها، فإن ذلك سيسبب لها أضرارا لا تستطيع أن تتحملها فى قادم الأيام، وهناك الكثيرون ‏من العقلاء بين الإسرائيليين واليهود, فى كل أنحاء العالم, يعرفون هذه الحقيقة الناصعة, التى لا تحتمل حتى المناقشة إلا بين الذين لا يريدون السلام والتعايش حقا بين الأديان السماوية (الإسلام والمسيحية واليهودية)، وأجزم أن الكثيرين من الإسرائيليين المقيمين فى الأراضى الفلسطينية المحتلة يدركون هذه الحقيقة، لكنهم خائفون ومترددون أمام زحف اليمين المتطرف، وأزمة إسرائيل الداخلية، التى قد تصل إلى نقطة‏ الانسداد، أما العقلاء هناك، وفى العالم، فيتساءلون: ماذا تريد إسرائيل الآن، وقد اعترف بها معظم جيرانها العرب، حتى إن محيطها الخليجى اعترف بها، ويتعامل معها الآن على قدم المساواة؟!.. لماذا لايزال الإسرائيليون خائفين؟!
أعتقد أن ما حدث، أخيرا، فى القدس الشرقية، كان لعبة للداخل الإسرائيلى، لجأ إليها “اليمين” المأزوم، بل المُهدد بمحاكمة رئيسه، فور خروجه من الحكومة الراهنة، كما انتهزته حركة “حماس” فى قطاع غزة لتثبت وجودها فى مسار‏ أثبت وجوده سلميا، ولم يكن فى حاجة إلى صواريخها العشوائية، والمضطربة، التى أعطت اليمين الإسرائيلى والمتطرفين مبررا لبعض خطواتهم، وعدوانيتهم المُجرمة على المدنيين، والأطفال، وهدم البيوت على رءوس أصحابها، فى حركة “بربرية” إسرائيلية لا يلجأ إليها إلا الطغاة، والجبابرة،‏ و‏كشفت بعضا من تهافت المجتمع الدولى، وحكومة بايدن بأمريكا، بتشدقهما بحقوق الإنسان، لكنها عموما أعطت إشارة للعالم بأن حياة الفلسطينى مهمة كإنسان، مثلها مثل حياة الإفريقى فى الولايات المتحدة تماما، وكشفت “الأبارتيد” الإسرائيلى الجديد، الذى يظهر كطفح على جلد العالم فى الربع الأول من القرن الواحد العشرين، كاشفا ديمقراطيتهم المزيفة، والتمييز العنصرى بين العربى واليهودى فى إسرائيل.
عموما، الأحداث الجارية فى فلسطين كشفت عن ‏أهمية القضية الفلسطينية، وأنها نقطة ارتكاز للشرق الأوسط، وأن الفلسطينيين المدنيين لقنوا نيتانياهو واليمين المتطرف درسا لن يُنسى، سيكون له ما بعده، ومنذ أن احتفل نيتانياهو، المنتهية ولايته، مع العسكريين الإسرائيليين، بعد أن فشل فى الانتخابات 4 مرات فى الحصول على أغلبية مريحة للحكم منفردا، و‏قال لهم: أسلم لكم الدولة وقد أصبحت قوة عالمية، وليست إقليمية، بعد أن لقن إيران درسا تفهمه جيدا، ليس بالكلام، كما تعود الإيرانيون، وليس على حساب العرب، كما يفعل، كذلك، الإيرانيون فى سوريا، والعراق، ولبنان، واليمن، ولكن بضرب المفاعل النووى “نطنز” (سيبرانيًا)، وضربْ وتصفية سفنهم فى الخليج، ومقتل “أبو القنبلة النووية المرتقبة إيرانيا”، فى إطار خدماته للولايات المتحدة فى تفاوضها مع إيران، من خلال اختراقه ‏القوى الداخل الإيرانى، ومعرفته ما يحدث هناك- فإن كلامه (نيتانياهو) قد يكون صحيحا، إلى حد كبير، إذا أضفت إليه أن محيطه العربى اتجه للتطبيع معه، لكن المفاجأة، التى لم يتوقعها نيتانياهو، جاءت من الحق الفلسطينى، ومن قلب القدس الشرقية، والتى كشفت له عن أن الاحتلال له ثمن،‬ ويجب أن يدفع باستحقاقاته، وقد يكون ذلك مخيفا، لأنه أسقط، بالفعل، هيبة الدولة، وألقى بظلاله حول معنى “القوة العالمية”، بل إن “القوة الإقليمية” نفسها أصبحت سرابا، لكن ما يهمنا هنا هو أن يتعلم الفلسطينيون أن قوتهم فى حقهم ‏ستؤدى إلى انتصارهم، والاعتراف بدولتهم المرتقبة، وأنهم يجب أن يتخلصوا من الانقسام، وأن يتجهوا إلى اختيار جيد وجديد، وانتخابات لممثليهم، وألا يقعوا فريسة للتيارات المتطرفة، مرة أخرى، وألا تكون سياستهم رد فعل فقط، وإنما‏ عمل إيجابى، ومستمر، لإقامة الدولة، حيث إن فلسطينيى الداخل الإسرائيلى يقتربون من ثلث الدولة، وقرارهم أصبح مؤثرا فى مصير تل أبيب، بل إن الحكومة الجديدة تحتاج إلى دعمهم، واعترافهم.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى