مقالاتمقالات الأهرام اليومى

رساله مصر من الهدنة الي الاعمار والسلام

أسامة سرايا

ستظل أجيالنا القادمة من المصريين والعرب تتذكر أيامنا الراهنة، فقد صنعنا يوما خالدا جديدا، لأنه، رغم صعوبات بناء الوطن، وتشابك الأزمات، ومحاولة الخروج الكبير من عِقد صعب- ركزنا جهودنا للبناء والعمل، لتخرج مصر الجديدة قوية لعالمها، حيث تكالب علينا، خلال هذا العِقد، الكثير من المشكلات، والأزمات، بل الكوارث، والحروب.
لقد بزغت روح ‏مصر، ورسالتها الجديدة، المتجددة، ‏واثبة، وقوية، وعفية، لم يؤثر فيها أى وهن عاشته، أو تعيشه، وكانت، ومازالت، أعيننا موزعة حول نهر النيل، ننتظر موسم الفيضان، واتفاقا بين دولة المنبع ودولتى المصب، ‏حول السد المزعوم “النهضة” ، وفى السودان، شريكتنا، وجارتنا، وشقيقتنا، تدور ملحمة بناء وطن، خرج لتوه من حروب أهلية، وسيطرة جماعات متطرفة على حكمه، قتلت روحه سنوات طويلة، حيث عُقد مؤتمر لدعمه فى باريس، قلب أوروبا، ورئيسنا هناك من أجل ‏العرب، وإفريقيا، والنيل.
وفى خِضم ذلك، كانت الطائرات، والصواريخ، التى تقتل الأطفال، وتهدم غزة على أهلها، تدك، وتتحرك بعدوانية لا نظير لها، وعيوننا موزعة، وقلوبنا ممزقة، ومصرتنظر فى كل اتجاه، لقد كانت صورة غزة لا تغيب عنها، بسبب البربرية العنصرية الإسرائيلية القادمة من العصور السحيقة، حيث الأبراج تسقط، والأطفال يُسحقون، والمدينة المحاصرة، التى تعيش على الإعانات، ‏سكانها تحت وطأة حالة مخيفة، صورة من حالات الانتحار العام، والصواريخ البدائية تنطلق منها نحو معسكرات مدن الاحتلال، وليس أمامهم إلا أن يُطلقوا هذه الصواريخ، لكنها، على كل حال، أخافت، وأرسلت رسالة أن الضعيف يمكن أن يُوجِع ‏القَوى المُدجج بكل الأسلحة التقليدية والنووية.
لقد أصبحت غزة تحت النيران من كل جانب، حيث إسرائيل تقتل، وتمنع الإغاثة، وفى ظل هذا العدوان الإسرائيلى، الذى حرك الضمير العالمى من جديد تجاه أعدل قضية فى الوجود، والتى مازالت تبحث عن حل، ونحن لاتزال جراحنا، التى نزفت فى القدس الشريف، لم تندمل، ‏ونرى المحتل يستأسِد على المسجد الأقصى، أو كهنة المعبد، الذين ذهبوا إلى المسجد الأقصى للاحتفال بـ”يوم داود”(١٥ مايو)، واقتحموه، فى الوقت نفسه الذى كان فيه المستوطنون يقتحمون حى الشيخ جراح، (أقدم أحياء القدس الشرقية)، فى محاولة لتهويدها، وسلخها عن جلدها- حدثت الانتفاضة، التى شارك فيها الجميع، كل فلسطينيى الداخل الإسرائيلى، والضفة، وغزة، حيث التحم الكل، وكأنما القدس ومسجدها يدافعان عن هويتهما، ومستقبلهما، وسرعان ‏ما خرجت نيران هذه الانتفاضة، وحيويتها إلى العالم كله- وجدنا صورة متغيرة، لأول مرة، فى الكونجرس الأمريكى- مدافعة عن فلسطين، وعن حق الفلسطينيين فى الحياة، وأن حياة الفلسطينيين مهمة، كما خرجت مظاهرات فى أوروبا، وكل القارات تلاحمت مع فلسطين، ووجدت إسرائيل نفسها معزولة ومحاصرة، بل إن الرئيس الأمريكى (بايدن)، الذى يعرف تفاصيل هذه القضية، وجدها على مائدته، ‏حيث فرضت نفسها عليه، بل أزاحت قضية فلسطين كل الملفات الأمريكية، والأوروبية، واحتلت المقدمة من جديد، بعد أن كانت على الأرفف تنتظر التحرك.
ورغم كل ما يحدث حولنا، تحركت مصر لفك الحصار ووقف العدوان على غزة، وكانت النتيجة نصرا مصريا مميزا فى وقت قياسى وجيز، حيث استطاعت مصر، فى أيام قليلة، وقف العدوان، وإنقاذ غزة، بل المنطقة، من أن تنزلق فى صراعات عنصرية جديدة، قد تحرق ما تبقى منها، وشاهدنا العالم، من حولنا، يعترف بدور مصر، والرئيس السيسى، ومؤسساتنا، ففى البيت الأبيض نطق بها الرئيس بايدن، حيث تم حقن الدماء، وإنقاذ أرواح الفلسطينيين، رغم تَهدُم غزة، التى كان لمصر معها موقف مبادرة نصف المليار دولار لإعادة بناء ما هدمته آلة الحرب الإسرائيلية، والدعوة لمؤتمر دولى فى القاهرة لإعمارها. ‬‬
لقد وضعت مصر (صانعة السلام) ‏انتفاضة الفلسطينيين، وتحركهم فى مسار جديد، مختلف ومتقدم، نصب أعينها، لكى تتخلص القضية الفلسطينية من جمودها، ومن سيطرة اليمين الإسرائيلى المتطرف، وثبت أن قضية فلسطين توحد العالم، ويجب أن تكون قضية موحدة للفلسطينيين، وما حدث، خلال انتفاضة الأقصى، من تقسيم عمل، ومشاركة عربية كاملة لإنقاذ الفلسطينيين، يجب أن يستمر، وأن تمد الدول الإقليمية، ‏سواء تركيا أو إيران، يدها يدها للدول العربية، بحثا عن حل لإعادة الدولة الفلسطينية، والاتفاق على مستقبلها وأهلها، خاصة أننا رأينا اليمين المسيطر فى أمريكا، وأوروبا، ‏وفى إسرائيل، كيف اتجه لضرب قضية القدس، بل قضية فلسطين كاملة فيما عُرف بصفقة “كوشنير- ترامب”، وعاد الرئيس الأمريكى الحالى (بايدن) لكى يؤكد حل الدولتين بالتعاون مع منظمة التحرير الفلسطينية، وعدم اللعب على وتر التقسيم بين حماس وفتح.
إن الصراع “الفلسطينى، العربى- الإسرائيلى” دخل، بعد هذه الانتفاضة، وهذا العدوان، مفترق طرق جديد مختلفا، وهناك تأثير إقليمى للشعب الفلسطينى، والدولة العتيدة، يجب ألا يضعف مرة أخرى بأخطاء فلسطينية، أو عربية، ويجب أن تستعيد القضية الفلسطينية اهتمام العالم شرقا وغربا، ليس الأمريكيين ‏وحدهم، أو الأوروبيين، كما تعودنا سابقا، بل يجب أن ننصت إلى الأصوات القادمة من روسيا، والصين، والهند، واليابان، بل من بقية دول العالم فى آسيا، والأمريكتين، والعالم الإسلامى.
لقد عادت فلسطين تحتل سُلم الأولويات والعلاقات بين الشرق والغرب، وعلى إسرائيل أن تدرك أنها بقوتها العسكر‏ية، والدعم الأمريكى، والتطرف، بكل أشكاله، لن تستطيع حلها إلا بالاتفاق مع شعبها، واحترام حق هذا الشعب، الذى طُرد من أرضه.
أعتقد أن درس إدارة مصر هذا الصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين يجب أن يكون ماثلا للحل، لأن الإدارة المحلية والإقليمية سوف تَسبق فى المراحل المقبلة الأدوار العالمية، حيث مشكلات العالم ‏أصبحت معقدة، وإذا لم نَحل مشكلاتنا فى منطقتنا بسياسة محلية وإقليمية مميزة، ومبتكرة، فسوف ‏تتعقد الأمور، ولن يكون لها حل، على أن تكون نسبة التدخلات الخارجية العالمية فى حجمها الطبيعى ومحددة، ويجب ألا نُلقى بمشكلاتنا للحل إلى القوى الكبرى وحدها، رغم حاجتنا إلى مشاركتها بفاعلية.
من المهم، أن يعى الجميع أنه مثلما كان التدخل المصرى فى ليبيا طريقا للحل، ومثلما كان التدخل الخليجى لحل المشكلات مع قطر طريقا للحل، ومثلما كان التدخل المصرى طريقا لإيقاف العدوان الإسرائيلى الأخير على غزة، يجب أن يكون التعاون بين الدول العربية والإسلامية، والقوى المختلفة فى إقليمنا، والقوى الكبرى المتعددة، طريقا لحل هذه القضية المعقدة والقديمة، لأنه دون حلها ستتولد مشكلات متعددة، وصراعات لا تتوقف

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى