مقالاتمقالات الأهرام اليومى

عبد الشكور شعلان.. نموذجا

أسامة سرايا

رحل الاقتصادى المصرى، والعالم الصارم، عبدالشكور شعلان، عن عالمنا منذ أيام قلائل، وقد ختم حياته فى المكان، الذى اختاره لعمله منذ الستينيات (صندوق النقد الدولى)، ووصل إلى قمة المهنية فى تلك المؤسسة الاقتصادية ‏العالمية العريقة، التى لا ترحم، ولا تتنازل عن قمتها المعهودة، فلكم أن تتخيلوا مكانة، وقمة أحد خبرائها، بل أبرز رجالها، (عبدالشكور شعلان) من يكون؟.. إنه من الشخصيات الذهبية، والعُتاة فى أعمالهم، الذين أعادوا ربط مصر (بلدهم) ‏بعالمها. بعد سنوات القطيعة، بل الصراعات المدوية، التى أثرت على بلادنا- إلى حد كبير..
لقد عشنا نحن الذين عَمِلنا فى الاقتصاد منذ سنوات السبعينيات والثمانينيات، وما بعدهما، عقولنا وأقلامنا متعلقة بالدكتور شعلان، نترقبه فى الفنادق والمطارات، عندما يصل إلى القاهرة، لنسمتع إلى آرائه، وتحليلاته، ‏فكانت لنا مثل الفاكهة، ولا أبالغ إذا قلت إنها كانت طازجة دائما، ولا تجدها إلا عنده.. مفردات قليلة، بل دقيقة، لكنها عميقة لا تُخطئ الهدف والرسالة.
رغم مكانة الدكتور شعلان، وعلمه، فهو رجل هادئ، لا يحب الضجيج، ولا يهوى ما يُطلِق عليه الإعلاميون “الشو الإعلامى”، فقد كان هو ونظيره المصرى الفذ، الدكتور إبراهيم شحاتة، فى البنك الدولى، صنوانا، أو صنفا واحدا، ‏من الأجيال، التى قل أن يجود بها الزمان- عليهما رحمة الله،.
يحبان الوطن بلا ضجيج، أوحماسة، وعملا على أن تكون لمصر مكانة فى تلك المؤسسات الدولية، وأن يكون اقتصادها جزءا من الاقتصاد العالمى، فهما يعرفان أن مكانة مصر تتزايد عندما تكون مرتبطة بالاقتصادات العالمية، لأن مصر من الدول المُنتجة، المُميزة، وشعبها قادر على أن يغزو بإنتاجه الأسواق العالمية بأسعار منافسة للاقتصادات الكبرى، بل إن مصر تملك، بحكم موقعها الجغرافى، ومواردها الطبيعية، ميزة تنافسية، مما يجعلها فى مكان المنافس، وإحدى نقاط الجذب للاستثمار العالمى، لا تنقصها إلا جودة السياسات، وحوكمة الإدارة، وسرعة التقاضى، وتحسين مستويات العمالة، والخدمات التعليمية، ‏والصحية، واستكمال البنية الأساسية، من الطرق، والكهرباء، والمياه، وهو ما تعمل عليه، وتقوم به الدولة، منذ تولى الرئيس عبدالفتاح السيسى شئون البلاد..
لقد كانت مهمة الاقتصادى العالمى الدكتور عبد الشكور شعلان مع مجتمعه المصرى دقيقة للغاية، فالرجل يعرف أن مؤسسته، التى يعمل بها، ليست لها سمعة جيدة فى مجتمعه، وأنها خاضت صراعات، بل ‏حروبا إعلامية، وقد تكرر بعضها، من أن المؤسسات الدولية متحيزة ضد الدول النامية، والصغيرة، بل تحابى الأغنياء، فكان لديه صبر عجيب فى توصيل فكرته، والتواصل معنا، مدركا أن مستقبل مصر فى عالمها، وأنه من الضرورى أن يكون إعلاميوها قادرين على فهم وتوصيل هذا المعنى الدقيق، لكى ‏تُنهى المرحلة الشعبوية الطويلة، التى عشنا فى ظلها، وأثرت على كل أحوالنا الاقتصادية، والسياسية، والشعارات، التى عشنا فيها، فى فترات الثورات، وقد كنت مقتنعا بصواب هذا الرأى السديد، ولذلك تعاونت معه فى تدريب الصحفيين فى دورات مع البنك والصندوق، وكان متعاونا ‏معى تماما، ومع مصر، فى كل المجالات، وكان يقتطع جزءا كبيرا من وقته لمساعدتنا، وهو المرجعية الكبيرة التى لا تُضاهى فى معرفته بالاقتصادات العربية، وسياساتها المالية، والنقدية، وبرامجها الإصلاحية..
ولد الدكتور عبد الشكور شعلان (١٩٢٧-٢٠٢١) بقرية “المشاعلة” فى مركز أبوكبير بمحافظة الشرقية، وهو من الشخصيات التى يجب على الدولة المصرية أن تقوم بتكريمها، خاصة بعد رحيلها، ‏لما قدمته لمصلحة وطنها، فى هدوء، وصبر، فقد حمل الدكتور شعلان صفات وأحلام المصريين فى كل موقع تبوأه، وعبر مراحل حياته المتتابعة، وإن كان تكريم مثل هذه الشخصيات فى حياتها له حساسية، فقد زالت الحساسيات، وأصبح التكريم واجبا لها الآن..
وإذا كانت مصر قد أصبحت، فى السنوات الأخيرة، من الركائز الاقتصادية المميزة فى عالمنا، فإن هذه الشخصيات، التى عملت فى تلك ‏المؤسسات، كان لها دور بارز فى تحقيق هذا الهدف المنشود لاقتصادنا، وقد تطلعنا منذ السبعينيات، وحتى الآن، لأن تكون علاقات مصر بصندوق النقد الدولى فى مكانة متميزة، بل متقدمة جدا، وهو ما تحقق فى الاتفاق الأخير (٢٠١٦)، واستطاعت مصر تنفيذه بجدارة واستحقاق يثيران الإعجاب والاحترام الدولى في كل مكان ، حيث تعاون الشعب مع الحكومة فى تنفيذه، ‏لاكتساب تلك المكانة المتميزة والكبيرة، وتمت مراجعة هذه الاتفاقية، وأثبتت مصر جدارتها، وعزيمتها، ومثابرتها فى تنفيذ البرامج الإصلاحية، وكان آخر المراجعات فى عام ٢٠١٩، والتى حصلت مصر بموجبها على القسط الأخير للقرض، وليس القرض هنا هو المهم، فالاقتصاد المصرى أثبت جدارته، واستحقاقه، وجاذبيته للأموال، سواء من الصناديق الإقليمية، أو الدولية، كلها بلا استثناء،وإنما المهم شهادة هذه المنظمة الدولية ‏فى حق اقتصادنا، حيث تعطيها استحقاق الجدارة، وهذا ما يستحقه الشعب المصرى العظيم، لأن علاقاتنا بصندوق النقد أو البنك الدولى تعد إسهاما، بل وساما نستحق أن نحصل عليه، لأننا نسير فى المسارات الصحيحة لإصلاحاتنا الاقتصادية، ولم تعد تخيفنا القوى، أو التيارات المعادية للاقتصاد الحر، ‏واتهاماتها التى أعاقت تقدم بلادنا سنوات طويلة، وجعلتها تتأخر عن متابعة، أو مسايرة، التقدم العلمى، فى مجالات الاقتصاد، والإنتاج، ولأن الدول التى كنا فى كنفها، سواء الاتحاد السوفيتى السابق، أو الصين، أو الدول الاشتراكية، هى الأخرى تتسابق لأن تكون جزءا من الاقتصادات العالمية، ولا تتأخر عن التنمية، ومتابعة فتح الأسواق، والتجارة العالمية..
رحم الله الدكتور شعلان، الذى نرسل له باقة ورد، كما اعتاد هو منذ رحيل السيدة زوجته، منذ 7 سنوات، أن يذهب لزيارتها بوردة، عرفانا لها، فهذا الاقتصادى الصارم كان إنسانا رومانسيا يعرف معانى حب الوطن، وقد ظل هذا الرجل “التسعينى” الصورة، يعمل حتى آخر يوم فى حياته (٩٤ عاما)، ولمَ لا؟.. وهو صاحب الرأى السديد، بل هو رجل صندوق النقد الأقوى لأكثر من ٦ عقود..
لقد كان الدكتور شعلان يحمل كل الصفات الإنسانية، ويعبر عنها، ويحملها معه فى جولاته، وحواراته، فى كل عواصم العالم، وكان رسالة مصرية داخل هذه المنظمة العالمية، تصل إلى العالم كله، وكان فاتحة خير لوجود المصريين فى هذا المضمار العالمى، والمكانة المرموقة، التى نتطلع إليها جميعا، ولعل الدكتور محمود محيى الدين، الذى يمثل مصر والمنطقة العربية، (أطال الله عمره)، خير مثال لذلك، فهو يعطى نموذجا آخر للأجيال المتعاقبة، فى مصر، فى مثل هذه المكانة الرفيعة..

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى