مقالاتمقالات الأهرام اليومى

العودة إلى العراق..!

أسامة سرايا
زيارة الرئيس عبدالفتاح السيسى إلى العراق.يوم الأحد ٢٧ يونيو الماضى، بعد انقطاع ٣ عقود، أو ما يقرب من ٣٠ سنة، حملت مشاعر المصريين الجياشة، والمتدفقة نحو أهل بغداد، قبل القمة الثلاثية بين مصر والأردن والعراق، والتى عُقدت فى بغداد، وحملت للمصريين وبلاد ‏الرافدين العودة إلى ما بين البلدين من الوشائج الشعبية، قبل الرسمية، التى لا يمكن وصفها.
كل مصرى ومصرية له قبل القمة الثلاثية قصة مع العراق تشع بالحب المتدفق، والذكريات الخالدة، فقد كان المصريون هم أول من حملوا متاعهم، ورحلوا إلى أرض العراق، يعملون فى كل المجالات: يبنون، ويتعايشون بحب ومسئولية معا، فقد ذهبوا إلى العراق ليعملوا فى كل شىء، فى المعامل، والحقول، والبناء، والمؤسسات، والجامعات، لم يكونوا بالآلاف، بل الملايين، ولذلك كنت ترى هناك الأطباء، والمهندسين، والمدرسين، والفلاحين، والصعايدة، وأصحاب الكرافتات، والبدل، وأهل الجلابيب. والشباب، والشابات..
جميعهم كنت تجدهم فى شوارع بغداد، بل فى كل مدن العراق، تقابلهم على المقاهى، وفى المولات، وكنت، وأنت تسير فى شوارع ومدن العراق، ترى المصريين يتزايدون، وللحق كانت معاملة ‏أهل العراق لهم تحمل الكثير من الود، والمحبة، والمشاعر الطيبة، وتشجعهم على التوافد، بل التزاوج، وعندما يحدث احتكاك، كانت الدولة العراقية، وعلى أعلى مستوياتها، تتدخل، وتعالج الموقف فورا، مما يزيد المحبة، ويؤدى إلى تزايد المصريين هناك، ولذلك سمى كثير من الفلاحين المصريين، عند عودتهم، قراهم بأسماء عراقية، تعبيرا عن الحب، واحتراما للذكريات، بل شعورا بالامتنان لهم، بل إن هناك منطقة فى الغربية كلها عراقية، بدءا من اسمها الأول (صدام حسين)، ومرورا بالمنصور، وابن سيناء، وانتهاء بكركوك، والموصل، وبغداد، فهى أسماء تكاد تكون متكررة فى صعيدنا، ومدن الدلتا، ورغم أننا لا نمتلك إحصاءات دقيقة عن المهاجرين، فقد كان المصريون فى العراق لا يقلون عن 3 ملايين فى عصر الوفرة البترولية (١٩٨٠-١٩٩٠)، والنهضة العراقية فى مجالات كثيرة، فقد ظلت العراق هى بلد المهجر الأول المفضل للمصريين، ثم بعدها السعودية، وليبيا، وقد عكست حركة الناس بين البلدان العربية وشائج الحب، ‏ولولا الحروب المتتابعة، والأزمات التى ألمت بالعراق، لتعمقت علاقاتنا معا، وزاد وجود الناس، وعملهم.
إننا إذا عدنا للعراق ما قبل ٢٠٠٣، وبعيدا عن الآراء السياسية، والتدخلات الخارجية فى حكم البلدان والشعوب، فإنها كانت تماثل أوروبا، بل كنت تستطيع أن تقارن بغداد بباريس، وعندما حدثت الأزمات فى العراق، وليبيا، كانت مصر، خاصة القاهرة، الملجأ الأول للمهاجرين من البلدين، ففى كل المدن الجديدة بمصر شوارع كاملة لأهل العراق، ‏وليبيا، واليمن، وقبلهم أهل فلسطين، والسودان، شمالا وجنوبا، ‏فمصر بلد المهجر الأول لأهل إفريقيا كلهم، وهناك شوارع كاملة لأهل إثيوبيا، كذلك، فى مصر، ‏وكثير من الأفارقة، وهم لا يعيشون فى معسكرات لاجئين، لأن مصر لا تفرق بين شعبها ومن يفد إليها، بل يعيشون بيننا، مساواة كاملة فى العمل، ويدخلون مدارسنا، وجامعاتنا، ومستشفياتنا، بل عدالة، واحترام كامل للإنسان العربى والإفريقى على أرض مصر، ‏ولذلك عندما تقف مصر مع أى من شقيقاتها: العراق، أو ليبيا، أو سوريا، أو فلسطين، فهى لا تقف مع الدولة وشعبها فقط، بل تقف مع نفسها، من أجل إعادة بناء هذه الدولة، وكذلك إتاحة الفرص الاقتصادية للمصريين، وكل العرب، وهذا ما يجب أن يحترمه، ويقدره المجتمع الدولى..
لقد تحدث الكثيرون عن القمة الثلاثية، واللقاء الذى جمع مصر والعراق والأردن، ونحن نقدر كل ذلك، ‏ويجب أن نقف مع العراق وأهله، لكى يتخلص من التدخلات الخارجية، والاحتلال، الذى عصف بالبلد والشعب المنهك سنوات طويلة، لكن البعد الشعبى قد ينساه الكثيرون، ولا يعطونه الأولوية، التى تعطيها الجماهير، وتقدرها، لكننى وجدت كثيرا من الفلاحين، الذين بنوا بيوتا فى قرانا بالأسمنت، بعد أن كانت طينية، يشعرون نحو العراق بالكثير من الود، والمحبة، وأن زيارة الرئيس عبدالفتاح السيسى حملت لهم مشاعر كثيرة، ‏أرادوا أن يترجموها نحو العراق، وعودته إلى محيطه العربى، فما يفعله الآن مصطفى الكاظمى، رئيس الوزراء العراقى، لإعادة العراق إلى محيطه العربى، يحظى بالاحترام مصريا وعربيا.
أعتقد أن لقاءات القادة بداية للسير فى تنفيذ التنمية الاقتصادية المشتركة، وتعزيز الربط الكهربائى بين الدول الثلاث، وربط شبكات الغاز بين العراق ومصر، وعبر الأردن،‏ وإنشاء خط الغاز العربى، ونقل النفط الخام للبصرة والعقبة، فالتعاون بين بلداننا الثلاثة هو عودة للسفر، والعمل، وبناء الأسواق، ولعلهم يتبنون، ويقررون تسهيل إجراءات منح تأشيرات الدخول فيما بينها، وتشجيع الاستثمار فى قطاعات الإسكان، والطرق، والجسور، والبنية التحتية، وبناء شراكات بين أصحاب الأعمال، والمستثمرين، والمقاولات.
إن التجارب الملهمة للتعاون العربى قليلة، ولا تستكمل عادة، ‏لكن طموحنا، هذه المرة، أن الجهات الرسمية والحكومية سوف تسبق حركة الناس، وتنظمها، وتفتح لها الآفاق، لأنها تتم برؤية، وتخطيط، وتأنٍ، يستوعب تجارب الماضى، ويسعى لحاضر أفضل، ومستقبل مزدهر للإقليم، والمنطقة العربية، التى عانت شعوبها ويلات الحروب، والتهجير ‏الجماعى، حتى أصبحت منطقتنا طاردة لشعوبها.
لقد حملت القمة الثلاثية، بين مصر والعراق والأردن، طموحا خلابا أمام شعوب المنطقة كبداية جديدة، فأحداثنا الإيجابية تبدو هذه الأيام كثيرة، لكنها تتناسب طرديا مع حجم معاناتنا فى الماضى، وأننا نسعى لتجاوزها، والبناء عليها..
إن قمة بغداد الثلاثية حملت رسالة قوية للشعوب، قبل الحكومات، لأن الشعوب تنتظر دولة فلسطين، وعودة سوريا، وازدهار لبنان، فهذا هو المشرق ‏العربى، الذى يعنى لقاء الأصحاء، وهم يتعافون، ويبنون، بلادهم، ولا ينسى أشقاءنا الذين يعانون من حولنا، لأننا كلنا فى مركب عربى واحد، يسعى للنجاة، بعد اضطرابات قصوى، ومعاناة اقتصادية حادة، وضحايا، ولاجئين بالملايين، شملت كل بلداننا، وأقاليمنا، وتحدياتنا مازالت كبيرة، ودقيقة، وصعبة..

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى