مقالاتمقالات الأهرام اليومى

‏عشية معركة وجودية على النيل..!

أسامة سرايا
صعب على أى مصور، أو كاتب، أن يحاول الاقتراب من الصورة الكلية لمصر وهى تخوض معركتها الوجودية للحفاظ على حقوقها المائية، التى لم تسطرها فقط معاهدات دولية منذ أكثر من مائتى عام، منذ قيام الدولة، أو الدول، الحديثة، فى إفريقيا، أو منطقتنا، ولكن سطرتها حدود الجغرافيا المائية، وحركة المياه والأنهار، منذ بدء الخليقة حتى الآن، فى السراء والضراء، فى الفيضان والجفاف، فقد عشنا مع السودان وإثيوبيا مواسم الأمطار ‏المتدفقة والشحيحة معا، إلى أن دخلنا، فى مصر، عصر التكنولوجيا الكثيفة، وأنشأنا السد العالى، الذى حمانا من الفيضانات، وشح المياه سنوات طويلة، ولكن حرمنا، فى الوقت نفسه، من تدفق الطمى، الذى كان يحمينا من التلوث وأشكاله، وفى الوقت نفسه، حرمنا من غزارة التربة، وتغذية الخزان الجوفى..
لا أستطيع أن أصور مصر فقط من خطابها السياسى، فهى أوسع من كل ذلك، ‏أمام مجلس الأمن، وللأمانة كان ممثلها، وزير الخارجية، سامح شكرى، على قدر كبير من المسئولية والتعبير عن مصر، ولم يترك نقطة، كبيرة أو صغيرة، إلا ورد عليها، لكن الأهم، بالنسبة لى، أنه أعاد، واسترجع، حق مصر أمام أهم منظمة دولية فى عالمنا، باقتدار وكفاءة، وسوف يسترجعه التاريخ مرارا وتكرارا، كما فند، خارج قاعة المؤتمر، المظلومية التاريخية، التى تحاول أن تعيشها إثيوبيا أمام المجتمع الدولى، فى محاولة لتبرير ‏سياستها ‏الرامية إلى السيطرة على مورد النيل الأزرق، أو إعادة تقاسم المياه فى هذا المورد، متناسية أنها لا تحتاج إليه أصلا، وأنها تملك من المياه، والأنهار المتعاظمة، والأمطار الكثيرة، ما يزيد على حاجتها، وحاجتنا، بل حاجة إفريقيا كلها، ومتغافلة أننا أصبحنا فى مصر فى حاجة إلى ‏مياه أكثر من حصتنا، كما أن الأشقاء الإثيوبيين، بعد هذا العمر الطويل، وفى آخر الزمان، يريدون أن يتقاسموا معنا مورد النيل الأزرق الشحيح، الذى لا يكفينا، بل وجدناهم يهددوننا بحجز المياه، وتخزينها، وصناعة سد بمواصفات غريبة، ولا يفتح أمام الإقليم إلا أبواب جهنم، وحربا شعبية لا تنتهى، ونزاعات طويلة، ‏ومخيفة، وعدم استقرار، ليس لمصر وحدها، ولكن للسودان، وإثيوبيا أيضا، والأهم لإفريقيا كلها، يريدون أن يبيعوا لنا المياه، وهذا لن يتم، لأن المياه، منذ بدء الخليقة، هى مورد المصريين الوحيد للحياة، وحماية أراضيهم من التصحر، والعطش، لقد كتب بعضنا، وقال:” إذا كُتب علينا الموت، فليكن دفاعا عن أراضينا ومياهنا، وليس عطشا.. هذا أكرم للمصريين”، وأعتقد‏ أن هذا ما يجب أن تفهمه إثيوبيا، والعالم كله، وقد كانت جلسة مجلس الأمن مؤخرا إشارة إلى احترامنا للعالم، ومؤسساته، بل احترامنا للشقيقة إثيوبيا، التى ينبع منها النيل، ونشرب منه معا، لكن ممثلها خرج يقول، فى أثناء هذه الجلسة: “مصر لا تشبع”!!، ماذا أخذنا من إثيوبيا؟.. هل المياه، أم التربة، التى كانت تجرفها الفيضانات من علٍ، نحن أخذناها عنوة من إثيوبيا، أم أن ما أخذناه حقنا فى المياه؟!، ‏بل حق المصريين أن يشربوا، ويبنوا، ويزرعوا، ويشاركوا فى صُنع الحضارة، وهذا هو التكامل الإنسانى، الذى صنعه الخالق العظيم، ماذا يريد أن يقول الوزير الإثيوبى؟.. لماذا لا نشبع ونحن أكثر من مائة مليون يعيشون على حصة ثابتة منذ بدء الخليقة حتى الآن، ويعيدون تدوير المياه، ويزرعون، ويحمون أنفسهم بموارد ضئيلة؟!، إن فلاحى مصر ومزارعيها بسطاء مثل الإثيوبيين تماما، ويعيشون على هذه المياه، ماذا تريد إثيوبيا المعاصرة منهم؟.. هل تجبرهم على القتال، أم الهجرة، أم الدفاع عن مياههم، وأراضيهم؟!.
لقد توقفت أمام كلمتى ممثل روسيا، التى بنت السد العالى، وممثل أمريكا، ‏التى خططت لإثيوبيا مشروعات السدود، وحجز المياه، منذ الخمسينيات، ردا على تعاون مصر مع الاتحاد السوفييتى لبناء السد العالى، وقلت فى نفسى: قاتل الله السياسة، والتحالفات، التى تقتل الإنسان، وتُظهر أسوأ ما فيه!، لكن مصر اليوم تغيرت، وأصبحت دولة قوية، وطبيعية، تعيش فى عالمها، وتبنى بكل قوة، وتدفع ثمن الحياة باقتدار يُحسب لشعبها، وتملك جيشا وشعبا متماسكا، وتحفر فى الصخر لتقيم المشروعات فى كل ربوع الوطن، وتجوع لتبنى المجتمعات والمدن الجديدة، وتحمى حقوق شعبها فى الحياة،وامتد عملها لمحيطها العربى والإفريقى معا، تشارك كل إقليمها، سواء عربيا أو إفريقيا، المشاعر نفسها، والرد عليها، بعيدا عن الحروب، والصراعات، والفوضى، وتتعامل مع الجميع بالقانون، والإنسانية، بل تضحى وتدفع من مواردها القليلة لأشقائها، وتساعدهم على قدر طاقتها المحدودة، وشعبها الكبير، ومستعدة لأن تكون ذراعا مدافعة، وكانت فى معركتها ضد وباء “كورونا”، الذى اجتاح العالم، فى سنواته الأخيرة، مع كل إفريقى، وساعدت السودان، وليبيا، لمواجهة الفوضى، والصراعات السياسية، والعِرقية، والآن يدها بيد جنوب السودان، ومع كل بلد فى القرن الإفريقى، ومع كل أشقائها فى وادى النيل، تبنى السدود، وترسل الخبراء فى كل المجالات، وقد كنا نحن المصريين مع إثيوبيا عندما أرادت أن تبنى السد، ووافقنا بحسن نية وظن كبيرين، بل بأخوة واستعداد للمشاركة، رغم أننا نعرف كل النيات، المعمرة والسيئة، وراء السد المزعوم النهضة، لكن الصبر الإستراتيجى، الذى تتحلى به مصر ‏التاريخ العريق، والوعى الكامل، وإيماننا بحق الشقيق أن يُنمى بلاده، وأن نتحمل معا- دفعنا لنشارك، ولا نرفض السد الإثيوبى، لكنهم الآن يدفعوننا دفعا لكى نتعارك، أو نتصارع، حول مياه هم لا يريدونها، بل لن يطيقوها، لأنها كثيرة ‏عندهم..
إن مصر، التى حرصت على إقامة علاقات متوازنة مع جميع دول العالم، شرقا وغربا، لا تريد ضررا لإثيوبيا، أو أشقائها فى حوض النيل، ومستعدة لأن تتقاسم معهم لقمة العيش، شمالا وجنوبا، لكن.
لن يستطيع أحد المساس بحصتها المائية، ليس لشىء، أو طمع، ولكن لأنهم لا يحتاجونها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى