مقالاتمقالات الأهرام اليومى
أخر الأخبار

‏أنسى ساويرس.. ومحمود العربى!

أسامة سرايا

اسمان فى الأحداث، وفى تاريخنا الاقتصادى، والوطنى، عاشا معا، ورحلا متتابعين، فى العام نفسه، جيل، وزمان، وعُمر واحد، على أرض مصر، مرا بالظروف نفسها، التى مرت على بلدنا، والمتغيرات السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، وحققا الأهداف نفسها لأنفسهما، وأسرتيهما، ووطنهما، بل لعالمهما، وإنسانيتهما: أنسى ساويرس (١أغسطس ١٩٣٠  – ٢٩ يونيو ٢٠٢١- ٩١ عاما)، و محمود العربى ( ١٩٣٢ – ٩ سبتمبر ٢٠٢١- ٩١ عاما).
الأول مسيحى، مصرى، من صعيد مصر، والثانى مسلم، مصرى، من بحرى، ‏دلتا النيل، ولا أميل إلى تصنيف الناس بخانة الديانة، أو أنهم “بلدياتى”، فكل المصريين أهلى، ونحن فى وطن موحد، وواحد، لكن المفارقة، هنا، حتميّة، لنشير إلى أن هذه التربة، الطيبة، لا تفرق، عمليا، بين أبنائها، وحظوظهم فى الحياة، ومكانتهم فى مجتمعهم، بالدين، أو الإقليم، ولكن بقدرتهم، وعطائهم، وإخلاصهم، كما لا تفرق بين من هو من القاهرة، أو الصعيد، ‏أو أهل بحرى، وسيناء، أو السواحل.. فكلهم واحد، وتستظلهم الروح، والوطن أنفسهما.. مساواة كاملة، وحتى لو شهدنا تعصبا، ويظهر مقيتا، من هنا أو هناك، فإنه ‏سطحى، وتجرفه الحقيقة.
كما أن الإثنين (ساويرس والعربى) من البناءين الأوائل، العظام، لأنهما من الجيل الأول، فهما لم يرثا الأعمال، والثروة، والإنتاج من والديهما، أو أجدادهما، بل بنيا أنفسهما، ومن ثمَ أسرهما، من بعدهما.
عندما نشير إلى القرن الماضى (العشرين)، ومتغيرات مصر السياسية، والاقتصادية، سوف يقفز الاسمان (ساويرس والعربى) إلى المقدمة كنموذج، ودليل حى، ومعاصر يشير إلى قدرة المصرى على البناء، والتكيف مع المتغيرات الجمة، ‏كما استطاعا بناء مؤسسات اقتصادية حديثة ثابتة على الأرض، و متجددة، ومنافسة للشركات الإقليمية، والعربية، والعالمية، فى مجتمع لم يرث الثروة، أو المعرفة، أو الغِنى الإقليمى، والعالمى، الذى حدث فى منطقتنا، والذى قدم من “أوروبا وأمريكا” بالمعرفة المتطورة، أو الجامعات، والبحث العلمى، بل صنعا أسطورتهما، ونجاحهما، وتطورهما فى مصر، بين أهلهما، ولأهلهما، مما أعطانا، جميعا، أملا فى المستقبل، وقدرتنا على صناعة التحولات، ‏والتكيف معها، رغم الصعوبات، أو خلق القاطرة الاقتصادية، التى تشد المجتمع، والبيئة، إلى الأمام، لأن منظمات، أو رواد الأعمال، (الإنتربرينور) هم هذه القاطرة، وعندما نقيس تقدم الأمم، ورقيها، فإننا، ونحن ندرس نوعية العمالة، والبحث العلمى، والصحة، والتعليم، وتطلعاتها للتقدم؛ نقيس، فى الوقت نفسه، قدرتها على خلق، وتنمية القاطرة، التى تجذب كل هذه القوى، لبناء سلع، وخدمات، بمقاييس عالمية قادرة على المنافسة.

أنسى ساويرس، ومحمود العربى من “الإنتربرينور” المصريين، أو القاطرات، التى تجر، وتحرك، أى قطار، نحو التقدم، بسرعة تنافسية، ومقاييس مصرية خالصة، ارتقت إلى مكانة عالمية، لا تخطئها العين لأى مراقب، ولا يقيسان تقدم الأمم بقدرة الحكومات، أو المؤسسات الكبرى، أو الإدارات الحكومية‏ على العمل، وسرعته، ولكن بخلق رجال الأعمال، الذين يبنون هذه المؤسسات، لأنهم هم الذين سيحافظون على تطورها، وتنافسيتها فى عالم تحرر من الأيديولوجيات، ‏ولذلك كان واجبا علىّ أن أحيىِّ دور الرجلين الراحلين، اللذين قدما لوطنهما صورة معبرة، ودقيقة، عن قدرتيهما على البناء الاقتصادى، والتطور، والنمو، بمستويات مرتفعة، فقد عاصرت، عبر ٥ عقود، عالم الاقتصاد فى مصر، ورأيتهما يعملان، وتابعت تطورهما، ورأيت تقدير الدولة من الرؤساء المتتابعين لهما، منذ أن أطلق الرئيس، الراحل، أنور السادات حرية القطاع الخاص.
محمود العربى جذب رأس المال، والشركات اليابانية للإنتاج فى مصر، وساويرس جذب الشركات الأمريكية، والأوروبية للعمل فى مصر.. العربى وساوريس ‏لم يكتفيا بالنجاح فى التجارة، أو المقاولات، أو تحقيق الثروات منهما، واتجها إلى الصناعة، وجذب التقنية الحديثة، والشركات العالمية لمصر.
لم يكتفِ العربى وساويرس بشركاتهما، وتطورها، بل كان لهما دور رائع فى تأسيس، وتطوير مؤسسات الأعمال، والغرف التجارية فى مصر، أى أنهما أسهما فى ‏تطور مجتمع الأعمال المصرى، رغم تفرغهما التام لشركاتهما، وإنتاجهما، وتطور مؤسسات الإنتاج، والأعمال التى يديرانها، فكانت لهما الريادة فى الأعمال، والنمو الاقتصادى، وفى الوقت نفسه، إذا نظرنا إلى جانب المسئولية الاجتماعية لرجال الأعمال، فإن ساويرس والعربى يحصلان، فعلا، على الريادة كذلك، فلم يقف دورهما عند حدود التبرع للمؤسسات، والفقراء، بل تعدى لإنشاء مؤسسات خيرية، واجتماعية تعمل على أسس حديثة، وباستمرارية للمستقبل، كنموذج ‏ريادى، يُحتذى، لأصحاب الأعمال فى مصر.
سيتوقف تاريخنا الاقتصادى أمام الرجل العصامى محمود العربى، الذى نمىَّ تجارته من الصفر إلى القمة، ومن قرية صغيرة إلى كل ربوع مصر، وتحول من التجارة إلى الصناعة، وجذب الخبرة العالمية اليابانية لمصر، ودرّب أبناء الفلاحين عليها، وترك وراءه مؤسسات، وأعمال، وأبناء درّبهم على العمل، والاستمرار فى الإنتاج، وأعطى نموذجا أخلاقيا، وقيميا، ودينيا فريدا فى أوساط المصريين، ‏فجذبهم، فى محبة نادرة، وفريدة، نتطلع إلى تكرارها بين أبنائه، وتلاميذه، ومحبيه، كما سيتذكر المصريون، وتاريخنا الاقتصادى، أنسى ساويرس، الذى لم يترك، فقط، مؤسسة، وصناعات، وأعمالا، بل ترك أبناءه وهم يتربعون على عرش الأعمال فى مصر، والعالم، فى صعود، ونمو مستمر، يعكس حالة الوطن، وقدرته على المنافسة، والتطور، وعلّمهم قيمة الوطنية المصرية، وأن تكون يدهم فى يد المصريين فى كل الأعمال، والمجالات، وأن يتحملوا المتغيرات، ويتكيفوا معها، بلا ‏ضجر، أو تذمر.
أردت أن أحيىِّ تجربتى الرجلين، وأرسخ ذكراهما معا، وأن أضع علامة جودتهما أمام الأجيال القادمة، وقدرتهما، فى عام رحيلهما ( ٢٠٢١ )، وأعتقد، بل أجزم، أن أصحاب الأعمال، والاقتصاد لا يموتون، رغم رحيلهم،‏ بل يعيشون، طويلا، فى أعمالهم، ونمو شركاتهم، بل يحصلون، كذلك، على ثواب، وتقدير أهل الدنيا، ورضا الخالق، الذى طالبنا بالتعمير، والبناء فى حياتنا، قصيرة كانت أم طويلة.. وأخيرا، وقفة احترام، وتقدير لمسيرة، ومسار، روحىّ الراحلين أنسى ساويرس ومحمود العربى.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى