مقالاتمقالات الأهرام اليومى

حول زيارة “تشارلز” لمصر

أسامة سرايا

الزيارة الملكية البريطانية إلى مصر، ولمنطقتنا تحديدا، التى قام بها الأمير تشارلز إلى القاهرة، والإسكندرية، ثم إلى عمّان فى الأردن- من الزيارات التاريخية القليلة، التى سوف يُؤرخ لها، ولها مغزاها، ودلالتها الراهنة، والمستقبلية كذلك، فسوف يدلل عليها فى قادم الأيام، فقد وصل ولى العهد البريطانى، وزوجته، ‏فى وقت حساس، ودقيق للغاية لبلاده، ونفسه، وعرشه، وكذلك فى لحظة مهمة بالنسبة لنا، فهذه الزيارة، بالنسبة إلينا، جاءت ومصر قد أنجزت مهمة بالغة التعقيد فى تاريخها الحديث؛ مهمة إعادة البناء، وإحداث التغيير، والتحول الاقتصادى، التى تسمح لصاحبها بتحقيق ما ‏انتظرته مصر فى مطلع القرن العشرين، ولم تصل إليه، وتخلفت كثيرا عنه، ودخلت فى حروب، وصراعات غيّبت الحلم، وعقّدت الأمور، وكانت فى مطلع القرن الحالى (الحادى والعشرين) فى مهب ريح أخرى عاصفة، وعاتية، استهدفت جذور الدولة، والوطن، وما بَقى لنا من قدرة على الحلم فى هذا العالم الصعب، الذى لا يعترف بالأحلام، ولكن بالأقوياء، القادرين فقط، فإذا بنا نصنع هبًّة تاريخية عظيمة، ومهمة، ‏ومعاكسة لما خُطط لنا، أتاحت بناء وطن قادر، وقوى، بل جعلت مصر ملاذًا، ووطنا لإقليمها، وشعوبه، وتلوذ به الإمبراطوريات القديمة عند الحاجة، أو بحثا عن الدعم، والاعتراف، فى هذا العالم المعقد، وهذا لا يمنعنا من تبادل المصالح، أو تقاسم المنافع، بدرجات مختلفة، ومتفاوتة، مادمنا نحافظ على قيمنا، وقدرتنا ‏على الفعل، والتطور فى البناء، حتى نستطيع أن نضع مصر كدولة، وشعب، فى مكانهما اللائق فى عالمنا المعاصر.
وحتى لا ننحو بعيدا عن زيارة الأمير “تشارلز” “الموحية لنا”، فى شهر نوفمبر ٢٠٢١ ، فهو يزورنا، وهو يعكف على ترتيب أوراقه الجديدة، بل على استعراض الألقاب، والأسماء، التى يخلعها، أو يعطيها الشعب، والملكية العريقة، فى كل أوروبا، إلى الملك المنتظر، أو القادم، فهو، منذ ٦ أشهر، قد حسم أمره بعد أن كان عازفا، أو مترددا فى تولى العرش، خلفا للملكة إليزابيث طوال العمر، والتى بلغت ٩٥ عاما، ولن تتنازل عن العرش، وأنها ستظل بالقصر حتى الرمق الأخير.
فقد كان، ‏ وأمه الملكة، ومن قبل الأمير فيليب، والده الراحل، يفكرون بجدية فى ابنه وليم، الأربعينى الآن، ملكا للعرش القادم، حتى يقبله البريطانيون، الذين مازالت فى مُخيّلتهم، أو فى عقلهم الباطن، ذكرى الأميرة الرحلة، أو أميرة القلوب المحبوبة، (ديانا)، أم ولى العهد القادم، الأمير (وليم)، حيث أخطأت الملكية، أو المؤسسة العريقة، من وجهة نظر الشعب، فى التعامل معها، وهى التى كانت أميرة المحبة، والبهجة، وممثلة الأجيال الجديدة، والمعاصرة، ليس ‏من البريطانيين وحدهم، ولكن كل الأوروبيين، خاصة الأنجلو-سكسون، وهذا عرش قيمته رمزية، بل مكانته تعتمد، إلى حد كبير، على تبادل المحبة، والاحترام، بين الشعب، والملك، أو الملكة.
تشارلز، الذى زارنا فى رحلة قد تكون الأخيرة، وهو فى هذا الموقع، الذى عاش فيه طويلا، وأصبح شيخا سبعينيا- سيصبح رأس الكنيسة الإنجيليكانية عند توليه عرش البلاد، وهذا يدفعه إلى مزيد من المودة، والتلاقى، وكونه فى هذا الموقع، القيادى، ‏وفى دولة ذات جذور تاريخية، وقريبة من الشرق الأوسط، والخليج العربى تاريخيا- فإن هذا يعنى إمكان تعزيز التفاهم المشترك، وإتاحة الفرصة لأجيال تلتقى حول كل ما هو نافع، ومفيد للإنسانية.
نحن نتذكر للأمير تشارلز الكثير من الخصال الحميدة، خاصة أنه كان صوتا عظيما لنا بعد أحداث ١١ سبتمبر ٢٠٠١ فى أمريكا، وهو يفصل بين الإسلام، كدين، والمتطرفين، والمتابع لمسيرته يجزم، بل يقطع أنه سيكون ملكا مميزا، كما كان أميرا مميزا‏، فمسيرته كانت تستهدف إقامة الجسور، وصنع التعايش، والمحبة بين الأديان.
لقد كانت زيارة ولى العهد البريطانى فرصة لشعوب الشرق الأوسط، والشعوب الإسلامية أن تعبر عن تقديرها للأمير، وتتطلع، فى مهمته الجديدة، أن يكون صوتا للمحبة، والتعايش بين العالمين الإسلامى، والغربى المسيحى، وقد حمل تشارلز السبعينى على كتفه، طوال 4 عقود، مهمة بناء علاقات جديدة، بل بناء مؤسسات جامعية عريقة، ومحاضرات علمية رزينة، للدفاع عن الإسلام، ‏والبيئة، بل إن القائم بأمر الملك للإنجليز حمل لواء الإسلام فى الغرب منذ التسعينيات، ووصل فى دعوته إلى حد أن التطرف ليس من الدين الإسلامى فى شىء، فالتطرف لا يرتبط بالإسلام أكثر من ارتباطه بالديانات الأخرى، ومن بينها المسيحية.
شهادة منصفة من الملك المنتظر، شهادة لوطنى المعاصر (مصر) أنه اجتاز عثرات القرنين العشرين، وبداية القرن الحادى والعشرين، وتخلص من عُقدة الاستعمار الإنجليزى، والفرنسى، وفى بدايات تكوينه ‏حققنا معادلات التوازن والقوة مع أمريكا، وفرنسا، واليونان، وأصبحنا ظهيرا قويا للدول العربية، التى تساقطت فى لحظات التغيير، لتعود من جديد قوية، وها هى بريطانيا العظمى، بعد أن خرجت من أوروبا، وهى الصانع الأول للحضارة الغربية، ولصورة العالم، كما نراها الآن- وعندما نقول بريطانيا، بالمعنى الحضارى، فهى تشتمل على أمريكا الشمالية وأستراليا، لأنهما امتداد حضارى لتلك الجزيرة الصغيرة القابعة فى الطرف الغربى لأوروبا-
يبدأ تشارلز فيليب آرثر جورج مسيرته الجديدة منها، وهو أقدم وريث شرعى فى تاريخ بريطانيا، وقد ‏ذكرتنى قصة زيارته لمصر بجده جورج الخامس فى نوفمبر ١٩١١، عندما استقبلته مصر عدة ساعات، مع زوجته الأميرة الملكة مارى، وهما فى طريقهما إلى الهند لحضور حفل تنصيب جورج الخامس ملكا على بريطانيا، وإيرلندا، وإمبراطورا على الهند، بعد وفاة الملك إدوارد السابع ١٩١٠ .
لم تعد زيارة مصر زيارة للتاريخ القديم فقط، بل أصبحت للحاضر، والمستقبل معا، فمصر ليس وطنا فقط، بل تاريخ للإنسانية ككل، وزيارتها، فى وضعها الراهن، وقوتها المعاصرة، اعتراف، بل شهادة للكل، الصغار والكبار، أنها زيارة للمستقبل، وأنها وضعت قدمها فى مساره،
فتوقفوا عن لعب ‏الصغار مع مصر، وتكلموا بلغة المستقبل،
وكل التحية لقائد بلادى، وشعب مصر، فالآن سقطت كل دعاوى الصغار، لأننا فى مصاف الكبار فى عالمنا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى