مقالاتمقالات الأهرام اليومى

«الديمقراطيات».. حوارات أمريكية حديثة!

عقد الرئيس الأمريكى، جو بايدن، فى النصف الأول من الشهر الأخير فى عام ٢٠٢١، مؤتمرا حول الديمقراطية فى عالمنا، والذى تحول، بقدرة قادر، إلى أزمة الديمقراطية فى عالمنا، وبدلا من البحث حول شعار كلنا نحب الديمقراطية كان البحث عن مسار لإنقاذها. وقد انهمك المتحاورون فى المؤتمر، وهم زعماء ١٠٠ دولة، اختارهم الحزب الديمقراطى الأمريكى ليمثلوا قيم الولايات المتحدة حول الديمقراطية، كما يعرفونها، أو اختبروها، منذ ٢٠٠ عام على قيام الدولة العظمى، واستقرارها، وتركوا نصف العالم ضد ديمقراطيتهم، وفى الوقت الذى حاول المؤتمر اتهامهم بهدم الديمقراطية؛ تفرغ المؤتمرون للدفاع عن ديمقراطيتهم، وتحولوا إلى متهمين حاولوا الهروب، قدر استطاعتهم، من الاتهام المخيف، الذى يسقط نموذجهم أمام العالم، وأنهم أصبحوا غير فاعلين فيه. ولعلهم وقفوا أمام تجربة آخر رئيسين أمريكيين، أحدهما ديمقراطى (أوباما)، والآخر جمهورى (ترامب)، ولم يستطيعوا تبرير أن يكون الرئيسان متناقضين تناقضا تاما، وكانت حالة مذهلة من الديمقراطية يعيشها هذا البلد الكبير، وكأنهما يعيشان خريفه، وعندما يُنتخب الرئيس التالى، أو الثالث، بعدهما، والحالى، بايدن، الديمقراطى، وكان حالة خاصة، فى محاولة لإيقاف التناقض، واسترجاع الديمقراطية العريقة رونقها دون جدوى، حيث يلح عليه شبح الرئيس السابق للعودة إلى حلبة المنافسة- إذا بهم يقفون موقفا آخر من الخيال فى الدولة، التى تزعم تكاملها، وتقدم النموذج الديمقراطى، الذى يُنتخب فيه الرئيس، فيرفض الرئيس المنافس، المنتهية ولايته، التسليم بالهزيمة، بل يُصر على أن الصناديق، والانتخابات، مزورة، والاتهامات نفسها، التى نسمعها فى العالم الثالث، أو المبتدئين فى عالم الديمقراطية، سيطرت على المؤسسات، والإعلام، مثل تزييف الصناديق، ولم يقف الأمر على فشل المؤتمر من داخله، أو محاولة إيجاد نموذج، فقد أطل عليهما كتاب خسارة اللعبة طويلة الأمد (الوعد الخاطئ)- بتغيير الأنظمة فى الشرق الأوسط، والذى اتبعه الرئيس أوباما، وفريقه- للخبير فى إدارته فيليب جوردون، مساعد جون كيرى، ٢٠١٣-٢٠١٥ ، وزير الخارجية فى إدارته أيضا، الذى فند، وشرح أخطاء، وكوارث تغيير الأنظمة، بشكل متسارع، فى منطقتنا، وعدّد أنه لا يحقق شيئا، بل يؤدى إلى عكس ما تسعى إليه القيادات، التى سارت فى هذا المسار، وأن سلبياته تتجاوز إيجابياته، خصوصا فى المنطقين البراجماتى- الواقعى، والأخلاقى- الإنسانى. كما نقف فى هذا الكتاب، الذى يعود إلى عام ١٩٥٣، أمام حالة إيران، عندما أقصوا مصدق لمنع انتشار الشيوعية فى المنطقة، وإلى عام ٢٠٠٣ أمام العراق، بحجة منع انتشار أسلحة الدمار الشامل، ومواجهة المنظمات الإرهابية، فشملت دعم انقلابات، وتسليح المعارضة، والغزو المباشر لتلك الدول، والأمر الأهم، فى كل هذه المشتركات، هو فشلها جميعا، بل حققت نتائج كارثية، فى المدى البعيد، وأنتجت فراغا سياسيا أتاح تسليم ساحة القيادة لجهات أكثر خطورة من الجهات الحاكمة، التى نوت أمريكا إخراجها من السلطة، سواء أكان ذلك فى مصر، أو العراق، أو محاولات التغيير فى سوريا، وليبيا، بالقصف الجوى، والسياسات الميدانية فى أفغانستان، ومثيلاتها فى أماكن أخرى. ولعلنا، هنا، نقف أمام الرد الصينى، والروسى، فقد حاولا تصحيح المفاهيم الأمريكية، ولم يكتفِ الصينيون برفض فكرة المحاور، واللعب على الوتر الديمقراطى، فقدموا دراسة مستفيضة عن الديمقراطية الفاعلة، وردت الصين بأنهم يجب أن يتعلموا من تجاربهم بدلا من تنصيب أنفسهم قضاة للديمقراطية، أو أصحاب شهادتها. وأنا، هنا، معجب، للغاية، بالرئيس الصينى، شى جين بينج، الذى وضع تعريفا للديمقراطية ليست شيئا يُستخدم للتجميل، بل يجب أن تستخدم لحل مشكلات الناس، فهل الديمقراطية حكر على دولة، أو عدة دول؟.. نتفق أنها يجب أن تتخذ أشكالا متنوعة، وليست متمثلة فى الانتخابات وحدها، ولا يمكن لأى دولة، حتى لو كانت الولايات المتحدة، أن تحتكر تعريف الديمقراطية، واختصاصها، خاصة فى هذه المرحلة من عمر تطورها، والبعض يراها تحتضر، أو، فى حدها الأدنى، تعيش حالة مؤسفة، حتى بالنسبة للقياسات الأمريكية، ويكفى للتدليل على ذلك مؤشر فريدوم هاوس، والبعض يرى أن الديمقراطية هى التى تصنع صناديق الاقتراع، وتنظفها من التزييف، والتزوير، فتعمل على تهيئتها لتكون مستودعا للإرادة الحرة. نعم قد تقود صناديق الاقتراع الديمقراطية إلى خنقها، إن لم تكن مُعمّدة بالقواعد الديمقراطية تعميدا يقيها انقلاب نقائصها عليها. لقد أخذنى الكتاب الأمريكى إلى كتاب مصرى أصدره الدكتور وحيد عبدالمجيد، الكاتب، والباحث المدقق، حول ديمقراطية القرن الحادى والعشرين، والذى يعتبر من أهم الكتب التى صدرت فى عام 2021 ،وقد صال وجال فيه حول كل تعريفات الديمقراطية، وأنه يجب التدقيق فى المفهوم، وضبط المصطلحات، بعيدا عن امتهان حكم الديمقراطية، عبر استخدامها غطاء لنظام حكم مطلق، تَحتكر فيه السلطة قلة صغيرة أيا كان طابعها، مما يتطلب البحث فى الأزمة، التى تواجه النظام الديمقراطى، التمثيلى، فى أوائل القرن الحادى والعشرين تدقيقا، وضبطا ضروريين، للإنقاذ، وقد أجاب الدكتور وحيد عبدالمجيد عن الكثير من التساؤلات، التى يطرحها مؤتمر واشنطن، وكشف عورات ديمقراطية واشنطن، كما تريد فرضها على العالم المعاصر، فى ظروف مختلفة، وبيئات متنوعة، وكيف نجعل الناس مؤثرين فى المشاركة المباشرة، والكاملة، والمستمرة، وليس فى وقت الانتخابات فقط؟، وأن العالم، فى ظل الثورة الرقمية، والتكنولوجيا، سيتبنى مفهوما جديدا للديمقراطية يُولد من رحم الأزمة الراهنة، ويمتزج فيه التمثيل السياسى بالمشاركة المباشرة، والذى يتوقع طابع ديمقراطية القرن الحالى. وإذا كنا نريد ترجمة الكتاب الأمريكى، الذى شرح أسباب الفوضى فى المنطقة، فإن كتاب ديمقراطية القرن الحادى والعشرين يحتاج إلى الترجمة الإنجليزية لإنقاذ الأمريكيين، والغرب، من مأزق الديمقراطية القديمة، أو التمثيلية. إن ما يهمنا، هنا، أننا فى مصر منخرطون فى بناء نظام سياسى، جديد، متكامل، وبنية أساسية لنظام ديمقراطى، حقيقى، تحمينا من أى ديكتاتوريات فاشية، أو دينية، وتلك تجربة مصر فى التحول الاقتصادى، والسياسى، وهى تجربة ملهمة، ولا تحتاج معلما أمريكيا، أو أوروبيا، أو حتى صينيا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى