مقالاتمقالات الأهرام العربى

مدارات وأحزان د. عبدالمنعم سعيد

أسامة سرايا

فى السنوات الأخيرة على مدار ما يقرب من ثلاثة عقود، يعتبر د. عبدالمنعم سعيد، الخبير الإستراتيجى والكاتب المصرى والعربى الأكثر أهمية، أعتبره شخصيا مرجعية رئيسية، رأيه مهم، بل هو الأكثر حكمة وموضوعية، إن لم يكن الأدق والأكثر تكاملا، فى كل ما يواجهنا من قضايا عالمية أو إقليمية أو محلية، ولا يلجأ إلى المعلومات أو الحكايات المثيرة والمسلية التى تعجب القراء أو الجمهور، وتمثل شائعات منشورة هنا أو هناك.

أصبح د. عبدالمنعم سعيد هدفا نبحث عنه لنعرف تحليله ورأيه، فهو يصل مباشرة إلى هدفه مع مضمونه العميق، وأصبح صوته أو كتاباته معبرة عنا إلى حد كبير، يحلل قضايانا بموضوعية ودقة وبدون أية إثارة أو شعبوية، فأصبح الكاتب الوحيد الذى تصل مفرداته للقارئ بكل مستوياته وتعليمه.

لم يضبط د. عبدالمنعم سعيد، يكتب للتسلية أو الإثارة، أو حتى يصور حكايات حول الثروات، فيختلق معلومات مغلوطة، وأن رئيسا اغتال رئيسا سابقا، بدس السم له فى القهوة أو ماشابه من الحكايات التى تعجب العامة.

يحلق د. عبدالمنعم سعيد بالعمق ويكتب ما بين 3و4 مقالات أسبوعية، موضوعية ومعلومات كثيفة، وتحليل العلماء المتعمقين، فقد جمع ما بين كتابة الخبراء والإستراتيجيين، وبين الكتاب الأكثر متابعة للجميع فى الصحف والمجلات.

كتاباته وتحليلاته ودراساته متقدمة، تجمع بين جمال الكتابة وعمقها وتأثيرها على المتلقى، بل إنها تعمق لوعى وتخلق رأيا عاما مستنيرا، يعرف ما يدور حوله، بالرغم من مكانته المرموقة فى كل مراكز الأبحاث والدراسات فى منطقتنا وفى العالم.

د. سعيد سبق الجميع، أصبح كاتبا جماهيريا بعمق الخبراء، فهو مؤسس مدرسة الدراسات الإستراتيجية فى مصر والمنطقة العربية، حتى أصبح شيخا كبيرا “فى السنوات الأخيرة”، كانت تحدث المقارنات بين الكتاب المصريين والعرب، فكنت أبادر وأقول بيننا د. عبدالمنعم سعيد، أصبح منتجا نفتخر به ونقدره، فى عالم الكتاب والبحث والدراسات.

أكتب ذلك وأشعر بالحزن، وقد هزنى عندما تلقيت خبرا بأحزان د. عبدالمنعم سعيد، لرحيل ابنه الأكبر د. شادى سعيد، الذى كان نموذجا مبهرا للأجيال الجديدة من الشبان المصريين الذين برعوا فى أعمالهم الخاصة.

وأصبح محبوبا فى مجاله، يقدم الأبحاث والدراسات المتكاملة الهندسية، يربط دراساته بالمعرفة المحلية لما يحدث فى مصر والابتكارات العالمية، مثل والده تماما.

كان خبر رحيل المهندس شادى مدويا ومفجعا، ومسببا لكثير من المخاوف على أسرة صغيرة شابة، رحل عائلها، والأبناء الصغار فى حاجة إلى الأب، بل الأب الكبير، فى حاجة إلى ابنه الراحل يكون سنده.

هزنى الرحيل المخيف.. بقدر حزنى على الشاب الذى اختطفه الموت فى عز توهج موهبته. خفت على الأب د. سعيد، وتمنيت ودعوت الله أن يلطف بالأسرة، وبالصديق، فيتجاوز عنفوان أزمة الرحيل، ويستمر الأداء، وأن يظل على توهجه واستمرار تدفقه، فكانت مدارات د. عبدالمنعم سعيد بلسما، كان تألقه فى تشخيص اللوعة ومرارة الموت، وتوقفت أمام دعوته علماء النفس أن يبحثوا حول حالة الحزن الغامرة، حتى نعرف بيولوجيا الحزن، حتى نكون قادرين على تلقى الصدمات الكبرى، وعبر عن حزنه النبيل كعادته المتفوقة، فإن الأمر يحتاج إلى الكثير من البحث، كانت مقالاته رسالة التقطتها. إن العلماء والأشجار السامقة عمقها فى الأرض وفروعها فى السماء، وهؤلاء هم المؤمنون، هم الكبار  القادرون على تعليمنا.

حفظك الله د. عبدالمنعم سعيد، لم تخذلنى يوما، عندما راهنت عليك أنك ستكون أكبر سند لى فى إدارة الأهرام وتحويلها لأهم مؤسسة إعلامية فى عالمنا، وكانت سنوات مثمرة لكلينا، حققنا أهدافنا إلى أن تم توقفها لأسباب أهمها ما حدث فى 2011.

لكنك كنت دائما نموذجا للمصرى العظيم، والكاتب الكبير، والباحث المتفوق والدؤوب، تمنياتى لك ولأسرتك بكل خير، وأن يمنحك الله الصحة والصبر، حتى تجتاز هذا الرحيل الأليم والصعب.

فصمودك وقوتك أصبحتا مهمتين للكثيرين، فلا نملك كتابا كثيرين فى موهبتك وتفوقك، وتذكر حاجة المصريين لقلمك وحكمتك.

وإذا ضعفت وقلت لقد أعطيت الكثير، تذكر أبناء المهندس شادى سعيد، فهم أصبحوا فى حاجة إلى الجد أكثر من أى مرحلة أخرى، لتلعب نفس الدور الذى لعبته مع شادى الراحل.

تمنياتى لك وقلبى معك..

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى