مقالاتمقالات الأهرام اليومى

حارس شارع الصحافة الأمين

أسامة سرايا

لا خير فينا إذا لم نذكر أعمال، ونخلد، أصحاب الفضل بيننا..كانت الأيام الأخيرة من يناير حُبلى، ليس بالبرد القارس، والذكريات المؤلمة، والصعبة، فقط، التى ألمت بالوطن، ولكن بالحزن كذلك، الذى ألم بشارع الصحافة المصرية تحديدا، فقد رحل شيخ كبير له قصة مع كل زميل، ليس فى “الأهرام” وحدها، ولكن فى كل الصحافة المصرية، ومختلف مؤسساتها، بشارع الجلاء، حيث أهم مؤسستين صحفيتين فى الشرق الأوسط، وأقدمهما، وأكثرهما رسوخا، فى المهنة، وفى حب الوطن (الأهرام، والأخبار).
سوف أتوقف أمام رحيل أستاذى، سامى متولى، الذى علمنا الكثير، وظل يعمل، ويُعلِّم بهدوء، وثقة، لا مثيل لهما فى عالمنا الآن، ما يقرب من ‫نصف قرن من الزمان..كان، وظل، سنوات عمره، أول من يدخل “صالة التحرير” العريقة، ويفتحها، وآخر من يتركها لصباح يوم جديد..لم يسبق الصحفيين فقط، بل العمال كذلك، ولا أبالغ عندما أقول إن كل صفحة من صفحات “الأهرام”، طوال تلك المدة الكبيرة، كان وراءها عمل، وعقل، ومتابعة، لصيقة، للأستاذ سامى متولى، الراحل الكبير، وليس كل عدد من الأعداد فقط، والتى تصل إلى ملايين القراء يوميا، والتى تنعش عقول، ونفوس، كل مواطن مصرى كان مواظبا على شراء، وقراءة، “الأهرام”، ومتابعة صفحاتها، وقصصها الخبرية، وتحقيقاتها الصحفية، وفنونها العامة، والمتخصصة، وصفحات الرأى، والدراسات، التى لم تترك حدثا كبيرا، أو عابرا، إلا وسلطت عليه الضوء، وكشفت أبعاده الماضية، والراهنة، والمستقبلية، لقراء “الأهرام” العظام، والمخلصين.
رحم الله رجلا كان فريدا فى شخصيته، وقدراته، وخبرته اللا محدودة.. لم يكن زاهدا، أو متصوفا، فقط، بل كان ناسكا، ومحبا لمهنته، وقبلها وطنه (مصر)، والأهم مواطنوها.
لو لم يكن سامى متولى محبا للمصريين، ومصر، لما استطاع أداء هذه المهمة الصعبة، والدقيقة، خلال تلك هذه السنوات الطويلة، بسلاسة يحسد عليها، ولا نظير لها، وهذا الحب، والتفانى الفريد، وقد أدى مهمته إلى يوم تقاعده، أو حتى رحيله، فليس هناك ما هو أعلى قيمة من الحب، حتى يصبر، ويجلد نفسه، يوميا، فى إخراج، وتقديم، صحيفة ليس بها خطأ، حتى ولو لغوى، فهذا الأستاذ، الفريد، لا يقبل، ولا يتعايش، مع أى خطأ، ولا يقبل خبرا، أو قصة غير مكتملة، أو غير حقيقية، أو بها شبهةصغيرة، أو كبيرة.
لم يكن محبا للظهور، أو يتباهى باسمه، وإنجازاته، وخبطاته الصحفية، وهى كثيرة، بالمناسبة، فهو كان “شيخ الصحفيين البرلمانيين”، الذى ينقل البرلمان للناس، ويكتبه بقلم “رصين”، ولا يسعى إلى الشهرة، أو الضوضاء، ولكن كان أمامه دائما القارئ، الذى يحب أن يعلم، وأن تصل القصة إليه..كان يطبق أن رئيسه، وصاحب الحق عليه، هو القارئ، وكان أول من يعرف ما يدور فى مصر، وبرلمانها، لسنوات طويلة، فهو أكثر الصحفيين وصولا، واحتراما، لمصادره، فحقق نجاحات مذهلة، وحصل على أكثر الجوائز المهنية احتراما، وثقة، عبر مسيرته، ولكن كنت أراه، وهو يبحث وحده، ليس عن شهرة، بل عن رضا الله، ثم رضا القارئ، وكان عطاؤه بلا حدود له.
رحمك الله أستاذ سامى بقدر ما أعطيت، ليس للزملاء فقط، ولكن لكل قارئ كان يفتح صفحات “الأهرام”، ويقرأ، ويعرف، فقد كنت الصحفى، ومدير تحرير الأهرام، الذى عرف خصائص مهنته بدقة فائقة، وطبقها بالحب، والحوار مع الزملاء، والتفانى.
لم يكسب الأستاذ سامى متولى ثقة وحب احترام الأستاذ الراحل، إبراهيم نافع، وحده، الذى ظل يثق فيه، ويمنحه ثقته، المستحقة، فى حضوره، وغيابه، لسنوات طويلة، بل كسب حب، واحترام، الزملاء، ونال أكبر ثقة، واحتراما، هى ثقة قراء “الأهرام”، الذين أحبوا صحيفتهم، ولم يعرفوا أن وراء صفحاتها سامى متولى، فالصحف لا تصدر لوحدها، ولكن وراءها عقول، ومخلصون، يؤدون واجباتهم المهنية، ولا ينتظرون سوى رضا القارئ، واحترامه.
وبالنسبة لى، أستاذ سامى، فإن الذكريات تذهب بى بعيدا، فقد كنت، وأنا رئيس تحرير، تأتى يوميا لمجلس التحرير، وتجلس أمامى، فأشعر بأن الدنيا بخير، و”الأهرام” كذلك، وأننا قادرون على المنافسة، وأننا سوف نسبق الجميع.
أتذكرك فى لحظة وصولى، وتخوفى أن أذهب مباشرة إلى مكتب رئيس التحرير، انتظارا لأستاذن الأستاذ إبراهيم نافع، رئيسنا المحبوب، فإذا بك تذهب إلىّ فى المكتب المجاور، وتدفعنى دفعا إلى أن أجلس على المكتب، وتقول لى “لقد تعود الأهراميون أن هذا هو مكتب رئيس التحرير، وأن تلك هى رغبة الأستاذ نافع”.
وأتذكرك، وأنا أقف معك، ونحن نرى حريق مجمع محاكم الجلاء- فى أحداث يناير ٢٠١١، منذ ١١ عاما مضت- المجاور لمبنى “الأهرام” الزجاجى العريق، الذى بُنى فى الستينيات، ومن أجمل مباني القاهرة، أو وسط البلد، يحترق، وأنا أصرخ، وأقول “النيران سوف تمتد إلى مبنى (الأهرام) العريق”، وكنت خير معاون ‏لى وأنا أستأذنك أن أكلم القوات المسلحة لتأتى لتحمى مبنى “الأهرام”، فنحن لا نملك مبنى فى مصر بهذا الجمال، ويجب أن يعرف أهل مصر أن هناك مجموعات من المحترفين، والمجرمين، يحرقون المنشآت، كنا نرى حريق القاهرة فى الأربعينيات، وتصورنا أن مصر مقبلة على هذا اليوم، وكنت أبا، وزميلا، كريما، عندما شجعتنى على أن أخطو نحو هذه الخطوة المذهلة، التى حمت “الأهرام”، والتى صورها الكثيرون أنها عدوان على “الأهرام”، وكنت أراها، وكنت تراها معى، أنها حماية لـ”الأهرام”، وللوطن، من الحريق، الذى بدأ إلى جوارنا بمجمع المحاكم.
أستاذى الراحل إذا استرسلت فى مآثرك لن أتوقف.. فلك معى ذكريات كبيرة، وطويلة، حلوة، وصعبة، وأنا ممتن لك، كما أن الكثيرين من قراء “الأهرام” محبون، وممتنون لك، ويشعرون بأنك الحارس، والمخلص الأمين، لبوابة “الأهرام”، ولشارع الصحافة، لعقود خمسة ماضية، وأنك خدمت صحيفتك، وقدمت نفسك، وجعلت مهمتك فى المقدمة قبل حياتك، وأسرتك، وأكيد أن الذى يَجزى، ويُعطى الحقوق، ليس الإنسان، وليس المؤسسات، وإنما الخالق- عز وجل، فرحمك الله، وجزاك عن دورك، وحياتك، كل خير.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى