مقالاتمقالات الأهرام اليومى

معرض.. يحيى حقى!

فرحتنا هذا العام بمعرض الكتاب كانت لاسم يحيى حقى.. إعادة بعث يحيى حقى لشبابنا، والأجيال القادمة، خطوة ذكية، بل عبقرية، ولا نستطيع أن نتجاهل أهميتها، وفكرها، بل يجب الإشادة بصاحبها..

 

لقد ظللت سنوات طويلة، وأنا فى عملى بـالأهرام، أتساءل: لماذا كان يحيى حقى، العبقرية الفريدة، والفذة، فى تاريخ الأدب، والفنون المصرية، هو الوحيد الذى لم ينضم إلى كوكبة كتاب الأهرام الفريدة، مثل كل معاصريه الكبار، فليس هناك أديب، أو كاتب كبير، عربيا، أو مصريا، لم ينضم إلى أسرة الأهرام؟! خفت أن أكون متحيزا لهذا الأديب، الذى نشأ فى حى السيدة زينب، حيث وُلد هناك، وبيته كان المكان نفسه، الذى أقيمت عليه مدرسة محمد على خلف الحرم الزينبى، والذى عشت حياته المبكرة فى الستينيات والسبعينيات، وظللت أؤمن بأنه الأديب الذى ارتاد كل الأجواء، وعبّر عنها بعمق المعايشة، التى لا نظير لها، فهو وحده منوال، وطريقة فريدة فى الإبداع، بل هو الأديب الذى ارتاد آفاق الثقافة ببعديها (الغربى والشرقى) معا. لا أعرف لماذا لم يحتفِ الدبلوماسيون، أو رجال السلك السياسى فى مصر، بيحيى حقى، وقد كان واحدا منهم، حتى إنه عمل مديرا لمكتب وزير الخارجية لسنوات؟!.. هل لأن كثيرين منهم مثل يحيى حقى، وقد كان منهم أدباء، وكتاب عظام؟.. ولكن أديبنا منوال وحده، لا نسيج له، بل ليس له قرين، ولا يمكن مقارنته بأحد. كان اختيار معرض الكتاب المصرى٢٠٢٢ اسم أديبنا حقى إعلاءً للقيمة، والفن، والأدب المصرى، فى القرن العشرين، وليس للمؤسسة، أو الشلة، أو حتى شخص، فكلنا يتذكر أن حقى هو الذى علمنا كلمات حقيقية، ولم يعلمنا كلمات جوفاء.. هو الذى لا يعلمنا ما ينقل، بل يعلمنا ما ينبع.. هو الذى لا يعلمنا المستورد من الأفكار، والكلمات، بل هو صاحب الأدب المعبر عنا.. فمن منا ينسى قنديل أم هاشم؟.. ومن منا ينسى البوسطجى؟.. ومن منا ينسى خليها على الله؟.. ومن منا ينسى أنشودة البساطة؟!.. وكل إنتاجه كان كذلك، فهو من اقتنع بأن الأدب هو تغذية للعقول والنفوس، معا، التى حوله. إن اختيار معرض «٢٠٢٢» اسم يحيى حقى عمل مبدع، بل رسالة للاهتمام باللغة العربية، وإبداعات حقى العبقرية، لأنه اللغوى الذى آمن بقصيدة لغوية معبرة، ولم تكن اللغة عنده معبرة فقط بقدر ما كانت إيمانا لصيقا بشخصيته، إن لم تكن دينا، وعقيدة، واستطاع أن يسمو بها فيما يعيش، وفيما كتب من مقالات، وأدب، وفنون شملت كل الأجناس الأدبية، ويحيى حقى هو صاحب اللغة الشعبية، كما أنه صاحب الأعمال المأثورة، وأستاذنا الراحل، وأديبنا العبقرى، الذى وُلد فى بداية عام ١٩٠٥، ورحل فى نهاية عام ١٩٩٢، وعاش فى حياتنا ٨٧ عاما، وكان إماما لأجيال الستينيات، والسبعينيات، وأوجد أدبا يعيش. أعتقد أن السينمائيين، الذين يبحثون عن القاص وإبداعه، سيجدون فيه القاص البارع، وكذلك الذين يبحثون عن تحليل الشخصيات، وظروفها، وسلوكها، لن يجدوا أفضل من كتاباته، لأنها جاءت عبر المعايشة، والذين يبحثون عن الإنسان لن يجدوا أفضل من كتاباته، فهو من عاش، واحتك، وقابل، وفهم، واستوعب ما يحدث فى مصر، وتربتها، وهذا هو ما جعله يؤلف، ويكتب، ويحلل، وهو من بحث عن الإنسان، وهو لا يعلّمنا ما ننسى، فقد ظل مهموما بالواقع الثقافى، ومستقبله، وكتاباته تنفذ إلى هذه الرؤية الثاقبة، بل إنه نفذ، من خلالها، إلى الروح الإنسانية، وهى البعد الغائب فى معظم أعمالنا، ولأن الروح من أمر ربى، فإن اقتراب يحيى حقى منها كان نادرا، وحساسا، ويظل حالة تحتاج إلى البحث أكثر من القراءة فقط، بل أن تدركه بكل حواسك، حتى تشارك الكاتب فى سبر أغواره، وهى عملية، أعتقد، صعبة، ومعقدة، ولكنها تجربة حلوة، ولذيذة، للإنسانية فى كل الأحوال، وقد بحثت وراءها، ولنكتب جميعا حتى ندرك الروح، ونصل إلى مضمونها، ونحاول أن نشخصها للأجيال، التى أرهقها البحث، والمتابعة، حول الماديات، وسبل الحصول عليها، حتى أصبحت مدمنة لهذه الحالة غير الإيجابية فى حياة الإنسان منا، لأننا روح، ومادة، وعندما نغفل جزئياتنا، فإن حياتنا تكون ناقصة، وتحتاج منا التنبيه، لنخرج منها إلى حالة أكثر إيجابية فى هذه الحياة، وليست هناك كتابات أغلى مما تركه يحيى حقى، لتساعدنا فى تنفيذ المهمة القاسية، والصعبة، لتربية، وتهذيب، النفس البشرية، وهى إدراك الروح قبل الماديات. أردت تحية أديب رحل منذ ٣٠ عاما، ولكننا نملك منه الروح، التى قد تكون غير مستخدمة، وتحتاج إلى أن نقلبها معا، مثلما هو استطاع أن يقلب البشرية المصرية، ويستخلص منها أدبا راقيا يعيش، ويترجم لكل اللغات، وتفهمه الإنسانية فى كل مكان فى عالمنا، بل ترى فى عاداتنا، وقيمنا الاجتماعية، قيما إنسانية عالمية ترقى لأن يعلم العالم الأول من بيننا أديبا لم يقع فريسة لأدب الغرب، فأنتج أدبا من الشرق صالحا ليعيش فى أجواء الغرب.. هل تصدقون أن يحيى حقى صدر الأدب المصرى للعالم بكل الشخصيات العربية؟!.. وهو محل افتخار، وتقدير، وبكل أبعاده: الإيجابية، والسلبية، فكانت أدبا، وقصصا، تعيش فى كل العصور، وفى كل الأجواء، والبيئات الخارجية، التى لم تنبت فيها.. فكل التحية لهذا القاص المبدع، الذى كان خجله، وبعده عن الشكليات، والمؤسسات الكبيرة، سببا فى عدم انتشاره بين الناس بما يكفى.. تحية إلى اللغوى يحيى حقى، البارع، الذى سبر أغوارنا بكل شجاعة، وموهبة.. تحية للمؤرخ العظيم، الذى لم تبهره سير الكبار، فى عالمنا، بقدر ما أبهرته سير البسطاء، والفقراء منا، وحياتنا الجميلة، وأزقتنا، وحوارينا، وسيرتنا الإنسانية، فكتبها بكل اقتراب، لتعيش، وتموت، معا.. تحية إلى الرجل الذى ركز على محو الأمية فى مصر، محذرا من خطرها على شتى الحياة المصرية، بادئا بـمحو أمية المستضعفين والمثقفين معا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى