مقالاتمقالات الأهرام العربى

عصفور الجنة ريان.. ماذا فعل بنا؟

مع شهر فبراير، عشنا أحداثا من الشجن المتتابع، صنعها حزن عام وفرح عام.

وقد صنع الإعلام والمتابعون، حالة من الغضب العام شمل أمة كاملة، والأمة هنا التى أعنيها، هى العالم العربى كله بما لديه من التجانس والمحبة المشتركة، وبما يجمعه من الحب والتنافس ولو فى مباراة للكرة نتابعها بحماسة وفرح ونحزن معا، وتشملنا حالة من الحزن كذلك، عندما يسقط طفل عربى فى إحدى قرى المغرب، فيظل الأمل فى إنقاذه معلقا بين قلوب كل العرب فى كل مكان.

بل كل إنسان فى هذا العالم، ليعود إلى الحياة بعد الآلام والمعاناة، حيث أوقعه القدر والمصير فى بئر عميقة، وتستمر حالة إنقاذه 5 أيام متتابعة، وكل القلوب والنفوس معلقة به، لكن القدر والنصيب كانا يلاحقانه، فلقى وجه ربه، ليكون عصفورا فى الجنة، لكن محاولة إنقاذه وتكريمه مع مشاركة كل القلوب فى وداعه، تعكس حالة وجدانية لا سبيل إلى تسجيلها على ورق، إنها حالة من الشجن والهلع معا، تظل تلاحق الإنسان ولا سبيل للخلاص منها، فنحن المؤمنين بالرسالات السماوية ورسالة التوحيد، نؤمن بأن الحياة ما هى إلا معبر أو وسيلة إلى حياة أبدية كاملة فى رحاب الخالق، لقد كان وداع الطفل ريان من شقشاون المغربية وداعا يليق بملاك الجنة، أو عصافيرها الراحلة، فهؤلاء هم من أبلغنا الخالق بأنهم أول من يستقبلوننا فى الجنة، إذا كتبت لنا، وبشرنا بها الخالق عز وجل، عندما تنتهى حياتنا الدنيوية الصغيرة، مهما طالت أو قصرت، لقد كنا نتابع حالة ريان المغربى كأننا أسرة واحدة، قلوبنا معلقة بالأمل، وأن هذا الطفل ذا الخمس سنوات هو ابننا كلنا، وأنا شخصيا أحببت ريان حبا جما، أحب الاسم لأنه أول حفيد لى، وأشعر بأن ريان المغربى ابنى، تألمت لمعاناته، ودعوت له، كما شعرت بأنه ابن كل العرب، وكل إنسان عاش لحظة هذا الألم، معلقا بالأمل، وقد كنت أتمنى ودعوت الله أن تتمكن الأجهزة والمعدات المغربية من إنقاذه، لكنهم حاولوا وحفروا بالمعدات التى يملكونها، بل حفروا بأيديهم، حتى وصلوا إلى الطفل، لكن بعد أن كان القدر قد أصابه، كتب القرار الذى هو مصير كل المخلوقات، مما جعل ريان المغربى رمزا إنسانيا عالميا.

لكننى أعتقد أن الخالق العظيم، أوصل إلى قلب وعقل هذا الطفل الوديع مشاعرنا كلها، لكى يتدفأ بها قلبه وعقله، ولكى ترفرف حول روحه وهو فى رحابه، فهو أحن على خلقه من كل خلقه. فتشعر بالسعادة، رحيل ريان عجل بالاهتمام بكل الأطفال فى عالمنا العربى، وعجل بعودة الطفل السورى المختفى، وأعتقد أن روح ريان سوف ترفرف حولنا لكى تشجع العرب على العمل على إنقاذ كل الأطفال المظلومين المطحونين الذين يعانون جراء الحروب، وحروب الإرهابيين، فالأطفال هم أول ضحايا الحروب وسقوط الدول.

محاولتنا لإنقاذ الطفل ريان، يجب أن تكون رسالة قوية لإنقاذ أطفال سوريا واليمن، وقبلهم ومعهم الفلسطينيون، وضحايا حروب العراق وليبيا والسودان، فهؤلاء وقعوا فى بئر عميقة، بئر سقوط الدولة وضياعها.

الفرحة والحزن العام يكشفان لنا عن وجود أمة عربية حية وقوية ومتماسكة واحدة، شعرنا بها فى متابعة مباراة كرة، وفى سقوط طفل وفى اختطاف طفل، وفى تعذيب طفل.

وشدنا اختطاف الأطفال من أسرهم بحجة أنهم غير قادرين على رعايتهم.

أطفالنا الذين قتلهم البرد فى المخيمات وعاشوا وأسرهم مأساة الحروب، يجب أن تجمعنا وتدفعنا لإنقاذهم كلهم، والعمل الجاد على عودتهم إلى بيوتهم وأسرهم.

وحماية كل العالقين، والمشردين، والضعفاء فى كل مكان.

أطفالنا الذين يختطفون لكى يحاربوا فى اليمن، جريمة لا تغتفر ويقتلون ويصابون وتضيع طفولتهم.

يجب أن يدفعنا ذلك لوقف الحرب فى اليمن كلها، أطفالنا فى مخيمات الأردن ولبنان يجب أن يعودوا إلى بلادهم.

تحية إلى المخرج المصرى الذى ذهب إلى مخيم الزعترى فى الأردن، وقدم حياة الطفلين “محمد ومحمود”، اللذين أصبحا ضميرا لأطفال المخيمات، برغم معاناة الحياة فى المخيمات، بلا بيت، بلا مدرسة، بلا مستشفى، بلا أمل فى المستقبل لهم أو لأسرهم.

دعاء الناس وهتافهم الذين التفوا حول الطفل ريان المغربى، وهو فى بئره العميقة. ليعيش 5 أيام من المعاناة والألم.

لم تضع برحيله الخاطف، لكن أنقذته وغذت روحه، وكانت وقودا، وحد العرب فى كل مكان، وأعاد الضمير الإنسانى من غفوته إلى الوجود، لكى يلتف حول الإنسان العربى والطفل العربى والمرأة العربية، لتنتعش الحياة وتنتهى معاناة الذين يعانون فى المخيمات إلى مدنهم وقراهم، هذه الروح الجديدة سوف تسرى فى عالمنا ومجتمعاتنا ولن تتوقف.

قلوبنا اهتزت.. ضمائرنا غسلت.

رحم الله الطفل البرئ “ضحية البئر” الذى فجر ضمائرنا كلها، عصفور الجنة الراحل، أصبح ضميرا حيا، أصبح روحا ترفرف فى كل مجالسنا وتدفعنا إلى التحرك، تجعلنا جميعا نهتم بأطفالنا، ونحيطهم بالرعاية والمتابعة وندعو لهم، ونلبى احتياجاتهم، فذلك هو ما يصنع الإنسان الجديد، ويجب أن نوفر كل الدعم والإمكانات للتعليم والصحة والرعاية، قبل أى شىء آخر، ونجعلها هدفنا الرئيسى، وأن نطور مجتمعاتنا وندعم مكانة الدولة لتكون قادرة على إنقاذ الضعفاء فى كل مكان. وقانا الله ووقاكم من كل الشرور

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى