مقالاتمقالات الأهرام اليومى

‏المسرح العالمى ما بعد الأزمة الأوكرانية

أسامة سرايا
فصل جديد فى حياة العالم يُكتب ما بعد الأزمة الأوكرانية، وتداعياتها.. كل الذين راهنوا على حرب أوروبية جديدة خسروا الرهان.. لم يكن كل اللاعبين فى هذه الأزمة فى حاجة، أصلا، لهذا الامتحان الفظيع، أو أى حرب هناك، رغم أن فرص الحرب لاحت أمام الأطراف كلها، وكانت الصورة لا تكذب (الحشود موجودة)، والاستعدادات قائمة على قدم وساق، كأن الحرب غدا فعلا، ولم يكن ينقصها إلا الإشارة، أو إطلاق الرصاصة الأولى “هفوة”، أو “خطأ” فى السيناريوهات المكتوبة، وفى هذه الحالة قد يكون خادعا للجميع أن نقول إن المنتصر الوحيد هو الرئيس بوتين، وهو، فعلا، منتصر بلا حرب، ولكنه سيكون منتصرا، أكثر، إذا خرج ببلاده بلا عقوبات كذلك، وأعتقد، بل أجزم، أنه سيحدث، ولكن المنتصر الأول هو الذى لم يدخل هذه المعركة أصلا، وكان يتابعها، بل يترقبها، من بعيد، سيُكتب فى هذا الفصل أن الصينيين كانوا هم المنتصرين الأوائل بالفرجة، وقمة بكين ( ٤ فبراير ) قبل دورة الألعاب الشتوية، بمن حضرها، سواء كانوا الروس، أو المصريين، أو العرب (الخليج) ممثلين فى الإمارات، وقطر.
أرسلت الصين إشارات دقيقة، وفعالة، للعالم كله؛ أن مشروعها قائم، وأن طريقها ‫يسير مثل”الحرير” تماما، وأنه لا سبيل إلى الحرب معها، أو العقوبات ضدها كذلك، أو اتهامها بالمسئولية وحدها عن كورونا، بل سيكون كل ذلك ممكنا بالتفاهم معها، فهى الشريك الأول، والمصاحب، للقوة الأمريكية، التى من المفترض أنها القوة الكبرى فى العالم، وأنها فى حاجة ماسة إلى الصين، بل إن شركاء، وحلفاء، أمريكا يعترفون بذلك، بل يدعونها إلى هذا الدور، أو هذه المكانة
نعود إلى الأزمة الأوكرانية، وهى تضع أوزارها الآن، وتفتح، كغيرها من الأزمات الحادة، التى شملت العالم، الواقع الجديد، أو ملامح الصورة، كما تكشفت، عندما ينزاح غبارها، وتبدو نتائجها واضحة أمام أصحابها، وأمام العالم.. لم يكن ما حدث فى أوروبا مسلسلا، أو بروفة حرب، بل كان استعداد لفرش مسرح جديد لحركة القوى العالمية فى المرحلة المقبلة، واختيار المسلسل القادم من أبطاله، وكيف سيكون؟.. بالقطع كانت أصعب أزمة عالمية تشهدها الكرة الأرضية ما بعد الحربين العالميتين (الأولى والثانية)، لأنها كانت البروفة الأخيرة للمسرح العالمى القادم، قبل أن يتشكل من جديد، ولكن العقلانية كانت واضحة، لأن الأطراف التى أشعلتها كانت قد درست مسرح العمليات بدقة وكاملا، ولم يكن أحد من الأطراف الداخلة فى هذا الصراع يسمح بالهزيمة لنفسه، أو التراجع، فالأمريكيون حافظوا على ما تحقق لهم ما بعد الحرب العالمية، وجزء كبير من انتصارهم فى الحرب الباردة، ووضع أسلحتهم فى جزء على الأراضى فى أوروبا الشرقية، ولكنهم كانوا واضحين: لن نحارب فى أوكرانيا، لكننا لن نسمح لروسيا بأن تأكلها، أو تقضمها، دون خسائر، وكان كل يوم يمر يحقق فيه الروس أهدافهم، حتى فى أوكرانيا، لأن الداخل كان يرفض الحرب، ولكنه كان يضغط على روسيا لكى تسمح لهم بجزء من السيادة، وقد تحقق لهم ذلك، وقد حققت أوكرانيا، كشعب، أهدافها، ولن تقل قيمتها فى النظام الجديد عن فنلندا، أو لاتفيا، وأستونيا، وهذا ما كانت تبحث عنه ولم تعلن عنه؛ أن تخرج من أنياب روسيا بالتهديد بالناتو، واستطاع بوتين أن يحرز الميدالية الذهبية، وليست الفضية، أو البرونزية، فى هذا الأولمبياد السياسى، كما استطاع أن يظهر أنه ليس قيصرا ، أو “هتلر” ، جديدا، وليس زعيما من زعماء الاتحاد السوفيتى القديم، بل هو رئيس لروسيا بمعايير عصرية، وجدير بها، فقد أمّن نفسه داخليا، وأمّن المحيط الروسى باقتدار، إن لم يكن قد رمم الجروح الناتجة عن سقوط الاتحاد السوفيتى، وصمدت روسيا أمام الأخطار، والأعاصير، وفرضت على أمريكا، والناتو، أن يفكروا أكثر من مرة، إذا دخلوا على الحزام الروسى، وأنها أصبحت جزءا من المستقبل وليس من الماضى، وذهب إليه الرئيس الفرنسى ماكرون، ورئيس الاتحاد الأوروبى الحالى، ومستشار ألمانيا الجديد (شولتز)، وتفاوض مع الأمريكيين أكثر من مرة، وكان ثابتا على أرض صلبة، بل هو من تلاعب بهم فى المفاوضات، وعلى الأرض العسكرية، كذلك، كان يبدو مهابا، رغم أنه كان خائفا على أصابعه من أن تحترق بسرعة فى هذا الصراع.

لقد دخل بوتين الحقبة الجديدة فى هذا القرن وهو مؤهل لقيادة الإتحاد الروسى فى السنوات المقبلة، وأصبحت أمامه أكثر من فرصة لإعادة تأهيل بلاده اقتصاديا، وسياسيا، كما يريد، كقوة أكبر فى عالمها، أما أمريكا، فمازالت على القمة، ولكن جزء كبير من رصيدها انسحب إلى الصين، وروسيا عاد لها جزء مما آل لأمريكا بعد الحرب الباردة، وقد انكشفت أمامها، بوضوح، أن مسألة العقوبات، التى تفرضها أمريكا، كسلاح جوهرى من حين إلى آخر، أصبحت مكشوفة، بل ضعيفة جدا، فتأثير العقوبات الأمريكية فى وجود الصين وروسيا القوية سيُجابه برد سريع، وحاسم.
كما أن  أوروبا أدركت أنها مازالت مصدرا للرياح، والمخاوف، وأنها تبحث عن الاسترضاء أكثر مما تبحث عن حلفاء، أو شركاء، وأنها، إلى حد كبير، لا تنكر أنها القارة القديمة التى أصابها كثير من الترهل، وتبدو أنها شاحبة، أو شاخت، وأن الفرص أمامها قليلة لإعادة تأهيل أنفسها، وأن تأثير غياب المملكة المتحدة على هذا الاتحاد الأوروبى كبير، ومدمر لمستقبل المملكة نفسها، التى أصبحت فى الترتيب العالمى غير موجودة على المسرح، لأنها تابعة للدور الأمريكى، وليست مكملة.
المهم أن العالم خرج من أزمة “بروفة الحرب” ولم يكن يلعب شطرنج، أو روليت، كما صوروا لنا اللعبة، ولكنها كانت لعبة حادة فى الإستراتيجية، والخطط، والحسابات الدقيقة، وكان الكل مدركا العواقب الوخيمة، ومستعدا لمسرح جديد عرفت فيه أمريكا حدود حركتها، واختبرت قوتها، وعرفت الصين، وأوروبا، مسارهما.. والعالم الثالث، والقوى الأخرى، تبحث عن نفسها بين اللاعبين الجدد، والمسرح المختلف.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى