مقالاتمقالات الأهرام اليومى

نحن وعالم ما بعد أوكرانيا..!

أسامة سرايا
بداية، لا أقصد غياب أوكرانيا عن خريطة العالم، فلا تملك القوة الروسية، وأعتقد لا ترغب فى هزيمة الشعب الأوكرانى، رغم سعيها لإخضاعه.. الحرب الأوكرانية ليست بروفة لحرب عالمية جديدة، وليست نهاية كوارث الحروب، وآلامها على الإنسان، فهى مقدمة لحروب كثيرة صغيرة قادمة.. قد تكون إحدى سمات المتغيرات بعد هذه الحرب، التى ستشمل العالم فيما بعد الحرب الراهنة، عودة الاستقطاب بين أمريكا، والغرب الأوروبى، وروسيا.
كان استقطاب الحرب الباردة بعد الحرب العالمية قاسيا، وصعبا، وانتهى بهزيمة الأيديولوجية البلشفية، التى قامت عليها الإمبراطورية الروسية، بعد انتصارها مع أمريكا والغرب، فيما بعد الحرب، على النازية الألمانية، وحلفائها.
مازالت روسيا الدولة الكبرى، والمدججة بالأسلحة النووية، باقية، ولم تُهزم، وفى بعض التقديرات يعتبرونها الدولة النووية الأولى، والتى تبلغ مساحتها ١٤ ألف كيلومتر مربع، أى أكبر من أوروبا مجتمعة.  روسيا، التى استهان بها الغرب الأمريكى، بعد هزيمتها فى الحرب الباردة، عادت قوية، ولملمت شتاتها بزعامة فلاديمير بوتين فى العقدين الماضيين، اللذين سعت خلالهما لكى يحتضنها الغرب الأمريكى بعد ذلك، ولكنهم تعاملوا معها بالدونية غير المبررة، غير مدركين مكانتها بالحسابات الدقيقة، بل بالحسابات الموروثة فيما بعد الحرب الباردة، القائلة بهزيمة روسيا، وليس بهزيمة الفلسفة، أو الأيديولوجية البلشفية، وكان من نتيجة هذه الحرب المدوية فى قلب أوروبا، والتى ستكون مؤثرة فى مسار التاريخ الإنسانى، والأوروبى، أنه سيكون لها ما بعدها على الجميع، وكان من السهل على الخبراء الأوروبيين، والأمريكيين، أن يفصلوا بين روسيا والاتحاد السوفيتى، والأولى دولة كبرى بكل المقاييس، والتاريخ، والحضارات، والإمكانات، هزمتها الفلسفة، والأيديولوجية، مثلما هزمت كل الجمهوريات المتشاركة معها، وكان من نتيجة هذا الخطأ الإستراتيجى أن عادت الذاكرة الأوروبية للحروب العالمية السابقة فى صورة المهاجرين، والنساء، والمدنيين، والمدن، التى تسقط عليها الصواريخ، والأطفال، وبكل قسوة هذه المرة، كانت هناك إشارات لم يلتقطها أحد، إلى أن حدثت الواقعة التى يجب أن يتلافاها العالم بسرعة، وحكمة، ولكن الأهم أن الحلف الأمريكى- الأوروبى، أو الناتو، الذى شجع الرئيس الأوكرانى الحالى (زيلنسكى) على هذه المغامرة، وليست المقامرة- تركه، وترك الشعب الأوكرانى، والدولة، لهذا المصير الصعب، والمؤلم، وذهب ليصلى، ويدعو له، ويحشد المجتمع الدولى حوله لعقوبات متكررة لا تُشفى، ولا تسمن ولا تُغنى من جوع، ولا تغير من المصير الذى كتبته الحرب على الشعب، والدولة، ولا توقف المصير المؤلم، الذى تندفع إليه دولة أوروبية فى القرن الحادى والعشرين.
كنا نعتقد أن انهيار الدول مقصور على مجتمعاتنا، ومنطقتنا، والشرق الأوسط، وإفريقيا، أو دول العالم الثالث، وإذا به، فجأة، يمتد إلى دولة أوروبية ملاصقة لروسيا، وبيلاروسيا، وإحدى دول الاتحاد السوفيتى السابق.
لم يكتشف الغرب الأمريكى أن روسيا تغيرت، ولم تعد تؤثر فيها الثورات الملونة، وألاعيب المخابرات الغربية، وحتى العقوبات عليها الآن لا تستطيع أن تكشف كيف تتعامل مع روسيا الدولة الكبرى البترولية، والنووية، ولا تنظر فقط إلى الناتج القومى، أو الموقف، أو حالتها الاقتصادية، عند التقييم النهائى للقوة التى تواجهها،
بل هى أمام قوة عالمية بكل المقاييس الدقيقة، وتملك نظرية للأمن القومى لبلادها، بل تملك رؤية، وتملك إرادة اتخاذ القرار، وتَحَمُل تبعاته فى زمن أوروبا المفككة، التى مازالت تعتمد على الدولة الكبرى (أمريكا)، التى قادتها فى الحرب العالمية إلى النصر على النازييين، والتى وجدناها، أى أمريكا، تخرج مسخنة من حروبها فى أفغانستان، والعراق، بعد ربع قرن من هزيمتها فى فيتنام، وتخرج من حروبها بشكل متسارع، وسريع.
وبتقييم نتائج حروب أمريكا، يُفترض على أوروبا أن تقوم بتصحيح أوضاعها، وعلاقاتها، وطرق تعاملاتها، حتى لا تكون فى موقف ضعف، مثلما تعيد أمريكا التكيف مع أوضاعها الجديدة، ولم تعد القوى القادرة على حسم الصراعات وحدها، وإن كان نظامها السياسى قادرا على تصحيح أوضاعه.

الدولة العظمى (أمريكا) تعيد، وتكيف، طاقتها، وقدراتها، وإمكاناتها، وهى الدولة الوحيدة الكبرى التى عندما تحسبون حركتها لا تنظرون إلى الرئيس الأمريكى وحده، فهى تملك نظاما سياسيا متكاملا قادرا على تصحيح أخطاء، وكوارث، الرؤساء، سواء كانوا ضعفاء أو أقوياء، بل إن النظام السياسى يصحح الكوارث الاجتماعية، والاقتصادية، التى تحدث هناك.
هذه الحرب ستكتب، كما شرحنا الأسبوع الماضى، فصلا جديدا فى حياة العالم، والمسألة الأوكرانية أعقد بكثير مما تظهر، ولذلك يجب ألا تكون لنا آراء مطلقة فى التقييم، والأهم أن الموضوعية أصبحت غير مؤثرة لتجعلنا نفهم ما حدث، فغير الموضوعى قد حدث، وعلينا أن نفهمه، وأن يكون فهمنا لما يهمنا سريعا، وحاسما، لأننا يجب أن نفهم، والعالم يعيش فى أكره صيغة، وهى الحرب، وتشجيع الانفصال، والتقسيم، كما يحدث من روسيا باعترافها بالانفصاليين فى إقليم دونباس، ولم تضمهما إلى روسيا، أو تعترف بدولة، بل اعترفت بدولتين، أو جمهوريتين (دونيتسك ولوجانيسك)، فهل تعرفون معنى ذلك التقييم والحرب فى أوروبا؟.. وماذا عنا فى الشرق الضعيف، والحكومات الهشة؟.. هو، ببساطة، حروب كثيرة، وانقسامات أكثر، المهم الآن أنه، رغم المصالح، فإننا يجب أن نتحلى بالإنسانية، وأن نرفض الحروب، والانقسامات، لنا ولغيرنا، لأن المبادئ ضرورية فى زمن الحروب، والبحث عن المصالح، ولعلنا نأخذ من حكمة الصينيين، بل حتى من مخاوف الإيرانيين، والأتراك.. والكل يبحث عن مصلحته، لكن أقدامه تتحسس المستقبل الذى يندفعون إليه، ولكنهم يدركون المخاوف، والتساؤلات، التى تنبعث من حالة الحرب الأوكرانية، والتى لن تتوقف بسهولة على أوروبا، فنحن هنا فى الشرق لنا الكثير من الارتباطات مع النظرية الروسية، ولا تنسوا الحروب الطويلة بين روسيا، والأتراك، والإيرانيين، والوجود الروسى فى قلب المنطقة العربية (سوريا)، وعلاقاتنا الممتدة معهم.
يجب أن نشجع الحلول السلمية، وإعادة الدول إلى حالتها الطبيعية، فحالة الحرب الساخنة والباردة على روسيا لم تعد حالة صالحة للتعايش مع هذه القوة الجديدة فى عالمنا، وفى المستقبل.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى