مقالاتمقالات الأهرام اليومى

الصحفيون و الصحافة.. وسيرتهما.. والأستاذ العزبى!

تلقيت بسعادة كبيرة كتاب أحد أساتذة مهنة الصحافة, الأستاذ محمد العزبى، (هل يدخل الصحفيون الجنة؟!)، والذى تربينا على تذوق عموده فى جريدة الجمهورية، وجمعتنا به كل منتديات، وجلسات الصحافة الجميلة. ظللت أحب العزبى شخصيا، كما أستمتع بكتابه، الذى كتبه بعد عمر طويل، عن الصحافة، فقد احتفل منذ شهر بعامه التسعينى- أطال الله عمره. كتابه الجديد لم يدفعنِى إليه العنوان المثير فقط، ولكن الغياب الطويل عن الكتابة، والتساؤل.. أين أنت أيها الكاتب الجميل، والرشيق؟ ولأن كتاباته بصمة لا تُمحى من العقل، كما أن أسلوبه ليس مقالات عادية، بل صورة مكتوبة بكاميرا دقيقة، أو لوحة منحوتة بريشة فنان لا تُخطئها العبقرية، فقد بحثت فى الكتاب عن الطريق إلى الجنة فلم أجده!!، ولأن الكاتب، الذى نحب أن نحاوره، طالب كل من يقرأ كتابه بأن يكتب هو بنفسه مقدمته، وامتثالا لهذا المطلب ها أنا أحاول! هذا كتاب تأريخ للصحافة، والصحفيين، لجيل كامل، بدءا من الأساتذة المؤسسين، وصولا حتى الأبناء الحاليين، وإذا كان فتحى غانم، صاحب زينب والعرش، والرجل الذى فقد ظله، أرّخ للصحافة فى عصره بالرواية، فإن محمد العزبى قدم، بالمقال والبورتريه، صورة تاريخية لهذه المهنة، وللصحفيين بدقة متناهية، ورشاقة، وجمال يفوق الوصف. وأنت تقرأ ما يكتبه عن القصص، والحكايات، والصحفيين، تخبط بيدك على عقلك، وتقول كيف لم أرَ ما يكتبه؟!، وقد مر علىّ ذلك فى حينه، وأنا معاصر لكل هؤلاء، ولمعظم القصص، وأبطالها، وحكاياتهم، وقصصهم المتتابعة التى تخلب حتى لُب كل العقول، إذا رصدتها، وبالمثال إذا أردت أن تعرف ماذا حدث يوم تأميم الصحافة، فى جلسة مجلس الوزراء، يوم ٢٤ مايو ١٩٦٠، فى حضور على ومصطفى أمين، وفكرى أباظة، وإحسان، و(أبوالنجا- خبير الإدارة الصحفية)، وهم يجلسون فى سرادق عزاء، لكنهم لا يعرفون، يومها، اسم الفقيد، وما الأسباب التى أدت إلى وفاته، كان الفقيد، بالقطع، هو حرية الصحافة، التى جرى تأميمها فى ذلك الاجتماع. ارجع إلى القصة، والكتاب، وإذا أردت أن تعرف شهرة القرية الدمياطية (كفر البطيخ)، والتى ألف حولها سعد الدين وهبة مسرحية قرية كفر البطيخ، التى عُرضت فورا بهالة إعلامية فائقة على مسارح الدولة، وكانت عقب تصريح ناصر، رحمه الله، مصر ليست نادى الجزيرة.. مصر هى كفر البطيخ.. وقصص أخرى مثيرة كنا نسمعها ولا نعرف أصولها، أو حواديتها، كما رصدت، وكتبت للأجيال الحالية، والقادمة – سوف تجدها عند هذا الكاتب الرشيق، وأضيف: وما هى قصة الرجلين (الذى فقد ظله) و(الذى فقد عقله)، وقد تبادلا الحوار الرشيق، ولم يغضبا، ولكن كل منهما قال رأيه، ومشى، ومضى إلى طريقه المرسوم، والحكم لك سيدى القارئ المحترم، ولكن الأغرب هو قصة برلنتى عبدالحميد مع أديبنا صاحب نوبل نجيب محفوظ، ومتى دفع جنيه غرامة بسبب تكسير سيارتها؟، ولماذا رفض أن يكتب مذكراتها، التى وصفت نفسها، عندما كتبها، بأنها مثل بنت ستالين؟ (تريد مليون دولار من مدير مكتب الحياة الدولية الدكتور عمرو عبدالسميع، وانتهت المفاوضات إلى ١٠ آلاف جنيه، ونشرت فى صحيفة الوسط قصص كثيرة، ليس منها الدخول إلى الجنة كما أوحى عنوان الكتاب، ولكن من القصص ما يشير إلى أن أصحابها لا يستحقون النار بالقطع، لأنهم كلهم كانوا ضحايا المهنة، والبحث عن لقمة العيش فى مهنة أحبوها، وتصوروها بحثا عن الحقيقة، وكتابة لتاريخ الحياة التى يعيشونها، وكذلك لم ينس العزبى أهم صحفى فى تاريخ المهنة (محمد حسنين هيكل) فوصفه.. كان للأستاذ عين تخترق القلوب، والعقول، وتكشف عن مكنون الإنسان، ورغم أن قصص هيكل كثيرة، وكُتبت فى حياته، وبعد رحيله، لكنك ستجد أن للعزبى فى كتاب دخول الصحفيين الجنة قصصا أخرى بديعة، وغير متداولة. كل أسماء مصر المتتابعة (سعاد حسنى، أحمد بهاء الدين، عبدالسلام النابلسى، جلال عامر، صلاح جاهين) رصدها، بل رصد ما كتبه هيكل عن بهاء الدين.. بهاء نريدك معنا، نريدك إنسانا، وصديقا، وجليسا.. الكتاب ليس عناوين، وموضوعات حلوة، لكنه تاريخ حى ينبض بالحيوية، يجعلك تعيش الحدث الذى انتهى كأنه كان بالأمس.. يرصد محمد العزبى حياة طه حسين عبر كلمات السفير حسين أمين، وحياته بلا بصر، متأثرا بما يعيشه العزبى (الأنا) بمعاناة مع البصر وصولا إلى غلاف اللباد طه حسين كان عنده نظر، بائع المرايا وسط العميان، كتب نزار قبانى ارم نظارتيك ما أنت أعمى، إنما نحن جوقه العميان، وفى السياق نفسه ما فعله الشيخ حسنى.. أردد قصيدته الشهيرة.. أعمى يقود بصيرا.. وصولا إلى ما كتبه الصحفى الفلسطينى ناصر الدين النشاشيبى عندما أصدر كتابه حضرات الزملاء المحترمين.. لم يكن عنده نظر حتى لو كان نظره ‫ستة على ستة، فقد كان كتابه الأخير- قبل رحيله، ٩٤ عاما – عن الصحفيين المصريين تصفية حسابات، أقول عنها كانت رخيصة كثيرا يا نشاشيبى، فقد أعطتك مصر أكثر مما تستحق، وأصبحت رئيسا لتحرير الجمهورية على صحفيين كبار، كنت تشعر نحوهم بالضعف، لم تستطع أن تكون كبيرا، فقررت أن تجعلهم جميعا صغارا، فاستحققت كلمات العزبى الدقيقة.. (كنت أعمى، رغم أن نظرك فى عينيك، ولكن سيطر عليك الجزء المعتم فى العقل، فكنت أعمى وأنت البصير). أجمل ما قاله الأستاذ العزبى، وأنصف به الصحفيين، سنخرج من دنيا الصحافة عرايا مثلما دخلناها أول مرة، نقول الحق والرزق على الله، تصبح دعوة الإعلامى مستجابة – بإذن الله – إلا إذا ربما تجد فى هذه الكلمات إجابة عن سؤال عنوان الكتاب (هل يدخل الصحفيون الجنة؟، أكيد سوف ندخلها جميعا عندما تكون كتاباتنا، وقدوتنا، وأخلاقنا مثلما كان الأستاذ العزبى يمارس الصحافة على أنها الحياة، ويضع القارئ، وتاريخه المهنى نصب عينيه طوال حياته.. متعك الله بالصحة، ومنحك الرؤية الكاملة، وتظل تمتعنا بكتابات وكلمات ليست مثل الكتابات والكلمات، ولكنها حية، وجميلة، تنبض، وتستمر معنا، وتجعل الحياة أحلى، وأجمل.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى