مقالاتمقالات الأهرام العربى

وردة إلى هدايت عبد النبى وأسامة النشار

حملت الأنباء رحيل وردة صحفية من الجيل الذهبى، هدايت عبد النبى، السفيرة التى يسبق اسمها أو لقبها أو عملها، لأنها كانت كذلك منذ تخرجت فى الجامعة الأمريكية بالقاهرة، والتحقت بمكتب الأستاذ هيكل، ثم ذهبت مختارة إلى صالة التحرير، ثم مثلت الأهرام فى رئاسة الجمهورية أو وزارة الخارجية، والتقت زعماء العالم وكبار دبلوماسييه، وكان لها باع طويل فى المؤتمرات والمنتديات الدبلوماسية والعالمية، وكرمتها الخارجية المصرية والأمم المتحدة فى نيويورك وجنيف معا. مازلت أتذكر حواراتى معها فى صالة التحرير، وحول بحيرة جنيف، كما أتذكر زميلنا المشترك أسامة صادق النشار، ابن القسم الخارجى الذى ترك الأهرام إلى أمريكا، وهاجر وكون اسما عظيما فى كل الدوائر الأمريكية، ولم ينس مصر ولا الأهرام، وكان يخصنى بالأفكار المبتكرة، والأخبار التى تسبق عصرها.

رحل النشار مبكرا بالسرطان منذ عامين، ويعيش فى ذاكرتى، واليوم رحلت نوارة الأهرام هدايت عبد النبى، وهى تقترب من عامها الخامس والسبعين، وكانت قد دخلت الأهرام فى ريعان شبابها، ورفضت الزواج، لأنها تزوجت الأهرام والصحافة الدبلوماسية، وتربعت على قمة صحفييها، كان يحسدها كل أبناء جيلها وكل المتابعين لها، فهى كانت قادرة على التقاط الخيط السياسى الصعب، وصياغة قصتها الصحفية بالعقليتين المصرية والغربية معا.

وصلت قصتها إلى ذروة رفيعة بالأفكار المبتكرة والاكتشافات التى تسبق بها الآخرين من معاصريها الذين يعملون فى مخازن التفكير السياسى والإستراتيجى والدبلوماسى، والأهم فى هدايت عبد النبى هو سؤالها المبتكر. كل من يتابع المؤتمرات العالمية التى عقدت فى مصر وجنيف فى العالم، كان يحسدها على دقة السؤال، الذى كان يترجم فهمها لمهنة الصحافة.

هدايت عبد النبى، دبلوماسية صحفية بالمعايير العالمية، كانت تستطيع بسؤالها استخراج أهم المعلومات والأخبار من مصادرها، رأيتها بأم عينى عندما تنتهى المؤتمرات الصحفية، كان كبار وزراء الخارجية الأمريكيين والأوروبيين يسألون عن الصحفية المصرية التى وصلت إلى قمة المعرفة ودقة السؤال الذى يلزم المصدر مهما كان رفيعا، ويريد إخفاء المعلومة أو الخبر إلى البوح به وإعلانه، حتى لا يتعرض للإحراج أمام الرأى العام.

هكذا كان الصحفيون المصريون، وهم يقودون عالمهم العربى وينتشرون فى كل العالم، يعبرون عن ثقافتنا وقدرتنا وسيادتنا الإعلامية، لم تكتف هدايت عبد النبى، الزهرة الراحلة، بالتفوق المهنى، فاتجهت إلى إنشاء المؤسسات أو البنية التحتية التى تحمى المهنة، فكانت لها مؤسسة فى جنيف لحماية الصحفيين فى زمن المخاطر، وكافحت بنفسها، لم تكن وراءها دولة أو مؤسسة لتحميها وتساعدها، هى من الأبطال فعلا.

قبل رحيلها تواصلت معها، وذكرتنى بأننى الصحفى الذى أعادها للأهرام، وشجعها لتمثيلها والكتابة من جديد. ذكرتنى هدايت الراحلة بأسامة النشار، وكيف أنهما كونا نموذجا للإعلامى المتخرج فى مؤسسة عريقة اسمها الأهرام، اعتمدا فى أخبارهما على العالم، وتحليل ما يحدث فيه من تطورات متلاحقة، عندما يلتحق المصرى الكفء المقتدر فى المؤسسات العالمية الأمم المتحدة وغيرها، باقتدار وهيبة وعلم.

رحم الله الكبار وهم يرحلون، لهم منا كل تقدير واحترام، كانت لنا أيام فى العمل بتفوق واقتدار، اكتسبت فيه صحفنا مكانة عالمية فى عالمنا، كنا فيها فى مركز الصدارة والسيادة والريادة الإعلامية فى العالم بحق، وفى إقليمنا بالكفاءة والاقتدار المهنى الرفيع، كانت هدايت عبد النبى نموذجا لا يسعدها فى حياتها إلا الخبر والسبق الصحفى الذى يعترف به الجميع، والتحقيق والحوار المعمق، والعمل المتواصل الذى يلبى طموح الصحفى، ويشبع القارئ النهم الذى يريد أن يعرف ولا يتوقف ويبحث باستمرار عن الصحفى أو الصحيفة التى يلبى احتياجاته ونهمه للمعرفة والتحليل، ليكون الرأى الصحيح، ويقف على أرض صلبة.

الراحلة هدايت عبد النبى، لها حقوق فى عقولنا، علينا الاعتراف بتفوقها، وأن أداءها وأخلاقها وسلوكها المهنى وتفوقها محفور فى جبين الصحيفة التى عشقتها: الأهرام.

تحية وباقة ورد كبيرة لذكرى صحفيين، رحلا وأعطيا ولم يبخلا على قرائهما أو صحيفتهما، وأعترف من قلبى بأننى أحبهما وأعشق أداءهما المهنى، طالما غذتنا هدايت بالمعلومات والأفكار التى كنا نقدمها لقارئ الأهرام كل صباح فى الصحيفة، وطالما قدم لنا أسامة النشار كل المعلومات، ولم يبخل على الأهرام أو بلده بما يحدث حوله من تطورات حتى لو عرض نفسه للخطر أو المخاطر، وها أنا أعترف وأقدر احترامهما وتقديرهما إلى آخر العمر، تحية إلى روح هدايت عبد النبى، وإلى أخى أسامة صادق النشار، تخرجا معا فى الجامعة الأمريكية، وانطلقا من الأهرام إلى العالم فى أوروبا وأمريكا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى