مقالاتمقالات الأهرام اليومى

الحروب وعالم ما بعد الإنسانية.. وحكمة الصينيين!

ما يحدث الآن فى أوروبا هو من بقايا الحرب العالمية الثانية، فالروس دخلوا هذه الحرب بجسارة، وشجاعة متناهية، وإذا عدنا إلى وقائع، وخسائر هذه الحرب الفظيعة, فسنجد أن الجنس البشرى كان فى حالة همجية تخلص فيها من إنسانيته تماما، وكان أسهل شىء هو القتل، والتدمير للإنسان والمدن معا، وللروس أن يفتخروا، أكثر من أى شعب آخر، إنهم أكثر شعوب الأرض مقاتلة للنازيين، وأنهم دفعوا أكبر الأثمان فى هذه الحرب الثقيلة أكثر من الأمريكيين، أو أبناء أوروبا الغربية كلهم معا، ثم دفعوا الثمن الثانى الثقيل جدا من حياتهم بعد هذه الحرب اللعينة بأنهم وقعوا تحت تأثير أكثر العهود ديكتاتورية، ودموية (الشيوعيين فى الاتحاد السوفيتى) الذين دفّعوا الشعب الروسى ثمنا ثقيلا لاختيارات أوهام كبار المفكرين الأوروبيين، أو الفلاسفة القادمين من ألمانيا، الذين سقطوا على الفلاح الروسى فشكلوا عقله وحكومته بعد الحرب القاسية، واستطاعوا إقامة شعائرهم الثقافية، ونظرياتهم غير المألوفة، أو الضعيفة، وطُبقت هناك بقسوة وحِدة لا مثيل لهما، والذى دفع الثمن كان هو الشعب الروسى، وهو شعب عظيم قاتلَ، وتحملَ التجارب الصعبة، وهو صاحب حضارات أوروبية، وآسيوية معا، وكان على العالم، شرقا وغربا، احتضانه بعد سقوط جدار برلين، وسقوط النظرية الحاكمة له، وانهيار الاتحاد السوفيتى، وليس مواصلة محاكمة الشعب على جرائم وأخطاء لم يرتكبها، وكان وراءها هذا الاتحاد. هذا الشعب هو الذى سوف يدفع ‫ثمن هذه الحرب الجديدة الدائرة الآن فى أوكرانيا، وغير المبررة للشعبين، إلا طبعا فى عقول أصحاب نظريات الهيمنة، والسيطرة، والزعامة ، والجدارة للعالم، وقيادته بالسيطرة عليه، وأن يكونوا هم القوة الكبرى الحاكمة، ولعل جحافل الأوكرانيين اللاجئين والمدن المهدمة لم تضف لنا نحن أبناء المنطقة العربية الكثير عن الحروب، فنحن نعرفها، ومازلنا نعيشها بقسوة، خاصة فى العقدين الأخيرين، فنحن مازلنا نشعر، ونعيش فى ظلها، لم ننتهِ بعد من مسلسل الانهيارات، فنحن بلاد اللاجئين الذين تقتلهم الحروب منذ تلك الحرب اللعينة (العالمية الثانية) وحتى الآن، حيث اقتنصوا منا فلسطين بعدها، وشردوا شعبها فى أرجاء الأرض، وفى المنطقة العربية ككل، بلا وطن، وبلا أمل، ومازال مشردا فى أنحاء العالم، وفى منطقتنا، بلا هوية ، وفى المخيمات هناك ملايين الفلسطينيين المهجرين، والمشردين، الذين يعيشون فى أرضهم، تحت الاحتلال الذى يعاملهم معاملة من الدرجة الثانية، أو الثالثة، أو أقل منهما، تحت الأبارتيد الذى انتهى من كل العالم ومازال فى فلسطين، وعلى شعبها، وعلى أرضها، ومازالت فى فلسطين مدن حتى المقدسة لدى المسلمين، والمسيحيين، واليهود يعاملهم فيها الاحتلال معاملة قاسية، والمسجد الأقصى، مثله مثل مواطنيه، بلا حقوق، وتحت سلطات الاحتلال التى لا تحترم الشعب، ولا المقدسات.. وما كدنا نسعى للسلام، والتعايش مع محتل الأرض، حتى نحمى الإقليم، ونعيد الفلسطينيين إلى أرضهم، أو جزء منها، بحثا عن الاستقرار، الذى يهدد الإقليم الآن ككل – حتى وجدنا ملايين السوريين المهاجرين حولنا فى كل مدننا، ومدنهم تهدمت، وقُسمت سوريا إلى مراكز نفوذ لكل الدول النافذة إقليميا، وعالميا، وشعبها المسكين مطرود من أرضه.. وهكذا، وقد كانت قبلها حرب أهلية فى السودان، وتقسيم للبلد، وسنوات تحت الحصار، ومشردون فى كل المدن العربية، وسيطرة الجماعات المتشددة، التى تنتعش فى الأزمات، وتستغل حاجة الناس للاستقرار والحياة، فتقوم بالتهويمات التى تُسلط على الجميع، وتتيح لهم النفوذ والحكم، فهم مثل الخفافيش، يعيشون، ويتعايشون على الأزمات، ومع كل ذلك كانت هناك حروب الخليج مع العراق وإيران، والعراق مع الكويت، واحتلال العراق أمريكيا، وقتل ملايين البشر هناك، وتشريد الباقين، ثم ترك البلد نهبا للتصارع السياسى، والنفوذ الإقليمى المُقيت على حكمه، بحجة الديمقراطية الأمريكية، أو ديمقراطية المحتل صاحب النفوذ، والمهيمن على المنطقة، وعلى العالم، ثم كانت منطقتنا نهبا لحروب أخرى، وتدخلات إقليمية متتابعة من كل جيراننا، وكأنهم تنافسوا على حكم المنطقة، فالإيرانيون ينافسون الإسرائيليين، ولهم نفوذ فى الشام، والعراق، واليمن، والأتراك يتدخلون فى كل المسافات البينية الأخرى، أو المتساقطة، ونرى وجودهم فى ليبيا، وسوريا.. وهكذا كانت منطقتنا، وحال شعوبنا عشية الحرب، عندما اندلعت حرب روسيا ضد أوكرانيا، والتى دخلت أمريكا وحلف الأطلنطى طرفين فيها بالعقوبات، والمساندة لأوكرانيا. إن كل أدوات القتل والتدمير خرجت من مخازنها، وكأننا نلعب فى أوليمبياد الحرب، فالمتفرجون، أو المشاهدون على الشاشات أكثر من المتحاربين، يكادون يصلون إلى مرحلة إدمان هذه الآلة (آلة القتل، والتدمير)، التى تتحول تدريجيا إلى عادة، يسعى إليها الجنس البشرى، وقد تعلمنا أن الحياة والموت صنوان، وأنهما غريزتان فى الإنسان، وكان العالم الغربى، والروس، شرقا وغربا، يتهمون المسلمين المتشددين بأنهم يقتلون أنفسهم، وها هى الدائرة تستدير وهم الذين يتقاتلون وينتحرون معا، وتساءلت: هل نحن فى الشرق نملك لهم شيئا، رغم أننا فى الظروف نفسها؟.. فوجدت أن القوة الوحيدة التى تملك حكمة حل هذه الحرب الحساسة، والدقيقة، والصعبة معا، هى الصين، فهى لم تكن شريكا فى الحرب الساخنة، والباردة إلى حد الانغماس، وهى على المستوى الأيديولوجى تقدر مبدأ سيادة الدولة، وهى لطالما عارضت التدخل الخارجى، ومن يتوهم أنه يستطيع ترويض التنين الصينى لايزال يعيش أوهام القرون الماضية، ولنا وقفة أخرى مع حكمة الفلسفة الكونفوشيوسية، فهى القادرة على مساعدتنا فى عودة الإنسانية لعالمنا، فهى فلسفة أخلاقية واجتماعية تهدف إلى رسم السلوك الأمثل للإنسان. يبدو أن الصينيين أمامهم فرصة تاريخية يجب عليهم انتهازها حتى يرسموا لأنفسهم مسارا جديدا فى عالمنا ضد الحروب، ومع الإنسان، وضد التدخل فى الشئون الداخلية للدول، ووقف الحرب فرصتهم، لكى يقدموا أنفسهم للعالم من جديد.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى