مقالاتمقالات الأهرام اليومى

‏الذاكرة التاريخية والقرار فى مسلسل “الاختيار”..!

أسامة سرايا
التاريخ له آذان، وليس له عيون، لكن ثلاثية “الاختيار”، فى جزءها الراهن، كسرت القاعدة وجمعت بينهما، وإذا كنا من الذين عاشوا هذه الأيام العصيبة فى تاريخنا، وكتبنا عنها، وسجلها كل منا بما عرف، فإن حظنا أننا عدنا نشاهد الوقائع بأحداثها من جديد، عبر دراما تليفزيونية لها بريق خاطف، يُدوِّى ما بين العقل والوجدان.
وبالرغم من الحرفية، والمهنية المتفوقة، فى هذا العمل الرمضانى الرائع، اللتين أشهد بهما للمؤلف، والمخرج، والفنانين المبدعين، الذين جسدوا هذا العمل الفنى الخلَّاق، الذى جمع بين الجمال، والتوثيق التاريخى للأحداث- فقد استطاعوا أن يهزونا من الداخل، وكأن الأيام عادت حية- لا أعادها الله على بلادنا أبدا من جديد- مما جعلنى مطمئنا إلى أن الأجيال الحالية، بل المتعاقبة (القادمة) من المصريين، أصبحوا قادرين على تحصين الوعى، بل تنقية الذهنية، بالمعرفة الصادقة، وتجميع القدرات، والطاقات، وحشدها وراء الوطن فى أى مواجهة مع أى عدو، أو متآمر خسيس، وجبان.
ما قدمه هذا المسلسل الدرامى وضعنا أمام الحقائق، ولم يترك الروايات منقولة لنا بالسماع، والتواتر، بل نقلها بشخوصها الحية، وجمع ما بين التسجيلات الموثوقة، والسجال الدرامى للأحداث معا، والأهم أنه فى كل هذه الأحداث كان يقول للمصريين، والعرب، والعالم، إن بلادنا تملك مؤسسات أمنية حديثة تصل للحقائق، وقادرة على مواجهة الخارجين على القانون، أو المتآمرين فى الداخل، أو الخارج، أى أن لنا عقلا، ومؤسسات للمعرفة، والمواجهة، وأنها تتحرك فى النور، ولا تعيش فى الظلام،
هذه المؤسسات جزء لا يتجزأ من الأمن، بل من القوات المسلحة، تضع أمامهما الصورة، والبيان، حتى يكون تحركهما صوب الهدف، ولتحقيق الانتصار، ورفع هامة الوطن.
لسنوات طويلة حلمت بأن الفن، والإبداع المصرى، وطبعا فى مقدمته الدراما التليفزيونية، يجب أن يكون محميا فى إطار مؤسسى، حتى تكون حركته، وإنتاجه مستمرا، ومتدفقا، وبتخطيط علمى، واقتصادى معا، وبمنحنى بيانى صاعد، وهذا ما تحقق فى السنوات الثلاث الماضية، فقد أصبحت للدراما ذراعا مؤسسية جعلتها تعود للسيادة، والريادة، ليس فى مصر وحدها، ولكن فى محيطها العربى كله، محاطة بالروح الوطنية الخلَّاقة، التى تصنع الوعى، وتدفع للأمام، وتبنى الشخصيات المتكاملة، وهذا ما تحقق لمصر.
دعونا نتطلع لأن يتحقق ذلك فى عالم السينما، ونعود لمسلسل “الاختيار”، الذى كانت سمته الرئيسية “القرار”، وهو ما أعادنى، كذلك، إلى الذاكرة التاريخية لهذا المعنى، ولعلنا نعيش الآن فى ظلالها (ذكرى العاشر من رمضان ١٣٩٣ ه- 6 أكتوبر ١٩٧٣ )، خمسون عاما هجريا بالتمام والكمال (نصف قرن) مرت على قرار دوَّى فى مصر، وفى العالم أجمع، اتخذه الرئيس السادات، والجيش المصرى، بعبور قناة السويس لتخليص مصر من هزيمة (غير مستحقة) ظلمتها وجيشها لمدة ٦ سنوات حتى عبرنا، ولقنا العالم درسا أن المصريين لا يستكينون، ولا ينامون على حقوقهم، هذا القرار المدوِّى فى تاريخنا هو الأهم، ولا يقل عنه قرار آخر اتخذه الشعب، والجيش معا فى يوليو ٢٠١٣ ، بقيادة الرئيس عبدالفتاح السيسى، فى القرار الأول أنقذنا الأرض المحتلة، وعادت سيناء، والقناة، أما فى القرار الثانى فقد أنقذنا الوطن، ومؤسساته من الضياع، والعودة للقرون الوسطى تحت حكم “مافياوى” فاسد (جماعة سرية) أيديها، وعقولها لا تعرف إلا الدماء، والقتل، والسحل، حيث تحصنت وسرقت الشعارات الدينية، وجمعت الإرهابيين تحت جناحها، وبأسلوبها تصورت أن مصر، ومؤسساتها ماتت، وارتعدت خوفا من إرهابهم، وسطوتهم، واستغلوا الفوضى، وغياب الاستقرار، وعدم وجود نظام سياسى يسمح بانتخابات حقيقية، وسطوا على الحكم بحجة أنهم حصلوا على الأصوات، لهذا فإن القرار الثانى لا يقل قوة، واقتدارا عن القرار الأول،
فالأول واجه عدوا خارجيا، والثانى واجه العدو الداخلى، الذى خفنا لسنوات طويلة من مواجهته مواجهة جذرية، وتركناه يتعايش كجزء فى المجتمع، حتى كانت التقديرات التى سمحت لهم بالحكم، والوصول إلى مقعد الرئيس، والسيطرة على البرلمان، ولم يكتفوا بذلك، فقرروا إقامة مؤسسات، وميليشيات، بل قضاء موازيا، وتفريغ المؤسسات القديمة، والدولة المصرية من مضمونها، وهويتها، بل مستقبلها، حتى وصلنا إلى ذروة المواجهة.
ولعلى أرى أن القرارين (الأول والثانى) سيتحولان فى تاريخنا  الراهن، والمستقبلى، إلى حجر الزاوية، بل نقطتها للانطلاق، والعمود الفقرى لمصر الذى نستطيع أن نبنى عليه “الجمهورية الجديدة” لكل أبناء الوطن، والتى تستند إلى المواطنة، واحترام القانون، والمؤسسات.
وإذا عدنا إلى المسلسل الظاهرة، الذى طبع ليالى رمضان فى القاهرة، حتى إن مواعيدنا أصبحت محدودة حول الحلقة، وفتحت ندوات، وتفكيرا، ونقاشات طويلة، حول ما ساد فى مصر عقب حقبة ما بعد ٢٠١١ ، وكيف اجتاز بلدنا هذه الحقبة بالحفاظ على الوطن، ومؤسساته، وعدم الاقتتال الأهلى، الذى ساد فى بلاد عربية عديدة، أبرزها ليبيا، وسوريا، واليمن، أو أصبحت ساحات للفوضى، والاضطرابات السياسية، كالعراق، ولبنان، وتونس-
فإن ذلك يرجع إلى قدرة الشعب، والجيش على اتخاذ القرار، ووضوح الرؤية للمصريين: ماذا يريدون بالضبط من الحكم؟.. ورؤاهم لمستقبل الوطن، ونعتقد أن استخدام الدراما فى تحصين الوعى لدى جميع طبقات المجتمع، وكشف الحقائق أمامهم، سيصبح ظاهرة مصرية جديرة بالاحترام، وإشارة إلى الإبداع الفنى لهذه الحقبة، التى نعيشها الآن، فقد استطاع المسلسل ممارسة الدور الذى سبق أن قام به المؤلف المبدع وحيد حامد، عندما قدم مسلسل “الجماعة”، وتعريته أفكار الإرهاب، وأساليب الجماعات الدينية المتطرفة، وتأثيرها على البسطاء من العامة، ومنذ ذلك التاريخ أصبحت الدراما سلاحا معرفيا متميزا، وتملك مع السينما رؤية ثاقبة فضحت مخططات هذه الجماعات أمام جماهيرها أنفسها، والمنضوين تحتها، وكشفت تكالبها على السلطة، وطبيعة فكرها المتسلط على المجتمع، وعلى وجه التحديد، فإننا عشنا مع هذا المسلسل الدرامى محاكاة وثائقية استثنائية غير مسبوقة فى تاريخ الفن، سواء فى التليفزيون، أو السينما.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى