مقالاتمقالات الأهرام اليومى

‏قطار مصر السريع..!

أسامة سرايا
خطوة عملاقة لمصر، واقتصادها، فى حاضرها، ونحو مستقبلها؛ دُشنت، كحدث عادى، فى آخر الشهر الماضى ( ٢٨مايو )، وهى فى مضمونها، ومحتواها، ليست كذلك، وإن لم تكن ثورة فى حد ذاتها، فهى تطور مدوٍ للمصريين فى حياتهم، ومستقبلهم، بل أكبر، وإن لم تكن موازية لقناة السويس الحالية (أهم ممر بحرى فى عالمنا الراهن)، فهى قناة أخرى جديدة، بل أسرع، وبسرعة الطلقة، أو الصاروخ (القطار الكهربائى السريع)، أو (قطار مصر السريع)، الذى ينقل ٣٠ مليون راكب كل عام، و ٨ ملايين طن بضائع، ترتفع خلال عِقد من الزمن إلى ٢٢ مليون طن، ومع شركة “سيمنز” الألمانية، أو العالمية، والتى سَمعت من خيال المصريين الأقرب إلى الحقيقة، أو تفسيرهم، كما يتصورون، أن “سيمنز” تهتم بمصر، لأن أحد ملاكها، أو مساهميها الكبار، مصرى قديم، لم يُعلن عن اسمه، أو مساهماته، وله رغبة، قبل أن يرحل، فى أن يرى مصر دولة كبرى عالمية فى كل المجالات، ولذلك يتعاون مع مصر لإنتاج الكهرباء، والطاقة، ثم وصل أخيرا إلى محطة “القطار السريع”، ويدفع شركته لتصنع المستحيل لمصر، وشعبها فى أقرب وقت، وأسرعه، ولذلك فهى تنفذ أهم مشروع فى تاريخها العريض ( ١٧٥ عاما) فى مصر (قطار مصر السريع)..
الخيال يحاول أن يجنح، أو يفسر قصة نجاح أسطورى، أو يحكيها، أو يبحث عن مبرراتها، فيصنع الأسطورة؛ أن مصر تملك قيادة، أو إرادة، حديدية، لا مثيل لها، لنقلها إلى مكانة كبرى فى عالمها الراهن، وأنها لا تتثاءب على الإطلاق، ولا تتردد فى اتخاذ القرارات الصعبة، والدقيقة، والحاسمة، ولكنها تغير الحقائق على الأرض، وتصنع متغيرات جديدة سيكون لها تأثيراتها الكبرى المستقبلية فى كل مساراتنا خلال السنوات المقبلة.
القطار السريع ألهمَ خيال المستشار الألمانى (شولتز) برواية “الحبل السرى” لـ”توماس مان”، الذى صاحب شابا فى العشرينيات على متن قطار، قصة من قصص “نوبل” ذكرتنا بالأدب المصرى العظيم، بل ذكرتنا بنجيب محفوظ، الذى اكتشفته الفعاليات المصرية بمختلف أعمارها، وثقافتها، بعد أن حصل على “نوبل”، وكان يعيش بيننا وبين ظهرانينا ونحن لا نعرف أن بيننا أديبا يلهب، ويُلهم خيال العالم، وعالمى النزعة، والثقافة، والموهبة، والخيال المُدوىِّ، مثله فى ذلك مثل الإدارة المصرية الراهنة، التى تصوب هدفها نحو العالمية، ونحو تطوير مكانة مصر، ودور المصريين فى عالمهم، وسوف تصيبها، بإذن الله، لأن المولى عز وجل مع كل المجتهدين دوما، ولا يُخَيِّب رجاءهم، وعلينا نحن أن نهتم بما يحدث حولنا، بل نشاركهم الفرحة، والاستعداد للتحول.
“قطار مصر السريع” ليس مثل “قطار الشرق السريع”، الذى ألهم خيال “أجاثا كريستى” برواية “جريمة فى قطار الشرق السريع”، الذى ازدحم بركابه من كل الجنسيات، وينطلق من وسط أوروبا، ويربط لندن بإسطنبول عبر باريس، وأصبح رمزا لحقبة تاريخية فى أوروبا، كما أصبح “ترنيمة” للثقافة، ورمزا للحضارة، حتى إنه استطاع أن يستدرك الكاتب “ويزنتال” فى كتابه “أورينت إكسبريس.. قطار أوروبا إلى عوالم الأمس”، من خلال السيرة الإنسانية، والمادية، لقطار، بل تاريخ، وقائع حضارة بأكملها.
قطارنا السريع للمستقبل، وليس للماضى.. للحاضر، وما يصاحبه من متغيرات، رغم أن ماضينا فى عالم القطارات زاخر، ولأن سكك حديد مصر هى الأقدم فى العالم، فقد كانت ثانى سكك حديد فى العالم بعد إنجلترا، والأولى على مستوى الشرق الأوسط، وإفريقيا، وكانت القطارات وسيلة المواصلات العامة الأولى فى عاصمة مصر خلال الربع الأول من القرن العشرين، ولم نحافظ عليها، مثلما فعلت الهند، بل تخلينا عنها، وأُهملت بالتدريج، حتى أصبحت عبئا على المواصلات العامة فى مصر.
عُدنا بهذا المشروع العملاق، الذى يعتبر حلقة تنضم إلى سلسلة المشروعات القومية المستدامة التى تدشنها مصر؛ لتعويض سنوات من تخلف التخطيط، والتنمية، فى ظل النمو السكانى المتسارع.
القطار السريع المصرى يقطع مسافة ٢٠٠٠ كيلومتر على مستوى الجمهورية، ويربط ٦٠ مدينة بقطارات سرعتها حتى ٢٣٠ كم/ ساعة، وهو يجعلنا فى مصاف الدول الرائدة فى تكنولوجيا السكك الحديدية بالشرق الأوسط، وإفريقيا، ويُغير من قدرة مصر على النقل تماما للمواطنين، والبضائع، فمن يرد لإنتاجه الصناعى، أو الزراعى، أن يتطور، وينمو بمعدلات عالمية، عليه أن يفعل بمنظومة النقل كما تفعل مصر الآن، فهى لا تكتفى بشبكة طرق عالمية، أو موانئ بحرية، بل تمتد إلى السكك الحديدية بمنظومة فعالة، ومتكاملة.
سوف تذكرون ما أقوله لكم من أن شبكة الطرق المصرية، والسكك الحديدية، والموانئ البحرية، والنهرية، ستكون الطريق الفعال لنقل مصر إلى مصاف الدول المتقدمة الكبيرة فى عالمها، بل ستحل أزمة سد النهضة، ونقص المياه فى مصر كاملة، وستجعل إفريقيا تجرى كلها خلف مصر، كما كانت فى الستينيات، لأن الإنتاج الإفريقى، والشرق أوسطى، لا يتطور، ولا ينمو، بسبب تباطؤ، وتخلف وسائل النقل عن الأسواق العالمية الغنية، وبمجرد وجود آلية نقل حديثة فى كل الاتجاهات؛ سيكون لها تأثيرها الجوهرى على الإنتاج، ونقله إلى الأسواق العالمية، ورفع مستوى المواطنين المصريين، والعرب، والأفارقة، ورفع مكانة مصر الاقتصادية، ومنظومة القطارات المصرية الحديثة، والموانئ المصرية على البحر الأحمر، وعلى نهر النيل، وقناة السويس الحديثة، وهى كلها مفاتيح لنقل مصر إلى مكانة إنتاجية مميزة عالميا، ومعها الشرق الأوسط، وإفريقيا.
قطار مصر السريع لا يربط بين قارتين فقط، بل يربط بين عالمين، فلم تعد مصر بوابة الشرق وحده، بل إحدى بوابات العالم لعصر جديد.. القطار السريع يفتح ممرات التنمية، والتطور للمصريين، وسوف تنتظره مراكز صناعية، وزراعية، وسياحية تلتف حوله..
قطار مصر السريع يجعل ميناءى الإسكندرية والعلمين الأقرب إلى أوروبا من كل موانئ المنطقة، ويقلل من تكلفة النقل عبر قناة السويس بنسبة لا تقل عن الثلث لكل موانئ شركائنا فى الإقليم على البحر المتوسط.
قطار مصر السريع شبكة إنقاذ للمنطقة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى