مقالاتمقالات الأهرام العربى

طلة ميركل – شجاعة ماكرون وحكمة كيسنجر

توقف العالم أمام ظهور كيسنجر، في حوار في «دافوس»، وظهر السياسى الثعلب، راغباً في وقف الحرب، كيسنجر مهندس علاقات أمريكا والصين، كان ظهوره مهيبا، وطرح أفكاراً جديدة، لكنها لم تكن مؤثرة على المسرح الأمريكى، وعلى الحزبين الجمهورى والديمقراطى، ولم يلتفت له أحد في الكونجرس، أو لدى إدارة بايدن، ولا تزال الاتجاهات في العاصمة واشنطن، لم تظهر بعد حكمتها، بل لا تزال مندفعة في مساعدة توجهات زيلينسكي بلا روية أو متابعة، كأنها سعيدة بالمعارك هناك.

حانت لحظة وقف الحرب، التي ضربت الاقتصاد العالمي ككل، بعواصمه الغنية وكذلك الفقيرة، وجعلت كل عاصمة في العالم تشعر بفداحة وتأثير الحرب، خصوصا أن البلاد التي تحارب تأثيرها في الاقتصاد العالمي كبير، في أهم سلعتين (الطاقة والغذاء)، بالإضافة إلى تأثر سلاسل الإمداد وعدم تدفقها للأسواق، فقد اشتعلت الحرب في لحظة لم يكن أحد مستعدًا لها على الإطلاق، فلم يحدث تأمين احتياجات أو وجود مخزون عالمى من الغذاء والطاقة تحديدًا، خصوصًا أن أزمة إيران، لم تحل بعد، وما زال هذا البلد النفطي خارج نطاق الخدمة والإنتاج المناسب لقدرته على حفظ توازن الأسواق في الغاز والنفط بخاصة.

كانت طلة السياسية الألمانية أنجيلا ميركل، المستشارة العتيدة لألمانيا، بعد خروجها من السلطة، وإشارة بليغة، برغم أنها كانت إلى حد ما خجولا، أو متأثرة لعلاقاتها الوثيقة بموسكو وبوتين، لم تستطع أن تعطي إضافة للحرب، أو تشير إلى مستقبل ما يحدث في أوروبا، اكتفت ميركل بالدفاع عن سياستها بحذر، وعلاقتها مع الرئيس بوتين.

وقالت السياسية المخضرمة، ابنة أوروبا الشرقية، والتي تربت في أحضان الاتحاد السوفيتي، وظهرت بعد 6 أشهر من اختفائها، إنها لا تستطيع أن تعتذر عن سياستها وتعاونها مع بوتين! لأنه لا يمكن اعتبار الاعتماد على الدبلوماسية والتجارة خيانة لتجنب الحرب في أوكرانيا، فهما أنبل السياسات وأفضلهما لعالمنا، لم تكن سذاجة منها أن سارت في هذا المسار، واعترفت أنها لا تلوم نفسها، لأنها لم تحاول بما فيه الكفاية لتجنب الحرب الراهنة وخطورتها، وأن لقاءاتها العديدة مع بوتين خلال ولاياتها (الأربع)، اتسمت بالبراجماتية، وأن اعتماد ألمانيا بشدة على واردات الطاقة الروسية، يحتاج للمراجعة الآن، واعتبرت ميركل غزو روسيا لأوكرانيا، نقطة تحول لألمانيا، ولم تخف رأيها أن بوتين ارتكب خطأ كارثيًا، وأن انضمام أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبى، لم يكن جاهزًا، وأن اتفاقيات مينسك 2014-2015، أعطت أوكرانيا فرصة بناء نفسها 7 سنوات لتطوير سلاحها وتعزيز جيشها، وأنها تحترم شجاعة الأوكرانيين ورئيسهم زيلينسكي، في المقاومة والدفاع عن بلادهم.

لكن من جانبى، أعتبر أشجع الأوروبيين عامة، الرئيس الفرنسى ماكرون، في دورته الجديدة بعد انتخابه، خرج بأهم تصريح أوروبى لزعيم يعرف ما يقول وسجل اسمه من جديد في قائمة الكبار في عالمنا، عندما نادى بعدم إذلال روسيا، ولأن وقف الحرب هدف سام ونبيل، لأوروبا وللعالم كافة.

وتقريبًا قال كفى لهذه الحرب العبثية والخطيرة هدرًا للأموال، وأن العقوبات الاقتصادية على روسيا، تؤذي الجميع وتؤثر في أوروبا ومستقبلها.

أعتبر كلمات الزعماء الثلاثة: كيسنجر، وميركل، وماكرون، إشارة للعقلاء أن انتبهوا إلى ما يحدث بدقة وتحركوا، إذا أخذناها على محمل الجد والتفكير العملي، فإن العالم قد تغير فعلا بعد الحرب، ولم يعد، ولن يعود كما كان، وأن روسيا والصين كدولتين كبريين، أكبر من أن يتجاهلهما، أحد ويجب أن يكون الحوار العالمى معهما في المستقبل مختلفا، فهما شركاء أمريكا وأوروبا.

عالمنا اليوم لا يتحمل حروبا تؤثر على كل إنسان أو اختبارات جديدة، يجب أن يعود إلى قواعده، الحرب الأوكرانية عبثية، ويجب أن تتوقف، فائض القوة لدى روسيا ينهار ويضعف كل يوم ويتبخر.

والرسالة وصلت إلى الصين، وخرجت منها إنها تحتاج إلى العالم وإلى الولايات المتحدة أكثر من احتياجها إلى تايوان، لكن لا يجب أن يجرحوا كبرياء الكبار، «الصين» وأن تتوقف عن عقوبات روسيا، وكفى الأوكرانيين ما حدث لهم.

يجب أن تعود أوروبا إلى حكمتها من دروس الماضى، خصوصا حروبها العالمية، وأمريكا تحترم قوتها المفرطة ولا تستخدمها أكثر من ذلك، والصين تزداد حكمتها ورويتها وبلاغتها في التعامل مع العالم، ومع القوة العظمى ومع أوروبا.

أما أوروبا الراهنة، فهي في حاجة ماسة إلى مراجعة كل سياساتها بعد خروج بريطانيا، اللاعب الأشد قسوة على أمريكا، وعلى أوروبا معًا، ويجب ألا يترك في إثارة الشغب أكثر من ذلك، ونحن في الشرق الأوسط أطرافنا وأصابعنا تحترق، انتبهوا نحن في حاجة إلى الجميع حتى إيران وروسيا وطبعا الصين.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى