غير مصنف

الأسطورة.. يرحل فى هدوء!

رحل الرجل الذى غير مسار التاريخ سلميا بلا حروب عالمية مُدوية. لا أعتقد أن هناك زعيما يمكن أن ينافس زعيم الإمبراطورية السوفيتية التى انهارت مكانتها فى القرن العشرين، سواء فى قدرتها على التحكم فى معطيات السياسة، أو الحكم. صحيح تفككت الإمبراطورية إلى جمهوريات مستقلة (١٥ دولة)، لكن جورباتشوف حافظ على روسيا (١٧ مليون كيلو متر مربع وأكبر من كل أوروبا). هذا الشاب، الذى وصل إلى أعتى مؤسسات الحكم فى العالم، كان الأصغر الذى يسيطر على الحزب العتيق (الحزب الشيوعى)، ولجنته المركزية، ورئاسة الدولة، والوزارة.

أسطورة حية لا تتكرر.. كان صعبا أن يتم تفكيك حالة سياسية سيطرت على روسيا، ومعظم شعوب آسيا، وفى قلب أوروبا بنظرته الماركسية. عندما تردد أن جورباتشوف سيزور قبر ماركس بإنجلترا، وذهب إلى مقابلة الملكة، أدرك المتابعون فى الشرق والغرب أنهم أمام ظاهرة إنسانية سوف تغير العالم، ولن يكون العالم كله بعده مثلما كان قبله. تغيير أيديولوجى فى عقل زعيم الحزب الشيوعى، وهو رجل يملك الجرأة فى اتخاذ القرار، والتغيير، فأصدر الـبريسترويكا (إعادة الهيكلة) التى فرض بعدها إصلاحات جذرية، وكاشف الناس ليجمعهم حوله فى الـجلاسنوست (الشفافية)، وكلتا السياستين ألد أعداء الحزب الشيوعى، والحركة التى سيطرت على روسيا ٧٠ عاما.

كان لابد أن تتكشف الدنيا، وأن يثور الناس متطلعين للحرية، فهناك من فتح القفص الكبير الذى حُبسوا فيه، واندفعت الأحداث، ومازالت تجرى، ولكن لا يمكن أن يكون ميخائيل جورباتشوف (ابن الفلاحين) فى بلدة ستافروبول غرب روسيا، ـــ الذى رحل أواخر عام ٢٠٢٢ فى هدوء، وسكينة ـــ إلا رقما صعبا سيظل الباحثون، والسياسيون، ومن عاشوا تلك الحِقبة يبحثون، ويتساءلون، وبما أننى لا أحب نظرية «المؤامرة»، وأعرف قدرات الزعماء، والقوى الخالدة على التغيير، وصناعة عالم جديد، فإننى أضع جورباتشوف فى مقدمة هؤلاء، وعندما تتغير الأجيال، ويأتى الجديد سوف يقف العالم فى ذلك الوقت، وفى قادم الأيام، إجلالا له، ولهم، فهؤلاء كانوا الملاذات الآمنة لتحجيم الحروب، وصناعة عالم جديد.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى