مقالات الأهرام اليومى

بقــيت مصـــر‏..‏ وذهبت الأزمات والصعاب

كان خطاب الرئيس حسني مبارك يوم الأحد الماضي‏,‏ حدثا له أهمية خاصة‏,‏ وكان التفاعل الحي بين كلماته وأعضاء الهيئة التشريعية تعبيرا عن وعي عميق بمغزي ما قاله وأكده في الخطاب‏,‏ وأضاف التوقيت والمكان معاني جديدة‏,‏ وجددا الثقة بالجهد المبذول من أجل مستقبل العمل السياسي والاقتصادي في مصر‏.‏والحقيقة أن أهمية التوقيت تنشأ من الظروف السياسية الراهنة‏,‏ والحوار الذي لم يتوقف حول كثير من القضايا التي طرحها برنامج الرئيس الانتخابي في العام الماضي‏.‏ فالحوار العام مازال يعبر عن الحراك السياسي الذي بدأناه مع الإعلان عن تعديل المادة‏76‏ من الدستور في فبراير‏2005,‏ وحمل الكثير من القضايا‏,‏ وطرح العديد من التساؤلات التي كان الجميع يتطلعون بشأنها إلي معرفة اتجاهات الرئيس‏,‏ وقد وصل العديد من المعالجات لقضايانا المحلية والخارجية إلي حدود التأويل المسرف الذي فرض الكثير من الغموض حول الكثير من القضايا‏.‏ وقد جاء خطاب الرئيس بالحقائق التي تتعلق بها‏,‏ وأكد إرادة انعقدت علي المتابعة الدقيقة لما طرحه في برنامجه الانتخابي‏.‏ وجدد العهد بمتابعة الإصلاح الذي تلاقت عنده إرادة الأمة وإرادة الرئيس في الانتخابات الماضية‏,‏ فهذا الإصلاح لم يكن وليد ظرف انتخابي‏,‏ وإنما كان برنامج عمل تشهد الأمة المصرية وجوده عبر برنامج زمني علي أرض الواقع‏.‏ أما عن أهمية المكان فقد اختار الرئيس أن يطرح رؤيته الشاملة في اجتماع مجلسي الشعب والشوري خلال افتتاح الدورة البرلمانية الجديدة‏.‏ وهو يعني بذلك أن هناك مسئوليات كثيرة يتعين علي الم
جلسين القيام بها في هذه الدورة‏,‏ وأن يصل الخطاب إلي جموع الشعب عن طريق النواب الذين اختارهم بإرادته‏.‏

وبرغم الرؤية العملية الواقعية المحددة التي جاء بها الخطاب بشأن المستقبل‏,‏ فإن قاعة البرلمان حيث تدفقت كلمات الرئيس قوية واضحة ومعبرة‏,‏ شهدت الكثير من التفاعل والانفعال بنبرة الرئيس وكلماته‏,‏ وعزمه الذي لايلين خاصة أن المرجفين قد كثرت أقاويلهم وتأويلاتهم في إعلام الداخل والخارج‏,‏ وعبرت تلك المشاعر الفياضة عن ثقة أمة في قائدها‏,‏ وتجاوبها مع آماله وطموحاته‏,‏ وعزمها علي المضي معه علي طريق الإصلاح والتنمية‏.‏ فلقد بادل المصريون الرئيس ثقة بثقة‏,‏ وصدقا بصدق‏,‏ وعهدا بعهد‏,‏ ووفاء بوفاء‏,‏ فكان الخطاب بيعة وعهدا جديدين في حياتنا‏,‏ طرح الرئيس فيه علي مدي أربعين دقيقة رؤيته الشاملة للإصلاح الدستوري والتشريعي بما يدعم التطورات السياسية والاقتصادية‏.‏ وجاء بأوسع التعديلات الدستورية التي شهدتها مصر علي مدي ربع القرن الماضي‏.‏ واعتبر الرئيس تلك التعديلات أهم معالم الدورة البرلمانية الجديدة وركنا أساسيا من أركان المرحلة المقبلة‏.‏وهي إصلاحات تعيد تنظيم العلاقة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية لتصبح أكثر توازنا‏.‏ وتعزز دور مجلس الوزراء‏,‏ وتسمح بمزيد من المشاركة بين الحكومة ورئيس الجمهورية في مهام السلطة التنفيذية‏
.‏ إصلاحات تحقق نظاما انتخابيا يعزز فرص الأحزاب في الوصول إلي المجالس النيابية‏,‏ ويحقق للمرأة دورها المأمول في البرلمان‏.‏ إصلاحات تنهي المركزية التي أعاقت النمو في جميع ارجاء مصر لتضطلع المحليات بدور جديد فيما تقوم به من مهام تنفيذية ورقابية‏.‏ وفي هذا الصدد أشار مبارك إلي أهمية وضع ضوابط علي ممارسات الرئيس فيما يقوم به من مهام‏,‏ وفق الصلاحيات التي يمنحها له الدستور‏.‏ وأخيرا إصلاحات تفتح الباب أمام قبضة تشريعية لاتتواني ولاتتساهل في مواجهة الإرهاب الذي نشر اليأس والفزع في المنطقة بأسرها‏,‏ وذلك حتي لايستمر العمل بقانون الطوارئ‏.‏

ولقد وجه الرئيس دعوته إلي أعضاء مجلسي الشعب والشوري للإسهام في رسم ملامح الإصلاحات التشريعية والدستورية المرتقبة‏,‏ جنبا إلي جنب مع المواطنين من ذوي الخبرة والرغبة في أن تحقق تلك التعديلات مصالح الأمة‏,‏ غير متأثرة بأهواء أو غوايات أو مصالح فئوية ضيقة‏.‏ ولعل ذلك الحوار الرشيد هو أكثر ما نحتاجه في المرحلة المقبلة‏,‏ فنحن إزاء تعديلات دستورية يعلم الجميع مدي أهميتها وقدرتها في تحديد ملامح خطانا المقبلة‏.‏ومن هنا فإننا‏,‏ نريد تعديلات دستورية‏,‏ تستجيب لواقعنا ورؤيتنا للمستقبل القريب‏,‏ فمنذ أكثر من عام والحوار حول الدستور وتعديلاته مستمر‏,‏ ولم يخل هذا الحوار من آراء تستلهم مصلحة الوطن والمواطن‏,‏ كما أنه لم يخل أيضا من شطط ورغبة في النقل العشوائي من النصوص الدستورية لمجتمعات تختلف عنا كثيرا‏.‏

إن الحديث عن مصلحة الوطن والمواطن لايخفي وراءه قيودا علي الحوار من أجل الدستور أو تضييقا علي تعديلاته‏,‏ ولكننا لابد أن ندرك حقيقة التأثير الذي يمارسه الدستور في تشريعاتنا وفي تنظيم جميع نواحي حياتنا‏.‏ إننا نريد حوارا يكشف لنا عما يحقق لنا مصالحنا‏,‏ ويدفع حياتنا السياسية والاقتصادية إلي الأمام في خطوات محسوبة وليست قفزات غير متوقعة وغير مضمونة النتائج‏.‏ نريد حوارا يضمن حقوق الأجيال المقبلة‏,‏ ويؤكد ما حققناه من مكتسبات خلال الفترة الماضية‏,‏ وأحسب أن أعضاء البرلمان يتحملون الكثير من المسئوليات في الربط بين الحوار المجتمعي والنقاش داخل البرلمان بما لاينكر حقوق شرائح المجتمع وتياراته المختلفة‏.‏

وإلي جانب التعديلات الدستورية‏,‏ التي تمثل اليوم محور الاهتمام العام في المجتمع‏,‏ توقف الرئيس أمام العديد من التشريعات‏,‏ التي بات إنجازها أمرا ضروريا وحيويا‏,‏ وهذه التشريعات تتعلق بقضايا البناء والثروة العقارية‏,‏ التي تعد أحد أبرز الهموم المصرية مع تعدد التشريعات‏,‏ وتقادم بعضها والتشوهات العمرانية التي كانت نتيجة الواقع التشريعي الراهن‏,‏ الذي ندفع اليوم ثمنا باهظا له‏,‏ فهناك مشروع قانون البناء والتنمية العمرانية الذي يجب أن يتضمن كل ما يخص التخطيط العمراني واشتراطات البناء والتنسيق الحضاري‏.‏ ويحتاج هذا القانون إلي دراسة الواقع المصري وتعقيداته ومشكلاته والتجاوزات الهائلة التي اقتربت من حد الفوضي العمرانية في بعض المدن والأحياء‏,‏ وهناك أيضا قانون الضرائب العقارية علي المباني‏,‏ وهو مثال آخر علي تخلف التشريعات عن ملاحقة التطورات السريعة في مجال البناء والإسكان‏,‏ وقضية الضرائب العقارية التي تكمن في مشكلتين أشار إليهما الرئيس في خطابه وهما العدالة الضريبية وسبل تحصيلها‏.‏فتقدير الضريبة يخضع لمعايير غير منضبطة لا تحقق العدالة‏,‏ كما أن وسائل تحصيلها أضاعت علي الدولة مبالغ طائلة لدرجة أن حصر المباني نفسها أصبح مشكلة تواجه الضرائب العقارية‏.‏ وهذا الي جانب مشكلات التحصيل‏.‏

أسامة سرايا
وقد أشار الرئيس أيضا إلي أهمية إنجاز كادر المعلمين الذي كثر الكلام بشأنه‏.‏ وكانت كلماته حول المشروع واضحة ومنصفة لهذه الفئة التي لم تلق الاهتمام الواجب واللائق بها‏,‏ وقد حدد هدف الكادر الجديد في تحقيق الاستقرار المادي وتحسين الدخول‏,‏ والارتقاء بمستوي الأداء المهني والانتقال بالعملية التعليمية من الإتاحة إلي الارتقاء بجودتها‏.‏والحقيقة أن أوضاع المعلمين بحاجة إلي إعادة نظر شاملة‏,‏ ولايتم اختزال القضية في الدروس الخصوصية‏,‏ وما تدره من أرباح علي محترفيها‏.‏ ولعل كادر المعلمين المنتظر يضع منظومة التعليم في مصر علي بداية طريق الإصلاح الحقيقي للتعليم والمجتمع‏.‏ فبدون التعليم الجيد يصعب الحديث عن أي إصلاح في المستقبل‏,‏ ويرتبط بهذا الكادر أيضا قانون الوظيفة العامة بما يحقق التطوير والارتقاء بأداء الموظف العام‏.‏

وعرض الرئيس إنجازات عام مضي‏,‏ وفي هذا الصدد نقول‏:‏ إن مصر تشهد إنجازات متتابعة‏,‏ ولكنها تختفي كثيرا في حديث البعض لحساب التشويه‏,‏ الذي يصل إلي حد التعمد في الداخل والخارج‏.‏ فمازالت تلك الأقلام‏,‏ ومن خلال أهدافها الحزبية أو الشخصية أو الفئوية‏,‏ تتنكر لكل تطور وكل إنجاز غير عابئة بما يفعلونه بأجيال سوف تتحمل المسئولية‏,‏ فحصاد العام الماضي حقق معدلات من النمو لم تتحقق خلال الأعوام الخمسة عشر الماضية‏,‏ ومن المتوقع أن تزيد في هذا العام‏..‏ وهناك ستة مليارات دولار تدفقت من الاستثمارات الأجنبية المباشرة‏,‏ وهو ما لم يتحقق في عام واحد منذ أن انتبهنا إلي أهمية الاستثمارات الأجنبية‏.‏

كما جاء قانون الضرائب الجديد بحصيلة تزيد بنسبة‏17%‏ عما كان موجودا من قبل‏,‏ في الوقت الذي أنهي فيه القانون الخلاف بين الممولين ومصلحة الضرائب‏,‏ وزادت صادراتنا بنسبة‏43%,‏ ولدينا الأمل في أن تزيد عاما بعد آخر‏,‏ وتجاوزت احتياطيات النقد الأجنبي‏26‏ مليار دولار‏,‏ واستقر سعر الصرف بكل ما يمثله من مزايا اقتصادية وأصبح حجم التداول في سوق المال نحو‏500‏ مليار جنيه‏..‏ وهذه الحقائق التي وردت في خطاب الرئيس تعيد الثقة وتبث الأمل في قدراتنا علي تجاوز ما لدينا من مشكلات‏,‏ فمنذ أعوام ليست بعيدة كانت تلك الأرقام حلما يراود الكثيرين‏,‏ حتي أولئك الذين يهيلون التراب عليها الآن‏.‏ صحيح أنها لاتعكس آمالنا ولكنها تؤكد أننا ماضون علي الطريق الصحيح وفي الاتجاه الذي ينتهي بنا إلي حيث نريد‏.‏

أيضا في ربط منطقي وواقعي أشار الرئيس إلي التحرك المصري في المحيطين الإقليمي والعالمي‏.‏ وكما قال فإن مصر تدير علاقاتها الخارجية بعين مهتمة بقضايا الداخل‏.‏ فما تحققه السياسة وما تمثله مصر من مكانة‏,‏ ينعكس علي فتح المزيد من الأسواق أمام منتجاتنا واجتذاب الاستثمارات والسياحة والتكنولوجيا المتقدمة والانفتاح علي تجارب الشرق والغرب علي السواء‏.‏

وعلي صعيد القضايا الإقليمية أعاد الرئيس تأكيد ثوابت السياسة المصرية من دعم حقوق الفلسطينيين والوقوف إلي جانب العراقيين في محنتهم والإسهام في إعمار لبنان وممارسة كل الضغوط الممكنة لوقف الانتهاكات الإسرائيلية لأجوائه وسيادته‏.‏ وأكد الرئيس الموقف المصري من الأخطار التي تحدق بمنطقة الخليج واستعداد مصر للمشاركة في أي ترتيبات للأمن الإقليمي‏,‏ بما يكفل استقرار الخليج والمنطقة‏.‏ وحول الشأن السوداني فإن مصر مازالت تمارس دورها لوضع تسوية سلمية للأزمة في دارفور في إطار يحفظ للسودان سيادته ووحدة أراضيه‏.‏

وكما قال الرئيس فإن الأمم مثل الرجال تتجلي معادنهم في أوقات التحدي‏,‏ وقد أظهر المصريون عبر التاريخ قدرتهم علي مواجهة الصعاب‏,‏ فبقيت مصر وذهبت الأزمات والصعاب‏.‏

ولعل أبلغ الأثر والتأثير‏..‏ هو عقب خطاب الرئيس مبارك في الشارع المصري‏..‏ فعبر الشارع السياسي من داخل مجلس الشعب‏..‏ خرج الجميع بيقين بقدرة مصر ورئيسها علي صياغة مستقبلها‏,‏ وبناء دولة حديثة بلا هزات أو اهتزاز‏.‏ ويقيننا أن الرئيس مبارك معنا يعطينا الثقة واليقين‏,‏ بل والقدرة علي التغيير والبناء الصحيح‏,‏ الذي يعيش وينمو باستمرار‏..‏ ولم يتأخر رد الفعل سواء داخل البرلمان أو الشارع‏,‏ فأسس الإصلاحات أعلنت وبدأ الحوار‏,‏ ولن يتأخر وسوف يؤتي بثماره‏.‏
فتحية للقائد الذي يثق بنا‏..‏ وتتضاعف ثقتنا معه في مستقبل الوطن‏.‏

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى