مقالات الأهرام اليومى

لعنة الشرق الأوسط في الانتخابات الأمريكية

أغلق الرئيس الأمريكي جورج بوش جميع الملفات وفتح ملف الشرق الأوسط‏,‏ واختزل الجزء الأكبر من خطابه الإعلامي في شئون هذه المنطقة من العالم‏.‏ وعد وتوعد‏,‏ هدد وتعهد‏,‏ أسرف في آماله وأحلامه بأن يحيل الشرق الأوسط إلي واحة جديدة للديمقراطية علي الطريقة الأمريكية تحمي مصالح الإمبراطورية الجديدة في هذه المنطقة الغنية بالنفط والمال‏,‏ تعهد بالانتقام واستئصال الإرهاب النائم في صحراوات ذلك الشرق البعيد‏,‏ حيث تلاقت كلمات الرب ومسامع الإنسان منذ أزمان بعيدة‏.‏ وضعت خرائط المنطقة أمامه لتتحرك آماله وخططه عبر خطوط الطول والعرض دون اكتراث أو معرفة بأن الجزء الأكبر من تراث الإنسانية جمعاء يسكن هذه المساحات الملونة باللون الأصفر‏,‏ وأن هذه المنطقة غنية بثقافات وبريق حضاري كامن في وجدان شعوبها أكثر من ثرائها بالنفط الكامن في باطن أرضها‏.‏

وتحركت آلات القوة الأمريكية صوب الشرق الأوسط لتحقيق حلم الإمبراطورية الجديدة التي كان المحافظون الجدد بزعامة جورج بوش يعملون من أجلها‏.‏ وتداعت الأحلام حلما تلو الآخر‏.‏ فقد تبدد أمل الوصول إلي وهم أسلحة العراق الكيماوية والنووية لتظهر مقدماتها علي الجانب الآخر من الخليج‏,‏ وتزايد عدد الإرهابيين وعملياتهم في المنطقة وما جاورها من الأراضي الأوروبية‏,‏ ووجدت الأصولية الإسلامية في السياسة الأمريكية فرصتها في أن تحقق انتشارا بسبب الأخطاء الأمريكية في المنطقة والخطاب العدائي الصادر عن الرئيس وفريق معاونيه‏,‏ ووصل العداء الشعبي للولايات المتحدة إلي مستوي لم يبلغه من قبل‏,‏ برغم الأخطاء الكثيرة التي ارتكبتها خلال العقود الأربعة الماضية‏,‏ وفي الطريق إلي تصفية الإرهاب غزت القوات الأمريكية أفغانستان والعراق‏

وعبثا تحاول إعادة صياغة الحياة السياسية والاقتصادية والمدنية علي الطريقة الأمريكية‏,‏ وتمخضت الحرب الأمريكية علي الإرهاب عن شعور عالمي بأن الدول والشعوب أصبحت تخضع الآن لنوع جديد من الإرهاب العالمي الذي لم تعد خلايا القاعدة أو غيرها مصدره‏,‏ بل غدا مصدره القوة الأكبر في عالم اليوم‏ ودخلت الولايات المتحدة وأدخلت معها دول المنطقة في نفق طويل مظلم بدعاوي كثيرة تخفي وراءها حقيقة الرغبة المستبدة في تحقيق الهيمنة سلما أو حربا‏.‏ واشتعلت الحرب بتكنولوجيا عسكرية متطورة ولم يتوقف مسلسل القتل بسبب وبدون سبب‏.‏

وإذا كانت حسابات عهد الجمهوريين بقيادة جورج بوش تختلف باختلاف المحاسبين‏,‏ فإنها في كل الأحوال تنتهي إلي أن الفشل هو الناتج النهائي لهذا العهد‏,‏ وأن الشرق الأوسط يقف في مقدمة الأسباب التي جاءت بهذا الفشل سواء في الواقع السياسي والاجتماعي المعاش في هذه المنطقة‏,‏ أو في صناديق الانتخابات التي أطاحت بسيطرة الجمهوريين علي مجلسي النواب والشيوخ‏,‏ بعد أن تمتعوا بها اثني عشر عاما كاملة‏,‏ ولقد كانت حسابات الناخب الأمريكي مختلفة كثيرا عن حسابات ضحايا السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط‏,‏ وهي تضم قائمة طويلة من القتلي والجرحي والمقهورين والساخطين والمنبوذين في المطارات والموانئ ووسائل الإعلام الأمريكية من العرب أو المسلمين أو المسيحيين‏,‏ أو حتي من كانت له ملامح سكان الشرق الأوسط‏.‏

……………………………………………………………..‏
والواضح أن حسابات المواطن الأمريكي مختلفة في تقييم العهد الجمهوري‏,‏ وهي غالبا مرتبطة بالمصالح المباشرة لجموع الناخبين‏,‏ وتدخل فيها السياسات الخارجية من ذلك الباب وليس من غيره‏.‏ وقد تصدرت الأوضاع في العراق قائمة اهتمامات الناخبين في التصويت من باب الثلاثمائة مليار دولار التي تحملها دافع الضرائب الأمريكية‏,‏ والثلاثة آلاف قتيل الذين راحوا ضحية مغامرة عسكرية دون أن تلوح في الأفق أي بادرة لتحسن الأوضاع في العراق‏,‏ أو زيادة أمن المواطن الأمريكي‏.‏

وفي أحد أحاديثه الإذاعية الأسبوعية حاول الرئيس بوش إثارة مخاوف المواطن الأمريكي من أن نجاح الديمقراطيين في السيطرة علي الكونجرس سيعني تعريض الأمن القومي الأمريكي للخطر‏,‏ بحجة أنهم لا يتمتعون بالصلابة اللازمة لمواجهة خطر الإرهاب‏,‏ الذي تفاخر بأن الجمهوريين تمكنوا من دحره‏.‏

لكن بوش لم يتمكن هذه المرة من خداع مواطنيه‏,‏ وهو يكاد يضع بلاده علي حافة حرب أخري مع إيران هذه المرة‏,‏ ويبدو أنه لم يقرأ مقولة أحد أبرز خبراء الدعاية الأمريكيين‏,‏ وهي أنك قد تستطيع أن تخدع بعض الناس لبعض الوقت‏,‏ ولكنك لاتستطيع أن تخدع كل الناس كل الوقت‏,‏ فاستمر في محاولاته حتي بعد أن كانت جميع الاستطلاعات قد أجمعت علي هزيمة مروعة للجمهوريين‏.‏ فلقد تولي بوش الحكم عام‏2001‏ ولديه فائض في الميزانية‏200‏ مليار دولار‏,‏ وبعد خمس سنوات بلغ العجز في الموازنة الأمريكية‏400‏ مليار دولار‏,‏ وليس العراق عن هذه الأرقام ببعيد‏.‏
ويردد بوش منذ سنوات في خطبه‏’‏ أريد بن لادن حيا أو ميتا‏’‏ ولكن بن لادن مازال يبعث برسائله‏,‏ وينظم قواته في مواجهة الأمريكيين في العراق وأفغانستان‏,‏ ولم يصغ بوش ولم يمكنه معاونوه من أن يستمع إلي نصائح خرجت من الشرق الأوسط‏,‏ خاصة من الرئيس حسني مبارك‏,‏ وكذلك من المحللين والخبراء داخل الولايات المتحدة نفسها‏.‏

……………………………………………………………..‏

أسامة سرايا
والآن وقد جاء الديمقراطيون إلي الكونجرس بأغلبية تمكنهم من التغيير في السياسة الأمريكية‏..‏ ماذا هم فاعلون؟ إن ريتشارد هاس رئيس مجلس العلاقات الخارجية يطرح تصوراته المستندة إلي أنه لن يطرأ أي تغيير بالنسبة لعدد من قضايا السياسة الخارجية مثل تأييد السياسة الحالية المنحازة لإسرائيل في الشرق الأوسط أو بالنسبة لصفقة الحوافز المدنية للبرنامج النووي الهندي‏,‏ ولكنه في الوقت نفسه يتكهن بأن وصول زعماء ديمقراطيين لرئاسة لجان أساسية في الكونجرس بمجلسيه سوف ينهي ما يصفه الديمقراطيون بمرحلة تحول فيها أعضاء الكونجرس إلي أختام موافقة علي كل ما يعن للرئيس بوش من أفكار دون مناقشة تذكر‏.‏

وفي سيناريو آخر يري بعض المحللين أنه لو سيطر الديمقراطيون علي الكونجرس‏,‏ فإن ذلك لن يعني الكثير بالنسبة للحرب في العراق‏,‏ لأن الديمقراطيين ليسوا متفقين فيما بينهم علي استراتيجية بديلة للاستراتيجية التي ينتقدون الرئيس بوش بسببها‏,‏ بل يري هؤلاء المحللون أن الفارق بين ما يدعو إليه بوش وما يتصوره الديمقراطيون مخرجا لا يتعدي كونه فارقا في التفاصيل فقط‏.‏

وسوف تسيطر الأوضاع في العراق علي اهتمامات الكونجرس بأغلبيته الديمقراطية‏,‏ وربما يواجه الديمقراطيون صعوبات في إقناع الإدارة الأمريكية بجدول زمني للانسحاب‏.‏ وإذا تعثرت مساعيهم فقد يلجأون للجلسات العلنية‏,‏ التي سوف يمثل فيها كبار المسئولين الجمهوريين تمهيدا لانتخابات الرئاسة الأمريكية عام‏2008,‏ وسوف تعتمد مواقف الديمقراطيين من العراق علي اللجنة المشكلة برئاسة جيمس بيكر الجمهوري ولي هاميلتون الديمقراطي‏,‏ والتي من المتوقع أن تقدم تقريرها بشأن العراق في مطلع الشهر المقبل‏.‏ وقد صدرت تكهنات أو تسريبات من توصيات هذا التقرير‏,‏ يتضمن بعضها حلا وسطا للإبقاء علي القوات الأمريكية في العراق‏,‏ وتقليص عددها ومطالبة الحكومة العراقية بتحمل الجزء الأكبر من الأعباء الأمنية‏,‏ وإيجاد وسيلة لعلاج تفشي العنف الطائفي والتصدي لظاهرة تنامي التنظيمات المسلحة ووضع حلول ناجزة للأوضاع الاقتصادية المتدهورة لوقف انضمام العراقيين إلي الجماعات المتشددة‏.‏

ومن المتوقع أيضا أن تطالب اللجنة في توصياتها بفتح أبواب الحوار مع سوريا وإيران لوضع حد للعنف الطائفي‏,‏ وهي توصية تمثل تحديا للديمقراطيين الذين صوتوا من قبل لمصلحة اتخاذ إجراءات متشددة ضد هذين البلدين في المجلس السابق‏.‏

……………………………………………………………..‏
وحول عملية السلام فإن التوقعات تشير إلي أن الانتخابات الأخيرة استبدلت قيادات ديمقراطية أكثر ولاء لإسرائيل بقيادات جمهورية موالية لإسرائيل‏.‏ وتشير الإحصاءات إلي أن‏87%‏ من أصوات اليهود ذهبت للنواب الديمقراطيين‏,‏ بينما ذهبت‏13%‏ منها فقط للجمهوريين‏.‏ وكذلك سوف تزيد فرص الاستفادة من التقارب بين الحزب الديمقراطي وبين الجناح العمالي في الحكومة الإسرائيلية المعروف بميله للتوصل إلي تسوية مع الفلسطينيين‏,‏ وهو بوجه عام تحالف أفضل لعملية السلام من التقارب بين الجمهوريين الموالين لإسرائيل وحزب الليكود‏.‏

والشئ الملحوظ في كل هذه السيناريوهات هو أن المواطن الأمريكي لن يلحظ أي تغيير في السياسة الأمريكية فيما يتعلق بعملية السلام في الشرق الأوسط التي طواها النسيان في عهد الرئيس جورج بوش‏,‏ بينما تواصل إسرائيل عربدتها في الأراضي الفلسطينية‏,‏ ولن يجد شيئا يدفعه إلي التفاؤل بتحسين العلاقات الأمريكية مع العالمين العربي والإسلامي برغم أهمية ذلك بالنسبة للمصالح القومية الأمريكية‏,‏ بل والأمن القومي الأمريكي‏,‏ فلقد غابت هذه القضايا من حسابات الديمقراطيين والجمهوريين علي السواء‏.‏

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى