مقالات الأهرام اليومى

زيارة إلي الشرق الأقصي الجديد

في الشرق الأقصي البعيد شعوب تستبد بها أحلام التغيير وآماله‏,‏ وأرض تموج بالأحداث‏,‏ وخطوات سريعة تمضي نحو الخروج من دائرة الاقتصادات النامية‏,‏ ويستعد التاريخ لدورة جديدة يستعيد فيها الشرق القديم دوره في صناعة الحضارة الإنسانية وتوجيهها‏.‏ إنها مزيج من أساطير قديمة وأفكار جديدة وقيم عصرية بجذور ضاربة في أعماق التاريخ‏,‏ وإرادة لم تنل منها سنوات المعاناة الطويلة‏,‏ وتواجه الشعوب هناك تحديات العصر القادم‏.‏ ففي الشرق الأقصي البعيد يولد عالم مختلف‏,‏ ويتبلور رويدا رويدا مركز عالمي جديد‏,‏ ربما ينهي حقبة القطب الأوحد وما أحدثه من فوضي في العلاقات الدولية منذ انهيار الاتحاد السوفيتي في أوائل العقد الأخير من القرن الماضي‏.‏

إلي هذا الشرق البعيد تأتي زيارة الرئيس حسني مبارك من أطرافه في روسيا إلي أعماقه في الصين وكازاخستان‏,‏ لتعظيم الفرص المتاحة لمصر لدعم علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع تلك القوي الناهضة‏,‏ بما يحقق لبرنامج التنمية المصري قوة دفع جديدة تساعده في بلوغ أهدافه‏,‏ ويدعم التحرك السياسي المصري في منطقة تشهد الكثير من بؤر التوتر‏.‏ هذا هو الهدف الأساسي من تلك الزيارة وليس البحث عن حلفاء جدد فقد مضي زمن الأحلاف والتكتلات‏,‏ وأصبحت التنمية والفرص الاقتصادية محورا للعلاقات الثنائية والدولية‏.‏ وهي فرص متاحة لمصر بشدة في هذه المنطقة الناهضة من العالم‏.‏ خاصة أن علي الأجندة السياسية والاقتصادية المصرية مشروعا طموحا حدده البرنامج الانتخابي للرئيس حسني مبارك بضرورة تحقيق نهضة اقتصادية وتصنيعية خلال السنوات المقبلة‏

وبدء الإعداد للاستخدام السلمي للطاقة النووية‏,‏ وما يتطلبه ذلك من التشاور مع القوي الدولية التي تمتلك الخبرة والقدرة علي تحقيق أقصي معدلات الأمان‏,‏ وتحرير المشروع المصري من الضغوط أو الشروط في أي مرحلة من مراحله‏.‏ ولاشك أن الدول الثلاث التي يزورها الرئيس لديها ما تقدمه لمصر في مشروعها الطموح بالإضافة إلي فرص اقتصادية هائلة يمكن أن تمثل دعما حقيقيا لقدراتنا الاقتصادية وخططنا المستقبلية‏.‏

إن زيارة الرئيس مبارك للدول الثلاث تأتي علي خلفية تاريخية ومعاصرة تدفع بنتائج تلك الزيارة إلي آفاق واسعة‏.‏ فمن الناحية التاريخية تربط مصر بالدول الثلاث علاقات تاريخية ثقافية وسياسية واقتصادية تمثل رافدا مهما في الدفع بتلك العلاقات خطوات كثيرة إلي الأمام‏.‏ فالصينيون يرون مصر رمزا لتاريخ قديم مجيد كان لهم فيه أيضا عطاء حضاري بارز‏.‏ والروس كما قال لي أحد السفراء العرب السابقين في موسكو يرون في مصر والهند بلدين لهما مكانة خاصة تبلغ مرتبة الوطن الثاني‏.‏

أما كازاخستان فهي جزء من النسيج الثقافي الإسلامي الساعي إلي الحوار بين الحضارات والتقارب بين الأديان‏,‏ وهي موطن مفكرين وعلماء في الفلسفة والفلك والمنطق والموسيقي والآداب ساهموا في صياغة العطاء الحضاري الإسلامي للعالم‏,‏ وفي المقدمة منهم أبو نصر الفارابي‏ وفي التاريخ المعاصر واجهت الدول الثلاث مثلما واجهنا في مصر تحديات التحول نحو اقتصاد السوق والاندماج في الاقتصاد العالمي‏.‏

فلقد واجهت روسيا الكثير من الاضطرابات الاجتماعية والاقتصادية في التحول من الاقتصاد المركزي إلي الاقتصاد الحر‏,‏ الأمر الذي فرض عليها التخفف من الالتزامات الخارجية التي أثقلت كاهل الاتحاد السوفيتي من قبل‏.‏ واستطاع الرئيس بوتين العبور بروسيا إلي دائرة الاستقرار واستعادة دورها كقوة لها تأثيرها في العلاقات الدولية‏.‏

وفي الصين‏,‏ حيث يوجد ثاني أكبر اقتصاد علي وجه الأرض تجربة أخري حققت قفزات اقتصادية هائلة دون التخلي عن أسس النظام السياسي المركزي‏,‏ وأصبحت الصين أقوي المرشحين لاحتلال مقعد دولة عظمي في المجتمع الدولي بحلول عام‏2050‏ علي حد تقدير الصينيين أنفسهم‏ أما كازاخستان‏,‏ فقد نهضت من بين أنقاض جمهوريات الاتحاد السوفيتي قبل أربعة عشر عاما لتصبح في أعوام قليلة أعجوبة آسيوية جديدة بما حققته من نمو سنوي بلغ‏9%‏ سنويا خلال السنوات الخمس الماضية‏,‏ وبما تمتلكه من ثروات طبيعية هائلة‏.‏

أسامة سرايا
…………………………………………………………..‏
وعلي الرغم من الأهمية الاقتصادية لزيارة الرئيس حسني مبارك والفرص التي تتيحها للاقتصاد المصري‏,‏ فإن القضايا السياسية الراهنة لابد وأن تفرض نفسها علي أجندة المفاوضات‏,‏ خاصة في روسيا ثم الصين‏.‏ فالملفات العربية الساخنة يبدو وكأنها تصل إلي طريق مسدود في فلسطين والعراق والسودان وإيران‏,‏ الأمر الذي يدفع مصر باعتبارها القوة الإقليمية الأكثر تأثيرا‏,‏ إلي التشاور مع أطراف دولية خارج المنظومة الغربية‏,‏ بهدف تعظيم فرص التسوية السلمية‏,‏ ووضع حد للاضطرابات التي تهدد السلام الإقليمي‏.‏ ولاشك أن الموقفين الروسي والصيني اللذين اتسما بالتوازن تجاه القضايا العالقة في المنطقة العربية‏,‏ يمكن أن يضيفا قوة دفع جديدة لمساعي التسوية السلمية في كل الملفات العربية‏,‏ وهو الموقف الرسمي المعلن لمصر‏,‏ والذي يمثل محور نشاطها السياسي الإقليمي‏.‏

…………………………………………………………..‏
فلقد كانت موسكو أولي العواصم الثلاث التي تشملها جولة الرئيس في رابع زيارة يقوم بها إليها منذ زيارته الأولي لها عام‏1990.‏ وقد تمكن الرئيس مبارك بإتقانه اللغة وفهمه الثقافة الروسية وعلاقاته القديمة‏,‏ من إعادة الدفء المفقود بعد أزمة فسخ معاهدة الصداقة والتعاون مع الاتحاد السوفيتي عام‏1976,‏ وقد دفعت كل زيارة من الزيارات السابقة العلاقات السياسية والاقتصادية بين البلدين خطوات إلي الأمام‏.‏ وتقديرا لمصر ودور الرئيس مبارك‏,‏ كانت مصر أولي الزيارات الخارجية التي يقوم بها الرئيس بوتين لدولة عربية منذ توليه السلطة‏..‏ وهذا التطور في العلاقات بين البلدين‏,‏ كان له مردوده الاقتصادي متمثلا في زيادة حجم التبادل التجاري ليصل إلي‏1.3‏ مليار دولار في العام الماضي‏,‏ وليحقق زيادة قدرها‏50%‏ خلال ما مضي من العام الحالي‏.‏ وشهدت السياحة الروسية لمصر تدفقا كبيرا‏,‏ حيث بلغ عدد السائحين الروس لمصر نحو‏1.25‏ مليون سائح عام‏2006,‏ بزيادة قدرها‏33%‏ علي العام السابق‏.‏

والحقيقة أن هذه الإحصاءات بقدر ما تعكسه من تطور‏,‏ فإنها ليست في مستوي طموحات الجانبين‏,‏ ولا في مستوي الفرص المتاحة للمزيد من التعاون التجاري والاقتصادي‏.‏ فالتراكم النقدي الضخم في روسيا من ناحية‏,‏ وتغير مناخ الاستثمار في مصر من ناحية أخري‏,‏ يوفران مناخا ملائما لمضاعفة الاستثمارات الروسية في مصر‏.‏ ومن المتوقع أن يسفر الملف الاقتصادي لزيارة الرئيس عن نتائج إيجابية خاصة أن هذا الملف حظي بإعداد جيد قبل الزيارة التي يلتقي فيها الرئيس بقيادات العديد من كبريات الشركات الروسية العاملة في مجالات الطاقة‏,‏ والصناعات الثقيلة‏,‏ والهندسية‏,‏ والدوائية‏,‏ والصناعات المغذية للسيارات‏.‏ ومن المتوقع أيضا أن يتم الاتفاق علي إنشاء منطقة روسية خاصة للصناعات الهندسية‏,‏ يمكن أن تكون السوق المصرية نقطة انطلاق لها في المنطقة العربية والشرق الأوسط وافريقيا وأوروبا‏,‏ خاصة أن مصر عضو في السوق المشتركة لدول الكوميسا الإفريقية‏,‏ كما أن اتفاق المشاركة بينها وبين الاتحاد الأوروبي من المتوقع أن يتحول في غضون عشر سنوات إلي منطقة حرة‏.‏

…………………………………………………………..‏
أيضا‏,‏ تمثل روسيا خيارا مطروحا بشدة للتعاون في المشروع المصري للاستخدام السلمي للطاقة النووية‏.‏ فقبل أشهر قليلة وافق البرلمان الروسي علي برنامج تطوير المجمع الصناعي النووي‏,‏ الذي أعدته وكالة الطاقة الذرية الروسية‏,‏ وهو برنامج يهدف إلي التوسع بقوة في إنشاء المفاعلات النووية في الأسواق الخارجية‏.‏ كما تعتبر روسيا الدولة الوحيدة التي تبني حاليا خمسة مفاعلات نووية في وقت واحد‏(2‏ في كل من الهند والصين وواحد في إيران‏)‏ كما تعتزم وكالة الطاقة الذرية الروسية بناء ما بين‏40‏ و‏60‏ محطة نووية‏,‏ لإنتاج الكهرباء خلال الأعوام الخمسة والعشرين المقبلة حول العالم‏.‏ وقد حققت المفاعلات النووية الروسية معدلات أمان عالية بشهادة خبراء وكالة الطاقة الذرية‏,‏ وكل هذه المعطيات تزيد من احتمالات التعاون المصري ـ الروسي في بناء مفاعلات الطاقة النووية‏.‏

وتمثل السياحة الروسية أهمية خاصة لاقتصاديات السياحة المصرية حيث بلغ حجم الإنفاق السنوي نحو‏500‏ مليون دولار‏,‏ وهو رقم مازال دون مستوي الفرص المتاحة للإفادة من السياحة الروسية التي تحقق زيادة سنوية قدرها‏15%‏ في أعداد السائحين لمصر‏.‏ ولدي الروس اعتقاد بأن شتاء مصر في البحر الأحمر‏,‏ هو امتداد لصيفهم القصير في بلاد شديدة البرودة‏.‏ واعتبارا من شهر نوفمبر الحالي‏,‏ وحين تكاد مصايف البحر المتوسط تغلق أبوابها تتحول مصر دون منازع إلي مقصد لسياحة الشتاء عند الروس‏.‏ وهناك فرص كثيرة لإنشاء مدن سياحية في منطقة البحر الأحمر باستثمارات روسية‏,‏ حيث تجتذب هذه المنطقة أعدادا كبيرة من السياحة الروسية‏,‏ ولذلك زاد عدد المقيمين الروس في تلك المنطقة من مراكز الجذب السياحي المصرية‏.‏

………………………………………………………‏
إن الزيارة الرابعة للرئيس حسني مبارك لروسيا‏,‏ تفتح أبوابا واسعة لتعاون اقتصادي يحتاج إلي متابعة ومثابرة في هذا الوقت‏,‏ الذي يحتاج فيه الاقتصاد المصري إلي استثمار كل فرصة متاحة‏,‏ وما أكثـرها من حـولنا‏,‏ ولكـن ما أحوجنـا إلي عمـل دءوب من أجل تعظيم الاسـتفادة منهـا‏,‏ بمـا يحقق لنا المستقبـل الأفضـل الذي نسعي اليه‏.‏

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى