مقالات الأهرام اليومى

الإفاقة بالكوارث

هل نحن بحاجة في كل موقع إلي كارثة حتي نستنهض في أنفسنا الهمة والقدرة علي مواجهة تداعياتها ومعالجة أسبابها؟ قد يصح ذلك لو أننا في مواجهة كارثة طبيعية داهمتنا قضاء وقدرا‏.‏ أما حينما تأتي الكوارث من صنع أيدينا ولأسباب لاتخفي علي أحد‏,‏ فإن ذلك لا يمكن قبوله أو اعتماده منهجا تقف فيه إرادة المجتمع عند حدود رد الفعل‏.‏

لقد جاءت نكسة يونيو عام‏1967‏ بأشد الكوارث في تاريخنا الحديث‏,‏ فأعدنا بناء قواتنا المسلحة من المربع صفر علي أسس مختلفة‏,‏ وعندما أطل التطرف والإرهاب الأسود فرض علينا إعادة النظر في أوضاع مؤسساتنا الأمنية‏,‏ وبعدما توالي سقوط الضحايا من الأبرياء علي قضبان السكك الحديدية‏,‏ حظي هذا القطاع باهتمامنا وبدأنا محاولات جادة لتحديثه‏,‏ وغيب الموت في أعماق البحر آلافا من المواطنين الأبرياء حتي لقي النقل البحري شيئا من الاهتمام‏,‏ وأخيرا حصد الموت عددا من الأرواح في الدقهلية ضحية لاختلاط مياه الشرب والصرف الصحي وانتبهنا ففتحنا ذلك الملف ومازلنا نفكر في سبل العلاج‏..‏ والحقيقة أن تتابع الأحداث علي هذا النحو يعني أننا مجتمع لايعمل إلا في ظل الكوارث‏,‏ ويعيش في حالة من الترقب الدائم للمزيد منها‏.‏

إن الحقائق علي الأرض توحي بتناقض لابد من حسمه‏,‏ وهذا التناقض قائم بين المركز والأطراف في الدولة‏.‏ فخلال الأشهر القليلة الماضية حققت الحكومة المركزية نجاحا لاسبيل إلي إنكاره‏,‏ حين استطاعت ضخ نحو‏35‏ مليار جنيه في شرايين الاقتصاد المصري في ثلاثة مشروعات هي‏:‏ رخصة شبكة المحمول الثالثة‏,‏ وبيع بنك الإسكندرية‏,‏ ومشروع إعمار منطقة سيدي عبد الرحمن‏.‏ ولن تقف الجدوي الاقتصادية لهذه المشروعات الثلاثة عند حدود المليارات التي تم الحصول عليها‏,‏ وإنما سوف تتجاوزها إلي تعظيم قدرات اقتصادنا بإيجاد مؤسسات جديدة وحديثة قادرة علي تحقيق تنمية حقيقية‏.‏ وفي الوقت الذي كانت الحكومة تحقق فيه ذلك الإنجاز‏,‏ كانت قطارات السكك الحديدية قد تهالكت‏,‏ وكانت العبارات تغوص إهمالا في أعماق البحر‏,‏ وكان مواطنون بسطاء يدفعون حياتهم ثمنا للإهمال وانعدام المسئولية‏.‏

ولايعني هذا التناقض أن تتحمل الأطراف في الدولة المسئولية عما يحدث‏,‏ فالحكومة المركزية هي الأخري مسئول رئيسي في هذه الكوارث‏.‏ فحين تقع الواقعة تتفرق دماء ضحاياها‏,‏ بين مؤسسات ووزارات وهيئات ومحافظات‏,‏ حتي لم تعد لدينا القدرة علي تحديد المسئولية ومحاسبة الجناة‏..‏ هكذا كان الحال في كل الكوارث التي ألمت بنا خلال السنوات الماضية‏ فمما لاشك فيه أن الحكومة مسئولة أولا بتصوراتها عن حجم المجتمع الذي تحكمه‏,‏ فاحتكرت كل السلطات‏,‏ وتركت الأطراف مغلولة اليد‏,‏ تعاني ضيق ذات اليد في مواجهة المشكلات القديمة والمتجددة‏.‏ وهنا تكمن المشكلة إذ إن مصر أصبحت مجتمعا كبيرا يسكنه قرابة‏75‏ مليون شخص لايمكن أن تدار شئونهم من وزارات تمركزت ماديا ومعنويا في العاصمة المكدسة بالبشر والقضايا والاهتمامات‏.‏

إننا منذ سنوات طويلة‏,‏ ونحن نتحدث عن اللامركزية وتوزيع السلطات واختزال المسافة بين السلطة واهتمامات المواطن في كل أنحاء مصر‏,‏ إلا أن ذلك كله ظل موضوعا للحديث دون الفعل الحقيقي‏,‏ الذي يقترب بالدولة بكامل أجهزتها من هموم المواطن ومتاعبه ومشكلات حياته اليومية‏.‏ فما حدث في الدقهلية كارثة تستحق الاهتمام السريع لتدارك الأسباب والنتائج‏,‏ والاهتمام المستمر لعلاج العلة التي أدت إلي وقوع ما حدث في الدقهلية ومن قبلها في مناطق متفرقة من مصر‏,‏ حيث تتعدد الكوارث وتتشابه الأسباب إلي حد التطابق‏.‏

والغريب أن من يبحثون في أسباب الكوارث والأزمات يرونها حدثا مفاجئا غير متوقع‏,‏ وهو ما يخالف واقع الحال في الكوارث التي ألمت بنا‏,‏ فلم تكن أي منها مفاجئة لأحد بل كانت معروفة‏,‏ ومتوقعة من واقع التقارير الإدارية والدراسات العلمية‏..‏ هكذا كان الحال في غرق العبارات وحوادث السكك الحديدية‏,‏ وأخيرا في تلوث مياه الشرب في الدقهلية‏,‏ ولا أدري ما الذي يفيقنا من غفوتنا؟ فأكثر من دراسة علمية أجريت قبل عامين بمعرفة أساتذة من جامعة المنصورة التي لاتبعد عن مقر محافظة الدقهلية أكثر من كيلو متر واحد تحذر ـ بكل الدلائل العلمية ـ من خطورة مياه الشرب في المنطقة‏.‏

وأغلب الظن أن الباحثين والعلماء تملكهم اليأس من استجابة الجهات التنفيذية لما تكشف عنه بحوثهم ودراساتهم من مشكلات تنذر بكوارث شتي‏.‏ فلماذا لم تستجب هذه الجهات لكل المؤشرات التحذيرية السابقة في المنطقة نفسها والتي تبعها انتشار ميكروب التيفويد في إحدي قري ميت غمر بسبب مياه الشرب منذ أربع سنوات‏,‏ ومنذ ثلاث سنوات في كفر الشيخ؟ ثم إن واقع الحال في تلك المناطق يكشف عن كوارث محتملة بمجرد النظر إلي مصادر مياه الشرب‏,‏ والكيفية التي تعامل بها الترع من الجميع ـ أجهزة ومواطنين ـ وهي مصدر المياه لمحطات المعالجة‏.‏

أسامة سرايا

وحينما نزلت بالأهالي الكارثة‏,‏ لم يجد مسئولو الأجهزة المعنية بديلا عن التملص من المسئولية‏,‏ وإلقاء تبعاتها علي غيرهم‏,‏ قبل أن يفكروا في تدارك الأزمة‏.‏ وكان نصيب المواطنين من تلك الاتهامات قاسما مشتركا في حملة تبادل الاتهامات بين هؤلاء المسئولين‏,‏ فلقد اتهموا المواطنين بأن استخدامهم الطلمبات الحبشية هو السبب في تلوث مياه الشرب وفي الأمراض المنتشرة‏,‏ وسرعان ما تقرر البدء في إنشاء خط مياه جديد للقري المحرومة تجنبا لاستخدام المياه المسحوبة من الطلمبات الحبشية‏.‏ ولا أحد يدري كيف تركت تلك الطلمبات القاتلة تستخدم بدون توعية أو إجراء قانوني حتي وقعت الكارثة‏..‏ أليس من مسئوليات الأجهزة المعنية توعية المواطن بالأخطار‏,‏ وإجباره علي تصحيح سلوكياته‏,‏ التي تتعلق بحياته وصحته وصحة الآخرين؟ إن كارثة التسمم المائي أوالغذائي في الدقهلية سوف تنتهي بإيجاد حلول دائمة أو مؤقتة‏,‏ وسوف تتفرق المسئولية ويهرب الإهمال في انتظار فرصة أخري لكارثة جديدة‏.‏

وفي هذا الصدد أقول إن حالة الترقب والفزع التي جاءت بها حالات التسمم والوفاة‏,‏ حفزت كثيرا من الأقلام التي راحت تكيل الاتهامات في كل اتجاه‏,‏ حتي قبل أن تتضح الحقائق وتعرف الأسباب‏.‏ فلقد كانت الرغبة عارمة في صبغ الأزمة بطابع سياسي‏,‏ وإدخالها معترك الصراعات السياسية والحزبية والخروج بها من نطاقها المحلي الضيق إلي نطاق وطني أوسع‏,‏ حتي تصبح إحدي أوراق المناورات التي تغص بها حياتنا السياسية والحزبية‏.‏

وأقول إننا في مسلسل الكوارث التي حلت بنا‏,‏ نواجه جميعا أزمة في التنبؤ والتوقع والتفكير العلمي والمواجهة الصحيحة واستخلاص الدروس‏.‏ ولن نستفيد كثيرا من جلد الضمير الوطني وانتهاز الفرص من أجل الخلاص الفردي‏.‏ فالكل يرغب في أن ينأي بنفسه عن كل مشكلة وكل أزمة‏.‏ كما أصبح كل فرد راغبا في أن يخلص نفسه من المسئولية وسعيدا بتحميلها للآخرين‏..‏ وهذا أمر خطير‏,‏ فنحن لسنا في عصر الطوفان لكي نضع الآخرين تحت أقدامنا لكي ننجو ونتركهم يموتون‏,‏ ففرص النجاة الجماعية من الكوارث تكون دائما قائمة حين تقصر المسافة بين المسئولية العامة والمسئولية الفردية‏.‏

إن المشكلات التي نعانيها هي ناتج عمل جماعي ولن تجد طريقها إلي الحل إلا بعمل جماعي أيضا‏,‏ تتحمل فيه الحكومة مسئولية قيادة هذا العمل‏,‏ لا أن تحمل بعضنا المسئولية كلها أو بعضها‏ والحقيقة أن هناك إسرافا في استخدام كلمة البسطاء من جانب المواطنين والمسئولين علي السواء‏,‏ في محاولة لرفع المسئولية عنهم‏,‏ فيما يقومون به من أعمال تلحق الضرر بهم وبغيرهم‏.‏

فالبسطاء من السائقين ينشرون الموت علي الطرق كل يوم‏,‏ والبسطاء من الباعة يفترشون منتصف الشوارع فيزيدونها اختناقا‏,‏ والبسطاء من المواطنين في طول البلاد وعرضها يلقون في النيل كل أنواع المخلفات‏,‏ والبسطاء من الناس ملأوا الطريق الدائري ومدينة نصر وغيرها بمخلفات المباني‏,‏ فضاقت الطرق علي مستخدميها‏.‏

إن قائمة طويلة من السلوكيات الضارة يقوم بها البسطاء وغير البسطاء في غيبة من التوعية الضرورية واللازمة وغفوة القانون‏ إننا جميعا نشكو ولانعرف من الذي يسبب كل تلك المشكلات؟ في موقف شبيه بما حدث للحسن البصري حين جلس يوما يعظ الناس في أحد مساجد بغداد‏,‏ فذكرهم بجزاء أعمالهم حتي أصبح الحضور بين منتحب وباك‏.‏ وكان الرجل قد وضع مصحفه إلي جواره‏,‏ وما إن وجد الناس يبكون حتي نهض من مجلسه‏,‏ فلم يجد المصحف فذهب يسأل الناس عنه‏. فلم يرد عليه أحد من شدة البكاء‏,‏ فقال قولته الشهيرة‏’‏ كلكم يبكي فمن سرق المصحف؟‏.‏

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى