مقالات الأهرام اليومى

عاصفة بابا الفاتيكان

تكاد العاصفة‏,‏ التي أثارتها محاضرة بابا الفاتيكان بيندكت السادس عشر حول الإسلام ونبيه الكريم‏,‏ تهدأ مثل غيرها من العواصف التي هبت علي العالم الإسلامي من الشمال الغربي‏,‏ لكنها لابد أن تترك علي الجانبين إشارات تحذير للعلاقة التي تحكم التعايش والسلام في عالم اليوم والغد‏.‏

لقد كان رد الفعل الإسلامي‏,‏ عشية محاضرة البابا ولمزه الإسلام ونبيه‏,‏ شديد الانفعال وعصبيا بحجم القائل وما قاله‏,‏ والسياق الذي يحيط بالعلاقة الحالية بين الغرب والإسلام بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام‏2001‏ في نيويورك وواشنطن‏,‏ لكن تغيرات كثيرة طرأت علي الموقف الإسلامي من القضية الذي استبدل فيه عقلاء المسلمين الحوار الفكري لتفنيد ما جاء علي لسان البابا بالهجوم المنفعل الذي ظهر عقب المحاضرة‏.‏ وتشير تلك التحولات إلي أن العقل الإسلامي بدا الآن أكثر وعيا وفهما لحقيقة ما قيل وتأثير الظروف المحيطة‏,‏ وتوقف كثيرا أمام الأخطاء العقلية والعلمية والدينية التي وردت في حديث البابا عن الإسلام ونبيه‏.‏ وكان خطاب عقلاء المسلمين والمسيحيين علي السواء هو أكثر الردود تاثيرا وابقاها في الحوار الممتد بين الإسلام والغرب‏.‏

وقد تابعت هذا الأسبوع مقالات فضيلة الإمام الأكبر الدكتور محمد سيد طنطاوي شيخ الأزهر علي صفحات الأهرام والتي رد فيها علي ما أثاره بابا الفاتيكان من افتراءات‏.‏ وتعد في مجملها درسا في أدب الحوار العلمي العقلاني الرشيد بقدر ما تسمح به المقالة الصحفية‏.‏ وأحسب أن لغة تلك المقالات ومنهجيتها تعد إضافة مهمة إلي ما ينبغي أن يتسم به حوار الأديان الذي لن توقفه أخطاء حبر الفاتيكان الأعظم‏.‏

إن القراءة الهادئة لما قاله البابا في محاضرته تكشف عن أخطاء كثيرة لاتليق بتاريخ الرجل أو مكانته في العالم المسيحي‏.‏ فلقد وقع في مغالطات وتناقضات كثيرة‏,‏ لعل أبرزها مايلي‏:‏

أسامة سرايا
أولا‏:‏ كما قالت صحيفة نيويورك تايمز في افتتاحية لها فإن العالم لديه الآن ما يكفيه وأكثر من مسببات الحنق والغضب والتوتر حتي يأتي بابا الفاتيكان ليستقي من بطون التاريخ أقوالا تزيد العالم توترا وقلقا‏,‏ وتزرع المزيد من أسباب الصراع‏,‏ وتضع الأشواك في طريق السلام والتعايش بين سكان الأرض‏.‏

ثانيا‏:‏ محاولة استثمار حالة الغضب السائدة في الغرب المسيحي ضد المسلمين بسبب الهجمات الإرهابية التي تتابعت علي الولايات المتحدة وأوروبا الغربية‏.‏ فمن الصعب علي أي مراقب ألا يفهم حديث الحبر الأعظم عن الإسلام إلا في السياق الراهن المعادي‏,‏ حيث استخدمت تعبيرات الفاشية الإسلامية بديلا عن الجهاد والحرب العالمية علي الإرهاب‏,‏ حين أصبح الإرهاب في الوعي الغربي مرادفا للمسلمين‏.‏ كما أن حديث البابا بدا مسوغا لمحاولات الصقور من الساسة الغربيين في فرض الهيمنة علي العالم الإسلامي وثرواته الهائلة‏.‏ وهكذا أعاد البابا إلي الأذهان تلك الصورة التاريخية الكريهة لرجال الدين حين يعملون لخدمة مصالح السياسيين‏.‏

ثالثا‏:‏ إن حديث البابا عن الإسلام لم يكن في صلب موضوع المحاضرة التي أراد بها دعم مشروعه المثير للجدل‏,‏ وهو استعادة أوروبا إلي أحضان المسيحية الكاثوليكية‏,‏ علي الرغم من الفارق العددي الكبير بين من يعيشون في أوروبا وخارجها من الكاثوليك‏,‏ وهو ما يهدد الجميع بمشكلات كثيرة‏..‏ وهذه الرؤية التي جاء بها البابا دفعته إلي تغيير مسمي‏’‏ لجنة حوار الأديان‏’‏ إلي لجنة‏’‏ حوار الثقافات‏’,‏ وهو ما اعتبره البعض تراجعا عما انتهي إليه المجمع الفاتيكاني الثاني في النصف الأول من ستينيات القرن الماضي من اعتراف بالديانات الإبراهيمية والحوار معها‏.‏ كما توقفت مجلة شهيرة كان يصدرها الفاتيكان‏’‏ باسم إسلامو كريستيانا‏,‏ وهو تغير ملحوظ في سياسات الفاتيكان التي دأبت خلال عهد البابا يوحنا بولس الثاني علي إقامة عالم جديد تسوده قيم الحرية والعدالة والسلام ومكافحة الكثير من الأمراض الاجتماعية السائدة في عالم اليوم‏.‏ والذي لايعلمه بابا الفاتيكان هو أن المسيحية دين أكبر كثيرا من مشروعه الذي يضر بالمسيحية أكثر من غيرها‏.‏

رابعا‏:‏ إن البابا لم يلتفت إلي الربط المحتمل بين مواقفه وأقواله‏,‏ ففي عام‏2004‏ أعلن معارضته لانضمام تركيا إلي الاتحاد الأوروبي حتي تخلص أوروبا مسيحية تخضع لقداسته‏,‏ والتضحية بما دفعته أوروبا طوال قرون عديدة في سبيل قيم التحرر والعقلانية والتسامح‏.‏ وفي المحاضرة الشهيرة لم يجد البابا ما يستشهد به عن الإسلام إلا ذلك الحوار الذي دار بين عالم فارسي مسلم والإمبراطور البيزنطي مانويل الثاني الذي تولي السلطة عام‏1391,‏ وبصرف النظر عن صحة الرواية نفسها‏,‏ فإن مانويل حينما كتب تلك الرواية كانت الإمبراطورية البيزنطية تتداعي‏,‏ وكانت جيوش الأتراك قد وصلت إلي نهر الدانوب‏,‏ واستولت علي بلغاريا وشمال اليونان‏,‏ وهزمت مرتين جيوش الخلاص التي أرسلها الملوك الأوروبيون لإنقاذ الإمبراطورية الرومانية الشرقية‏.‏

وكان مانويل هذا قد جاب الدول الأوروبية في محاولة لحشد التأييد له في حربه ضد الأتراك المسلمين‏,‏ وتعهد بتوحيد الكنيسة‏.‏ وكما يقول يوري افنيري‏,‏ وهو كاتب إسرائيلي إنه من المحتمل أن يكون مانويل قد كتب قصته التي اسشهد بها البابا في محاضرته لإثارة النعرة المسيحية وإقناع الأوروبيين بحملة صليبية جديدة‏,‏ وبعد وفاة مانويل بسنوات قليلة كانت عاصمة إمبراطوريته قد تداعت لتسقط في أيدي الأتراك المسلمين‏.‏

إن موقف البابا الرافض لانضمام تركيا للاتحاد الأوروبي رددته تلك الاقتباسات من إمبراطور دارت بينه وبين الأتراك المسلمين حرب لم تكن دينية بقدر ما كانت سياسية‏.‏ فهل أراد البابا بعث مشاعر العداء من بطون التاريخ‏,‏ والحفاظ علي أوروبا مسيحية لايخالطها كيان مسلم‏,‏ فوجد ضالته في حوار بين عالم مسلم وإمبراطور بيزنطي تصدعت أركان دولته تحت ضربات الجيوش الإسلامية التركية؟

والحقيقة أن أوروبا كثيرا ما برهنت علي رغبتها في الخروج من عباءة العداء للإسلام‏,‏ ودعم أواصر التعاون مع المسلمين وغيرهم‏,‏ في إطار من الفهم الواعي لمنافع إحلال السلام والتعاون محل المواجهة والعداء‏.‏ وهذا الاتجاه ربما لايرضي الحبر الأعظم ولايحقق طموحات مشروعه الضئيل فانضم بوعي أو غير وعي إلي المحافظين الجدد لعله يجد فيهم عونا مثلما وجدوا في تصريحاته دعما لأهدافهم السياسية والاقتصادية‏.‏

ومهما يكن وقع كلمات البابا علي المسلمين‏,‏ فإن تلك الاتهامات‏,‏ التي اقتبسها من إمبراطور بيزنطي موتور‏,‏ لم تنل من الإسلام مثلما لن تنال منه أقوال سوف تتردد في المستقبل ممن يحملون للإسلام والمسلمين كراهية غير مبررة‏.‏ فقد أفادتنا سقطة البابا في محاضرته الأكاديمية‏,‏ وفتحت بابا للحوار الجاد والبناء حتي داخل المجتمعات الأوروبية المسيحية‏.‏ وأتاحت لنا فرصا متعددة لأن نتحدث ونرد ونصحح مفاهيم مغلوطة عن ديننا وعن ثقافتنا‏.‏ وقدر لنا أن نختبر قدرتنا علي الحوار ومجابهة قوي التطرف مهما يكن رداؤها ومهما تكن شعاراتها‏.‏

ولم يعد أحد من المسلمين اليوم ينتظر اعتذارا صريحا أو ضمنيا من البابا عما بدر منه في حق الإسلام ونبيه الكريم‏,‏ برغم أنه كان بوسعه أن يقدم اعتذارا مقنعا‏,‏ ويدرك أن الكلمات يمكن أن تشفي كثيرا من الجراح‏.‏ فقد خرج الإسلام من هذه القضية منتصرا برغم محاولة الإساءة إليه‏.‏ وتعرض البابا لنقد مسيحي حاد في كثير من دول العالم‏,‏ وفطن عقلاء المسلمين إلي أن أنجع أساليب المواجهة هو الحوار‏.‏ ومابين النقد المسيحي وردود علماء المسلمين أتيح للغربيين أن يقرأوا كثيرا عن تلك الفرية التي ترددت طويلا حول انتشار الإسلام بحد السيف‏.‏

فلقد كتب يوري افنيري حول تلك الفرية متسائلا عن الكيفية التي تعامل بها حكام المسلمين مع أصحاب الديانات الأخري حينما كانت لديهم القوة الكافية لنشر الإسلام بحد السيف‏,‏ حيث حكم المسلمون اليونان قرونا ولم يتحول اليونانيون إلي الإسلام واعتلي كثيرون منهم مناصب رفيعة في الإدارة العثمانية‏,‏ وهكذا كانت أحوال البلغار والصرب والرومانيين‏.‏ وفي الأندلس كان من بين اليهود شعراء ووزراء وعلماء‏.‏

إن قصة نشر الإسلام بالسيف أسطورة شريرة ترددت في الحروب الصليبية‏,‏ ومحاولات استعادة الأندلس‏,‏ وصد جيوش الأتراك عن فيينا‏.‏ فأي حرب جديدة يبشر بها الحبر الأعظم حتي يردد تلك الخرافة؟

إنه من الخطا القول إن عالم اللاهوت المسيحي وزعيم العالم الكاثوليكي يثق بتلك الروايات‏,‏ أو أنه لم يدرس جيدا تاريخ الأديان الأخري‏.‏ فالرجل افتقد الحكمة فيما قاله في الظروف الراهنة علي الأقل‏,‏ ولم تسعفه حكمته في أن يري حديثه وقد أسيء تفسيره من جانب المسلمين والمسيحيين واليهود علي السواء‏.‏ وعليه أن يتحمل وحده أي تفسير يذكر لكلماته المسيئة عن الإسلام‏.‏

وهناك آخرون يشاركون البابا في خطيئته ضد الإسلام والمسلمين‏,‏ وهم الذين جعلوا النيل من تلك الديانة السماوية وأتباعها والهجوم عليهما معا ستارا يخفي مطامعهم وأهدافهم السياسية والاقتصادية‏.‏ فالتصريحات السياسية للرئيس الأمريكي جورج بوش ونائبه ديك تشيني ووزير دفاعه دونالد رامسفيلد تمهد الأرض للمزيد من العداء‏,‏ وتربط ربطا تعسفيا بين الإسلام والإرهاب‏,‏الأمر الذي يجعل الحرب علي الإرهاب في نهاية الأمر حربا علي الإسلام في الضمير الغربي‏,‏ برغم أن كثيرا من بلدان العالم الإسلامي عانت من ويلات التطرف والإرهاب‏,‏ حين كان الإرهابيون يجدون لدي بعض الحكومات الغربية ملاذا وحماية‏.‏ وهذه التصريحات يتردد صداها في التضييق علي المسلمين والتنصت علي مساجدهم المنتشرة في كثير من المدن الأوروبية والأمريكية‏,‏ والهجوم المستمر علي الإسلام في الصحف الغربية‏,‏ وإهانة المصاحف في سجون جوانتانامو وأبو غريب‏.‏وهناك بين السياسيين ورجال الدين من يريدون للعالم أن ينقسم إلي كتلتين تتأجج بينهما صراعات وحروب‏,‏ وتخضعان لمشاعر الخوف والرهبة حتي يتمكنوا من تحقيق أهدافهم الخبيثة‏.‏

لقد خدمت كلمات بابا الفاتيكان الإسلام ولم تضره وفتحت بابا للحوار لا يمكن إغلاقه‏.‏ وتؤكد الوقائع التاريخية دائما قدرة الإسلام علي تجاوز المحن سواء من داخله‏,‏ أو من أعدائه علي حد سواء‏,‏ فالمتطرفون والكارهون في الموقع نفسه‏.‏ وقد أصبحت المعركة واحدة‏.‏ ونحن نملك القدرة الآن علي تجاوز الإرهاب والتطرف في الداخل‏,‏ وتصحيح أوضاعنا وتقديم الوجه الصحيح لإسلامنا في الجوهر والشكل معا‏,‏ وأيضا القدرة علي مواجهة الانعزاليين‏,‏ والتخلص من الآثار السلبية التي أوجدها التطرف في ظل نظام عالمي تقوده الأحادية‏,‏ ويخطط له المتعصبون من أجل تديين السياسة وإحياء الصراعات‏,‏ في محاولة للهروب من أزماته الداخلية الطاحنة‏.‏

إن محاضرة بيندكت السادس عشر لاتخصنا‏,‏ وقد أخطأت العنوان‏,‏ فالأزمات الغربية الداخلية لن ينفعها نقل المعركة مع الشرق عسكريا‏(‏ كما يفعل جورج بوش الابن‏),‏ أو مع الإسلام فكريا وثقافيا كما فعل البابا‏.‏ وإنما يجب معالجة جذور وخطايا السياسة العالمية وتجفيف منابع الإرهاب وإحيائه العدل الغائب فيما يسمي النظام العالمي الجديد الذي يندفع في الحروب والسياسات الظالمة للشعوب الفقيرة‏.‏ نعم لقد حانت اللحظة التي يجب أن يعود فيها هذا النظام لرشده ووعيه‏,‏ وينظر بعمق إلي الاختلالات الجوهرية والمظالم التي أوجدت التطرف والعنف‏,‏ وتهدد السلام العالمي‏.‏

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى