مقالات الأهرام اليومى

نحو أفق جديد لمصر

لم يكن المؤتمر الرابع للحزب الوطني الذي اختتمه الرئيس حسني مبارك بكلمة جامعة وشاملة مثل غيره من المؤتمرات التي سبق أن عقدها الحزب برغم أهميتها جميعا‏,‏ فلقد جاء هذا المؤتمر مختلفا بحجم التحديات التي تواجه الحزب نفسه‏,‏ ومختلفا بحجم التوقعات عما يأتي به ويترتب عليه‏,‏ ومختلفا بطبيعة المرحلة التي تمر بها تطورات الحياة السياسية في مصر‏,‏ فلقد سبقت جلساته تحليلات وتوقعات في الداخل والخارج‏,‏ حتي إن البعض ذهب في تحليلاته إلي أن هذا المؤتمر هو النقطة الفاصلة في مسيرة الحياة السياسية المصرية‏.‏ وقد سرت عبر التحليلات والتوقعات شائعات‏,‏ وترددت أقاويل‏,‏ وطرحت سيناريوهات‏,‏ الأمر الذي زاد من حالة الترقب التي سبقت انعقاده‏,‏ وكان طبيعيا أن يحظي بمثل هذا الاهتمام وأن يخضع لهذا الترقب‏.‏

ثلاثة أيام عاصفة استغرقتها جلسات المؤتمر ومناقشاته‏,‏ بدا فيها أن الحزب وضع لنفسه أجندة عمل واضحة وشديدة التحديد‏,‏ وكان هناك عزم علي الوصول إلي حلول لما تضمنته هذه الأجندة من قضايا ومشكلات‏,‏ ولم تخرج المناقشات عن تلك الأجندة‏,‏ ولم تفلح التوقعات والسيناريوهات التي سبقت جلسات المؤتمر في أن تحيد به عما اعتزم البحث فيه والنقاش حوله‏.‏ ويبدو أن استعدادا هائلا قد بذل في الإعداد له‏,‏ وكان واضحا أن المشاركين في جلساته قد أعدوا أنفسهم جيدا لتلك المهمة التي اجتمعوا من أجلها‏.‏ فاتسم أداء الحزب بكثير من الحيوية والمكاشفة‏,‏ وسادت الجلسات روح الإصرار علي مواصلة مسيرة الإصلاح والعمل الجاد من جانب الحكومة والحزب بهدف تحقيق مصلحة المواطن البسيط وتأمين احتياجاته وحقوقه واستشراف مستقبل الحياة في مصر‏.‏

لقد جاء المؤتمر تعبيرا عن ملامح جديدة للحزب في انطلاقته الثانية‏,‏ وبدا أقل اهتماما بما أنجز وأكثر اهتماما بما يعمل علي إنجازه‏,‏ وكان لدي الحزب بالفعل ما يحتفل به‏,‏ وما يشعره بالرضا عن نتاج أعماله خلال العام الماضي‏,‏ ولكنه همش هذا الإحساس‏,‏ وقرر أن يتطلع قدما إلي الأمام‏,‏ مرجحا طرح رؤي للمستقبل لتكون هي بنده الأول‏.‏ وهنا ظهرت الدراسات والمناقشات والمراجعات والاعتراف بالأخطاء‏,‏ والحرص علي استمرار مسيرة الإصلاح‏.‏ ونشير هنا إلي أن يد الحزب قد امتدت لمختلف القوي السياسية للمشاركة الفعلية في عملية الإصلاح السياسي‏,‏ وقد وضع نصب عينيه الانحياز التام للصالح العام‏,‏ وكان لدعوة الرئيس مبارك إلي إجراء حوار مع أحزاب المعارضة أثر واضح في تحريك مياه الإصلاح عبر مختلف روافد العمل السياسي‏.‏

والملاحظ أن مؤتمر الحزب لم يقع فريسة للتكرار والخطب الإنشائية التي تميز الكثير من احتفالاتنا ومؤتمراتنا‏.‏ وإنما كان بمثابة مرآة تعكس حالة الحراك‏,‏ والحيوية السياسية‏,‏ والمرحلة الحالية التي تعيشها مصر‏,‏ خاصة خلال الشهور الماضية التي أعقبت الانتخابات البرلمانية‏.‏ وأثبت الحزب أنه بالفعل أكثر الأحزاب المصرية حرصا علي إجراء نقاشات عميقة ودراسات وافية حول القضايا التي تخص الإصلاحات الدستورية والسياسية وإصلاح الحزب نفسه كمؤسسة‏,‏ وتدريب أعضائه علي العمل والعطاء المتواصل‏,‏ فقد كان هو الأكثر تحركا في التوجه إلي الأقاليم والمحافظات‏,‏ والتلاحم مع المواطن ودراسة مختلف الرؤي التي تعيد إصلاح أنظمة التعليم‏,‏ والتأمين الصحي‏,‏ وتحل مشكلات البطالة والخدمات‏.‏

ولاشك أنه لا يمكن إنكار أن روحا جديدة هي التي تهيمن الآن علي أعضاء الحزب فلم ينس القادة والأعضاء أنهم ملزمون بتنفيذ برنامج تعاهدوا عليه مع الشعب عندما انتخبوا الرئيس مبارك‏,‏ وعليهم أن يذللوا جميع العقبات التي قد تعيق تنفيذ محاوره الأساسية‏:‏ السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية‏..‏ ولهذا كانت المراجعة مستمرة ودقيقة فقد قدمت الحكومة كشفا عسيرا للحساب قبل مؤتمر الحزب‏,‏ أعدت خلاله الأوراق‏,‏ وقامت بتمحيص الأرقام لكي تخرج دقيقة ومعبرة عما تحقق بالتحديد‏,‏ وحتي يمكن قياس ومعرفة موقع أقدامنا وإلي أين ستقودنا خطواتنا علي وجه اليقين خلال السنوات المقبلة‏,‏ فبالأرقام والإحصائيات يتم معرفة مدي واقعية ما تم تنفيذه‏,‏ ولم يعد الكلام عشوائيا بل إنه كلام مدروس دراسة دقيقة‏,‏ وهذا ملمح جديد يميز بالفعل التطورات التي حدثت داخل الحزب خاصة خلال انطلاقته الثانية‏.‏

وخلال المؤتمر كانت التساؤلات دقيقة ومعبرة عن احتياجات المواطنين للمرحلة المقبلة‏..‏ ومن هنا فإن علينا أن نراجع أنفسنا‏,‏ ونتحلي بروح المسئولية تجاه المواطنين‏,‏ وأن نقول الحقيقة لوجه الله‏..‏ إننا أمام عمل سياسي جدي له تأثير فعال علي مستقبل الوطن والأجيال القادمة‏..‏ وأمامنا حزب يتحرك ويؤثر في محيطه‏,‏ ويعيد صياغة سياسات حكومية‏,‏ ويعمل علي دفع القيادات إلي عمل سياسي متطور‏,‏ سيكون له بلا شك تأثيره علي المستقبل‏.‏

إن الإصلاحات الاقتصادية والتشغيل‏,‏ ومواجهة احتياجات الأسر الفقيرة‏,‏ ومحدودي الدخل قضايا احتلت أهمية بارزة في المؤتمر‏,‏ وقد أدركت الحكومة أن فتح الأبواب المغلقة أمام التقدم تكمن في الإصلاح الإداري والتعليمي وان عليها أن تصيغ عقدا اجتماعيا جديدا بينها وبين المواطن تضمن له تحسين نوعية الحياة بما يتضمنه ذلك من زيادة دخل المواطن‏,‏ وتمكينه من مواجهة ارتفاع الأسعار والارتقاء بالخدمات الأساسية‏.‏

لاحساسية في دخول عصر الطاقة النووية‏:‏

أسامة سرايا
ولم يغفل المؤتمر عن تقديم كل رؤاه للمستقبل‏,‏ سواء في إجراء المزيد من الإصلاحات الدستورية‏,‏ أو حتي في مجال الطاقة‏,‏ فقد كانت شجاعة استحقت التقدير عندما أعلن الأمين العام المساعد للحزب جمال مبارك أنه بات من الضروري الآن البحث عن مصادر طاقة بديلة خاصة الطاقة النووية السلمية‏,‏ وقد عبر بذلك عن رؤية إستراتيجية تأخذ في الاعتبار تطور استخدام الطاقة في مصر‏,‏ وزيادة الاستهلاك خلال السنوات العشرين المقبلة‏,‏ مما يثبت وجود دراسات جادة تبحث عن تحقيق التوازن في مختلف المجالات‏.‏

ولقد كانت الإصلاحات السياسية والدستورية هي الأبرز في المؤتمر حيث أخذت المكان الذي تستحقه‏,‏ حيث تقدم الحزب للبرلمان و للشارع السياسي باقتراحاته لإدخال تعديلات جوهرية في الدستور المصري‏,‏ خاصة في الباب المتعلق بنظام الحكم والعلاقة بين السلطات‏..‏ وسوف تلقي التعديلات والقضايا المطروحة اهتماما وتجاوبا بل وموافقة من كل الأحزاب والمهتمين بالشارع السياسي‏,‏ وبمستقبل الإصلاحات السياسية والدستورية في مصر‏,‏ لأنها تلبي جميع الطموحات بل وتتجاوزها‏.‏

وأكد الحزب أنه لن يحتكر التعديلات الدستورية‏,‏ وإنما سوف تشارك جميع التيارات والقوي السياسية في صياغتها‏,‏ وقد جاء ذلك علي لسان الرئيس حسني مبارك بأنه سوف يسمح بإعادة دارسة المادة‏76‏ بحيث يعطي للأحزاب حق الترشيح لمنصب الرئاسة‏,‏ فالتغييرات تشمل‏8‏ قضايا رئيسية تتركز كلها في باب نظام الحكم وتعزيز الفصل بين السلطات‏,‏ خاصة الفصل بين السلطتين التشريعية والتنفيذية‏,‏ وهو ما من شأنه أن يحقق توازنا فيما بينهما بروح تتسم بالاستقلالية‏,‏ وليس الانعزالية‏,‏ وإعادة توزيع الأدوار بين السلطة التنفيذية‏,‏ بحيث يحصل منصب رئيس الوزراء علي الكثير من الاختصاصات السابقة لمنصب رئيس الجمهورية مما يقترب من النظام البرلماني‏,‏ وفي الوقت نفسه يحتفظ بسماته الأساسية بحيث يؤدي إلي زيادة تفعيل المنصبين‏,‏ وحصول البرلمان علي سلطات ودور أكبر من مجلس الوزراء يسمح له بالرقابة الكاملة علي الموازنة العامة للدولة‏,‏ وسحب الثقة من الحكومة في حالة فشله‏.‏

وسوف يؤدي ذلك إلي تغيير جوهري في الدستور وفي نظام الحكم الحالي الذي يقربنا من النظام البرلماني‏,‏ وهو إن لم يكن مطلقا فإنه يوسع من دائرة أخذه بالمظاهر البرلمانية مما يخلق مزجا بين النظام البرلماني والرئاسي ترتكز فيه المشروعية علي الإرادة السياسية التي يعبر عنها المواطن خلال الانتخابات الرئاسية والبرلمانية ويحدث تغيرا في النظام الانتخابي‏,‏ ويدعم الأحزاب باعتبارها بيت السياسة ومصنع إعداد القادة للمجتمع ويحمي الأقليات‏,‏ ويدعم لامركزية المحليات بصياغات دستورية جديدة وبقانون جديد للحكم المحلي يعطينا الأمل في انتعاش حقيقي للدور الذي تلعبه المحليات‏..‏ ولعل خطوة إعداد مخططات الأحوزة العمرانية للقري المصرية‏,‏ وإعادة تخطيط القري والمدن كانت من أهم الخطوات التي تجعلنا نأمل في انتهاء عصر العشوائيات مع تنفيذ مخططات للقضاء علي العشوائيات الحالية وترييف القاهرة والمدن‏..‏ مخططات تعود بنا إلي إعادة هجرة أبناء المدينة إلي القرية وليس العكس‏.‏

ولعلنا نقف بكثير من الانتباه أمام تعزيز حق المواطنة وتدعيم الديمقراطية التي هي من أبرز أولويات الحزب منذ سنوات عديدة‏,‏ وسوف تكون كذلك لأعوام مقبلة‏,‏ حتي يتم دعم جميع حقوق المواطن في عملية تطور مستمرة‏,‏ ولا يمكن إنكار أنه تم بالفعل اتخاذ الكثير من الخطوات الجادة في هذا المجال‏,‏ مثل إقامة مجلس حقوق الإنسان‏,‏ وإلغاء القانون‏105‏ الخاص بمحاكم أمن الدولة‏,‏ وإنشاء محاكم الأسرة‏,‏ وقيام الرئيس بإلغاء الأوامر العسكرية التي صدرت بموجب قانون الطوارئ والمساواة بين الأب والأم في الجنسية‏,‏ وتعيين قاضية بالمحكمة الدستورية‏,‏ وأيضا يستمر النقاش حول إنهاء الإجراءات الاستثنائية‏,‏ وأهمها إلغاء حالة الطوارئ التي طالت جدا‏,‏ والعودة إلي الحالة الطبيعية مع حماية أمن الوطن والمواطن بقانون مكافحة الإرهاب الذي يطل علينا من حين لآخر‏.‏

وكل ذلك في إطار إيجاد روح وهوية ثقافية جديدة تعيد الوجه السمح إلي مصر‏,‏ وتقضي علي بعض ملامح التطرف ليس فقط في الشارع السياسي‏,‏ وإنما أيضا في جميع جوانب الحياة المصرية‏.‏

وقد لاحظنا خلال المؤتمر الاهتمام بمؤسسات التعليم المختلفة وعناصرها المتنوعة‏,‏ سواء المدرس أو الطالب‏,‏ وهو الحلم الذي تتطلع إليه جميع الأسر المصرية للتخلص من قيود الجهل والأمية‏,‏ فالتنمية البشرية والمجتمعية وبناء المؤسسات تحتل المرتبة المتقدمة‏,‏ وتسبق التنمية الاقتصادية والمادية فهي المحور الذي يحمي ويضمن استمرار التقدم والعطاء‏..‏

أيضا ظهرت قدرة البناء المؤسس للحزب الوطني حيث شهدناه يتفاعل عبر الجلسات العامة والحوارات النقاشية للجان ولم نجد صراعا خفيا كما تعودنا من قبل بين اعضائه‏.‏ بل وجدنا الاحترام ولمسنا تغير لغة الخطاب حول القضايا التي تتعلق بمستقبل الوطن‏,‏ واختفت المصالح الضيقة والشخصية‏.‏ فالمصريون أذكياء‏,‏ ويحدوهم الأمل في التغيير حين تختفي الأجندات الخاصة‏,‏ ويركبون جميعا قطار التطور والنمو‏,‏ وقد ظهر ذلك واضحا بين السياسيين ورجال الأعمال الذين كانوا يبحثون في الماضي عن مصالحهم الخاصة‏,‏ إذ إنهم هم أنفسهم الذين يقودون قطار الإصلاح العام‏,‏ وأمامهم فرص متزايدة لمجتمعهم وللمستقبل والأجيال القادمة‏.‏

لقد جاء خطاب الرئيس مبارك في ختام المؤتمر مترجما هذا الأفق الجديد لمصر‏,‏ ولعلي أقف أمام عبارة ذكرها الرئيس وأراها مفتاحا لكل عناصر القوة التي تتمتع بها مصر الآن‏,‏ فلقد قال إن سياسته حافظت علي السلام وسط رياح عاتية وأزمات متتالية‏,‏ حيث شهدت مصر أكبر فترة في تاريخها الحديث دون حروب ودون احتلال يمتهن سيادة الوطن وكرامته‏,‏ وكسبت المصداقية العالمية وثقة الأشقاء‏..‏ وأري أن هذه السياسة الحكيمة التي أوصلتنا الي بر الأمان‏,‏ وأحدثت التفاعل الداخلي الخلاق‏,‏ هي سر حكمة وقوة الرئيس مبارك وإخلاصه مع نفسه وشعبه‏..‏ وإننا بالمنهج نفسه قادرون علي اجتياز أزمة التغيير الداخلي‏,‏ وبناء بنية أساسية سياسية واقتصادية قادرة علي حماية مصر وحفظ الحياة الكريمة لشعبهاوالمكانة الإقليمية والعالمية الجديرة بها‏.‏

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى