مقالات الأهرام اليومى

حدث في سوق العمل

حينما طرح الرئيس مبارك برنامجه الانتخابي علي جموع المصريين استقبله الكثيرون بشئ من الأمل والرجاء في أن تتحقق طموحاته ليضع مصر علي أعتاب انطلاقة تنموية تجد نهاية لمشكلات اقتصادية وسياسية واجتماعية طال أمدها‏.‏ غير أن البعض منا وقف موقف المتشكك في قدرات الحكومة علي تنفيذ هذا البرنامج‏,‏ بل تجاوز البعض الحدود إلي التشكيك‏.‏ وإذا احتكمنا إلي صناديق الاقتراع فإن الغالبية العظمي من المصريين قد عبرت عن ثقتها وأملها في الرئيس مبارك وبرنامجه الانتخابي‏.‏ غير أن القلة الأخري ظلت ـ بعد أن قال الشعب كلمته ـ تزيد من حملات التشكيك في كل إنجاز‏,‏ وتهيل التراب علي كل عمل يترجم علي أرض الواقع شيئا مما جاء به ذلك البرنامج‏.‏

وهذا الأسلوب الذي لم تحد عنه كثير من أحزاب المعارضة منذ وقت طويل‏,‏ باعد بينها وبين الحزب الوطني من ناحية‏,‏ وبينها أيضا وبين الغالبية العظمي من المصريين من ناحية أخري‏.‏ فلا تلك الأحزاب تركت الحزب الوطني يواجه التحدي الذي يمثله برنامج الرئيس‏,‏ ولاهي قدمت شيئا يعتد به لوضع الحلول للمشكلات التي تواجه المصريين في حياتهم اليومية‏.‏ اكتفت تلك الأحزاب بصحفها التي تنعم في ظل حكومة الحزب الوطني بحرية غير مسبوقة وراح صوتها يعلو يوما بعد آخر‏,‏ تحاملا وتشكيكا في كل شئ‏,‏ وتجاوزا لكل الأعراف ومواثيق الشرف الصحفي في بعض الأحيان‏.‏

ومن الواضح أن تلك الأحزاب رضيت من نصيبها في الحياة السياسية بالصحف‏,‏ تملؤها صراخا وصخبا‏,‏ وتدافع بها عن وجودها الهش في الحياة السياسية المصرية‏.‏ بات الواجب اليومي لصحف المعارضة وأحزابها هو التصادم مع الحزب الوطني ورموزه‏,‏ بدلا من أن يخضع برنامجه وأنشطته لتقييم موضوعي من جانبها‏,‏ تدعم منه ما يستحق‏,‏ وتنتقد منه ما تراه في غير صالح الشعب‏.‏ وهذا هو معني المصلحة الوطنية التي لابد أن تكون دليل العمل السياسي لجميع الأحزاب علي السواء‏.‏ فحين تشكو أحزاب المعارضة بأن آراءها لاتحظي باهتمام الحزب الوطني‏,‏ فإنها مسئولة عن الحوار المفقود بين القوي السياسية مادامت لم تأخذ برنامج وإنجازات الحزب الوطني وحكومته بالجدية المطلوبة‏,‏ ونذرت جهدها الإعلامي للتشكيك فيه وفي رموزه‏.‏

وقبل أن يبدأ المؤتمر الرابع للحزب الوطني شرعت صحف المعارضة في رسم سيناريوهات‏,‏ وطرح توقعات‏,‏ والتلويح بانشقاقات ومعارضات داخل صفوف الحزب‏.‏ ومن الطبيعي والحال هكذا ألا يلام الحزب الوطني حين يستمر في مساعيه عبر الطريق الذي يراه‏,‏ دون اعتبار لتلك الأصوات التي تردد من زمن الكلمات والاتهامات نفسها‏.‏

ينعقد المؤتمر الرابع للحزب وعلي جدول أعماله تحديات البرنامج الرئاسي والتي تمثل في مجموعها ملامح المستقبل السياسي والاقتصادي لمصر‏.‏ وهي تحديات أجدر باهتمام المصريين‏,‏ وأدعي إلي دراستها والإنصات لما يقال بشأنها والتفاعل معها‏,‏ وتقويمها في إطار لايخرج علي المصلحة الوطنية والإجماع الشعبي حولها‏.‏ فقد انقضي عام كامل علي بدء تنفيذ البرنامج الرئاسي الذي اعتبرناه عقدا بيننا وبين الرئيس مبارك‏.‏

وقد آن الأوان أن نقف قليلا لنري الذي تحقق وكيف تحقق‏,‏ وأن نرقب ما سوف يتم في عام قادم‏.‏ نحن أمام برنامج يستغرق تنفيذه ست سنوات كاملة لايمكن اختزالها في عام واحد‏,‏ غير أن ماتحقق في العام الماضي هو الذي يحدد قدرة الحزب الوطني وحكومته علي مواصلة إنجازات السنوات الخمس القادمة‏.‏

أسامة سرايا

لعل أبرز ما جاء به برنامج الرئيس هو آليات مواجهة أكثر المشكلات حدة في حياة المصريين جميعا‏,‏ وهي مشكلة البطالة‏,‏ بتوفير‏4.5‏ مليون فرصة عمل علي مدي سنوات التنفيذ الست‏.‏ حين طرح هذا العدد من فرص العمل كانت شكوك البعض قد تجاوزت كل حد‏,‏ باعتبار ذلك خارج قدرات الاقتصاد المصري‏.‏ ورغم ضخامة هذا الرقم‏,‏ فإن الكثيرين كانت لديهم ثقة في القدرة علي تحقيق ذلك لسببين‏:‏

أولا‏:‏ أن مشكلة البطالة تفاقمت إلي حد ينذر بالكثير من الأخطار‏,‏ حيث إن خريجي المعاهد التعليمية يحتاجون إلي قرابة‏900‏ ألف وظيفة سنويا‏.‏ وهو رقم مخيف لايحتمل التأجيل أو التسويف أو الوعود‏.‏

ثانيا‏:‏ أنه حين يتصدي الرئيس مبارك لهذه المشكلة‏,‏ في أول برنامج انتخابي تشهده الحياة السياسية المصرية في تاريخها‏,‏ فلا بد أن يعد ذلك التزاما جديا بني علي دراسات حقيقية واستراتيجية عمل شاملة لمواجهة المشكلة‏,‏ فضلا عن طبيعة الرئيس التي تدفعه إلي المتابعة الدقيقة لمراحل التنفيذ المختلفة‏.‏

وعلي الرغم من أن العام الذي مضي جاء بظروف لم تكن مواتية لسوق العمل‏,‏ حيث أطل الإرهاب الأسود بوجهه القبيح ليضيق فرص العمل في قطاع السياحة‏,‏ وهو من أهم القطاعات المستوعبة للعمالة‏,‏ وجاءت إنفلونزا الطيور لتضرب صناعة متنامية وناجحة لتضيق أيضا فرص العمل في قطاع كان يستوعب أعدادا هائلة من المواطنين‏,‏ فإن النتائج النهائية لجهد حكومة الحزب الوطني في توفير فرص العمل جاءت مبشرة بالأمل في استكمال تحقيق وعد الرئيس‏.‏

بعد عام من بدء تنفيذ البرنامج‏,‏ وفي مواجهة مشكلة البطالة علي وجه التحديد تشير الإحصاءات الرسمية إلي أن‏850.200‏ عامل قد سجلوا أسماءهم وعناوين الشركات التي يعملون بها في سجلات التأمينات الاجتماعية‏,‏ وهو رقم مؤكد لأنه من غير المعقول أن يسجل في ملفات التأمينات إلا من التحق بعمل حقيقي‏.‏ هذه الوظائف أتيحت للعاملين في القطاع الخاص‏,‏ وإذا أضفنا‏73.512‏ وظيفة وفرها الجهاز الحكومي‏,‏ ومسجلة في صندوق تأمينات الحكومة‏,‏ فإن عدد الوظائف التي تم استحداثها في العام الماضي وحده يبلغ‏923.712‏ وظيفة‏.‏

وإذا كان عدد الذين خرجوا من التأمينات والمعاشات دون سن التقاعد أو الوفاة‏207.200,‏ فإن صافي عدد الوظائف المستحدثة في العام الماضي وحده يبلغ‏715‏ ألف وظيفة رسمية مسجلة في صناديق التأمينات‏.‏ والحقيقة أن هذا الرقم الذي يمثل إحصاءات رسمية لايعكس حقيقة عدد الوظائف المستحدثة في مصر في ظل سوق العمل التي تتسم بشيء من عدم التنظيم‏.‏ فمن المؤكد أن سوق العمل في مصر استوعبت أعدادا أخري هائلة من العمالة غير المسجلة رسميا‏,‏ وهذا واقع لايستطيع أحد إنكاره‏,‏ فليست كل العمالة في مصر مسجلة في التأمينات الاجتماعية‏.‏

نحن أمام إنجاز حقيقي خلال العام الأول‏,‏ وهو كفيل بدعم الثقة في قدرتنا علي توفير عدد الوظائف التي جاء بها برنامج الرئيس علي مدي السنوات الخمس المقبلة‏.‏ والحقيقة أن قدراتنا علي توفير الوظائف في المستقبل سوف تزيد‏,‏ حينما يبدأ العمل في كثير من المشروعات التي تم التخطيط لها‏.‏ وعلي سبيل المثال لا الحصر في الصعيد تبدأ الشهر المقبل أعمال شركة قابضة لتنمية الصعيد برأس مال مرخص‏400‏ مليون جنيه في أسيوط وفروع لها في المنيا وسوهاج وقنا‏,‏ كما تم تخصيص‏63‏ ألف متر مربع لتسعة مشروعات صناعية توفر نحو‏5000‏ وظيفة جديدة‏.‏

وفي جنوب الوادي خصصت الأراضي اللازمة لإنشاء ستة مشروعات صناعية عملاقة بتكلفة استثمارية قدرها نحو‏8.3‏ مليار جنيه‏,‏ توفر نحو‏7000‏ فرصة عمل لأبناء الصعيد في مجال صناعة الأسمدة والكيماويات والأسمنت‏.‏ كما خصص الصندوق الاجتماعي للتنمية خمسة مليارات جنيه للمشروعات الصغيرة تبدأ في العام الحالي‏,‏ وهناك قائمة طويلة من المشروعات التي سوف يتم تنفيذها خلال الأعوام المقبلة وهي بحاجة إلي المزيد من العمالة المدربة والمؤهلة‏,‏ التي لاتمثل عبئا علي الاقتصاد بقدر ما تضيف إليه دعما وقدرة علي النمو‏.‏

وهنا يجب الإشارة إلي الخطوة المستقبلية التي تعد لها الحكومة حاليا لإحداث تحول حقيقي بجنوب الوادي في مجال فرص عمل جديدة في جنوب الوادي بتخصيص مليار جنيه‏,‏ بحيث تحصل كل فرصة جديدة علي عشرة آلاف جنيه‏,‏ سيكون لها تأثير جوهري بجعل الصعيد بؤرة اهتمام المستثمرين في المستقبل بما ينعكس علي مستقبل المنطقة وتحقيق التوازن في النمو بمصر‏.‏

ويرتبط جهد الحكومة في مواجهة مشكلة البطالة بجهد آخر في مجال له أهميته‏,‏ وهو تحسين قدرة الاقتصاد المصري علي جذب المزيد من الاستثمارات التي تعني المزيد من فرص العمل‏,‏ والمزيد من دعم القدرات الاقتصادية‏.‏ وخلال الشهر الماضي حصلت الحكومة علي‏16‏ مليار جنيه‏,‏ مقابل رخصة شبكة التليفون المحمول الثالثة‏,‏ تم تخصيص خمسة مليارات منها لدعم مرفق السكك الحديدية‏,‏ الذي عاني طويلا نقصا حادا في التمويل اللازم للتحديث وتطوير موارده البشرية‏.‏

نحن نمضي بخطي واثقة علي طريق نعلم أنه طويل وشاق‏,‏ ولكنه ينتهي بنا إلي ما نريد‏.‏ وكل ما نحتاجه هو أن نعمل معا متكاتفين يحدونا شيء من الأمل في قدرتنا علي الإنجاز وتجاوز كل العقبات‏,‏ والتخلي عن المصالح الفئوية الضيقة‏,‏ والكف عن نشر اليأس والإحباط في نفوس لديها القدرة كل القدرة علي العمل‏.‏ لقد بدأنا طريق الإصلاح‏,‏ وهو طريق يحتاج منا إلي وعي بما نواجهه‏,‏ ووعي بما نتسلح به في تلك المواجهة‏.‏ نحن بحاجة إلي أن نلتفت إلي اهتمامات المواطن المصري البسيط‏,‏ الذي يواجه غلاء الأسعار‏,‏ ويبحث عن السلع الضرورية‏,‏ وزيادة الدخل‏,‏ وعن سبل حياة كريمة لن تتحقق في ظل الصخب السياسي علي صفحات الصحف‏,‏ أو أمام كاميرات الفضائيات أو افتعال معارك وهمية‏.‏

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى