مقالات الأهرام اليومى

الرئيس المنتخب‏..‏ وحصاد عام

عاشت مصر اثني عشر شهرا في ظل رئيس منتخب بإرادة شعبية للمرة الأولي في تاريخ مصر الطويل‏.‏ ففي شهر سبتمبر من العام الماضي بدأت مع الرئيس حسني مبارك حقبة جديدة من تاريخنا السياسي الحديث‏.‏ من خلال الانتخابات الرئاسية التي جاءت تعبيرا عن روح جديدة وحراك سياسي غير معهود‏,‏ وإجماع انعقدت عليه إرادة الأمة في مواصلة المسيرة مع رجل خاض بمصر ميادين القتال ومعارك السلام وتحديات التنمية‏.‏ وبقدر ما كان الحدث مهما في التاريخ السياسي المصري‏,‏ فإن الأشهر التي أعقبته في ظل هذه التجربة الفريدة تكتسب أهمية خاصة بحكم ماتعنيه في المستقبل السياسي للمصريين‏.‏ والحقيقة أن مراجعة ما مضي حتي الآن في ظل تلك التجربة ليست مهمة سهلة لأسباب كثيرة بعضها داخلي وبعضها الآخر وافد من المنطقة المحيطة ومناطق أخري بعيدة‏.‏ وأهم هذه الأسباب مايلي‏:‏

أولا‏:‏ أن الأشهر التي انقضت توحي من خلال مؤشرات حقيقية بتغير ملحوظ في الحياة السياسية والاقتصادية المصرية‏,‏ ولكنها لاتكشف عن هذا التغير بشكل كامل‏.‏فالفترة اللازمة لظهور نتائج الإصلاح تتجاوز تلك الأشهر كما تتجاوز قدرتنا علي انتظارها‏.‏

ثانيا‏:‏ أن انتخاب رئيس الدولة من بين مرشحين متنافسين أطلق موجة من حرية التعبير في المجتمع تجاوزت كل الخطوط‏.‏ وقد اهتمت هذه الموجة ليس برصد الظواهر السلبية فحسب وإنما أيضا بتضخيمها إلي حد إشاعة الإحباط واليأس من أي إصلاح‏,‏ وهو مايجعل مهمة التقييم الموضوعي لما تحقق محاطة بكثير من المصاعب‏.‏

ثالثا‏:‏ لم يكن المحيط الإقليمي مواتيا وذلك بفعل التطورات التي شهدتها القضايا القائمة في العراق وفلسطين‏,‏ وتزايد العنف والمعاناة‏,‏ ثم الحرب علي لبنان‏,‏ وبروز الأزمة النووية الإيرانية التي أضافت المزيد من التعقيدات في المنطقة التي ترتبط بها مصالحنا ومشاعرنا ارتباطا قويا‏.‏

رابعا‏:‏ استمرار الحروب والأعمال العدائية تحت دعاوي مواجهة الإرهاب‏,‏ وهي الحروب التي اختلط فيها الجناة بالضحايا‏,‏ والغريب حقا هو أن بعض القوي الدولية راحت تبحث عن النجاة في الظلام الذي صنعته‏,‏ وقد طال مصر من الإرهاب بعض أحداثه في إطار ردود الأفعال علي حروب الآخرين ضده‏.‏

ومع كل ذلك يبدو من الضروري أن نتوقف قليلا علي رأس العام الذي انقضي منذ أن قال المصريون كلمتهم باختيار مبارك رئيسا لهم وفق برنامج طموح أصبح يمثل عهدا بين إرادة الأمة وأداء الرئيس‏.‏

فعلي المستوي السياسي كان البرنامج الرئاسي حافزا قويا لموجات متلاحقة أخذت تهز جسد الحياة السياسية المصرية وتعده لمرحلة مختلفة وتحديات أكثر أهمية‏.‏ وبدا الحراك السياسي بتعديل المادة‏76‏ من الدستور ـ وهو التعديل الذي فتح بابا للحوار لم يغلق حول إدخال تعديلات أوسع وأشمل في الدستور‏..‏ ولاشك أن التعديلات المقترحة في برنامج الرئيس قد دفعت هذا الحوار إلي آفاق أرحب‏,‏ فشاركت فيه علاوة علي فقهاء القانون والسياسيين والمفكرين والإعلاميين‏,‏ شرائح واسعة من المواطنين‏,‏ ضاع من مفرداتها لفظ الدستور سنوات طويلة‏.‏ وبالرغم من شطط البعض في الحديث عن تعديل الدستور يظل الحوار حوله من الظواهر السياسية الصحيحة اللازمة لمتابعة الإصلاح السياسي‏.‏ فالحوار المفتوح والحر حول قضايا أساسية لم يكن من مفردات الحياة السياسية المصرية‏,‏ وما تحقق منه حتي الآن كان نتاجا طبيعيا لممارسة الحق في انتخاب رئيس الدولة‏.‏

أسامة سرايا

لقد كانت الانتخابات الرئاسية صدمة صحية للحياة الحزبية في مصر‏,‏ برغم بطء الاستجابة من بعض القوي السياسية‏.‏ وأصبح إصلاح الأحزاب حديثا متصلا بين الحزبيين وغير الحزبيين‏,‏ باعتبار أن الحياة الحزبية ركيزة أساسية لتطور الديمقراطية في مصر‏.‏ وقد تجاوز الإصلاح في بعض الأحزاب دائرة الحوار إلي دوائر الفعل‏,‏ وتوارت أحزاب كان حديثها أعلي صوتا من حجمها وقدرتها علي العمل السياسي‏.‏ بل إن الحزب الوطني الديمقراطي وهو حزب الأغلبية خضع لمراجعات جادة في تنظيمه وعلاقته بالحكومة بفعل مناخ المنافسة السياسية التي أوجدتها الانتخابات الرئاسية‏,‏ وما أسفرت عنه الانتخابات البرلمانية التي لحقتها‏.‏ وربما كانت الأشهر التي انقضت منذ الانتخابات الرئاسية غير كافية لتحقيق انتخاب حقيقي بين الأحزاب القائمة‏,‏ لكن المناخ السياسي القائم سوف يفرض ذلك الانتخاب ليعصف بالأحزاب الكرتونية التي بات وجودها يشوه وجه الحياة السياسية المصرية‏,‏ ويدعم كل روح جادة لعمل حزبي حقيقي يضيف جديدا لمسيرة الحياة السياسية‏.‏

وعلي مدي العام الذي انقضي ظهرت أيضا قوة الرأي العام المصري كشريك في كثير من القضايا التي غاب عنها طويلا‏.‏ ولم تعد مهمة الحكومة سهلة في تمرير قانون أو اتخاذ قرار بعد أن استمد المواطن المصري من حق انتخاب رئيس الدولة قوة دفعت به إلي المزيد من المشاركة في الشأن العام‏.‏ ونشير في هذا الصدد إلي أن الرأي العام قد ظهر قويا في المناقشات الخاصة بتعديل بعض نصوص قانون السلطة القضائية وإلغاء عقوبة الحبس في جرائم النشر‏.‏ وبالرغم من المناورات السياسية التي أحاطت بهذين الحدثين فإن التشريعات الصادرة قد لبت آمال القضاة والصحفيين‏,‏ وبنت جسرا من الثقة بين الحكومة ومختلف الفئات‏,‏ كما تبدت في هذين الحدثين قدرة الرئيس علي تجاوز النتوءات في طريق الديمقراطية‏,‏ والتي كانت كفيلة بتعطيل تلك المسيرة‏.‏ وكذلك انحياز الرئيس إلي الحرية برغم التجاوزات التي أساءت إلي الصحافة‏,‏ وتربص الكثيرين بأقلام الصحفيين‏.‏

وخلال الدورة التشريعية الماضية وافق مجلس الشعب علي‏28‏ مشروع قانون خضعت جميعها لمناقشات مطولة من التيارات السياسية المختلفة‏.‏ ويدرك كل من يتابع مناقشات المجلس حقيقة التغير الذي طرأ علي دور المجلس وما يمكن أن يقوم به في المستقبل‏.‏

وعلي مستوي الأداء الاقتصادي كان العام المنصرم عام غرس وحصاد جاءت نتائجه سريعا‏.‏ فقد وصل معدل النمو الاقتصادي إلي‏5.8%‏ وإذا أضيف ناتج النمو في قطاع البترول فإننا نكون قد حققنا معدلا قدره‏6.9%‏ بزيادة تصل إلي‏60%‏ عن معدل النمو عام‏2004‏ وربما لايدرك البعض مغزي معدل النمو مادام المواطن العادي لايشعر كثيرا بنتائج هذا النمو في حياته اليومية‏,‏ وتلك هي مهمة وسائل الإعلام في هذا الوقت الذي يتربص فيه البعض بالحكومة وأدائها‏,‏ في إطار حملة للتشكيك في كل شئ‏,‏ كما حمل العام الماضي نتائج إيجابية للإصلاح الجمركي والضريبي‏,‏ وارتفعت إيرادات الجمارك بنسبة‏20.9%‏ وزادت الإيرادات الضريبية بنسبة‏28.1%‏ وهو ما يعني زيادة في قدرة الحكومة علي الوفاء بالاحتياجات الأساسية للمواطن البسيط‏.‏

ونتيجة تحسين مناخ الاستثمار ارتفع حجم الاستثمار الأجنبي المباشر إلي‏5.5‏ مليار دولار هذا العام‏,‏ بعد أن كان لايتجاوز‏2.1‏ مليار دولار عام‏2004,‏ وتم استثمار نحو‏47‏ مليار جنيه في إنشاء‏3858‏ شركة جديدة‏,‏ وإجراء توسعات في‏986‏ شركة‏.‏ وحقق الاقتصاد المصري ارتفاعا غير مسبوق في حجم الاحتياطي من النقد الأجنبي‏,‏ بما يغطي جميع واردات مصر من الخارج‏.‏ فقد بلغ‏22.9‏ مليار دولار بعد أن كان لايتجاوز‏14.2‏ مليار عام‏2004,‏ وحققت الصادرات المصرية زيادة قدرها‏56%‏ مقارنة بما كانت عليه عام‏2005‏ حيث بلغت الصادرات السلعية المصرية‏12‏ مليار دولار‏.‏ وهذه المؤشرات الاقتصادية تؤكد أن هناك جهدا كبيرا ونجاحا ملموسا علي مدي الأشهر الاثني عشر الماضية برغم كل الانتقادات التي تحفل بها الصحف الصغيرة الراغبة في تحقيق الإثارة علي حساب الحقيقة‏.‏

أما الحديث عن محدودي الدخل فقد ظل متصلا في كثير من تلك الصحف مع اتهامات للحكومة بأنها تتنكر لهذه الفئة من المصريين‏.‏ ومع ذلك فإن موازنة هذا العام خصصت ما يقرب من‏68.5‏ مليار جنيه للدعم‏,‏ وهو رقم غير مسبوق في أي موازنة سابقة للدولة ويعد ترجمة عملية لما جاء في برنامج الرئيس عن الاهتمام بمحدودي الدخل‏.‏ كما خصصت الحكومة‏100‏ مليون جنيه لبرنامج الوصول المباشر لمستحقي الدعم‏.‏ وتم رفع قيمة معاش الضمان الاجتماعي إلي‏80‏ جنيها بالإضافة إلي‏20‏ جنيها لكل تلميذ في التعليم قبل الجامعي في الأسر الفقيرة‏.‏ وارتفع عدد الأسر التي استفادت من معاش الضمان الاجتماعي إلي‏842‏ ألف أسرة بتكلفة بلغت‏683‏ مليون جنيه‏.‏

إن مؤشرات تحسن الأداء الاقتصادي والحكومي كثيرة‏,‏ وثابتة بشهادات دولية‏,‏ ولكن عقبات كثيرة تحول دون أن تحظي هذه المؤشرات بالاهتمام من الكثيرين‏.‏ ولعل أبرزها روح التشاؤم التي تجد من يغذيها دائما في الداخل والخارج‏,‏ سواء من القوي السياسية الراغبة في إثارة السخط واستثمار معاناة البعض منا‏,‏ أو من تلك الصحف الصغيرة الراغبة في البحث عن قراء لم تجد لهم مدخلا يغريهم سوي إهالة التراب علي كل إنجاز وكل نجاح‏.‏ لقد مضي عام تشهد الحقائق بإنجازاته‏,‏ وتبعث الأمل في المزيد منها في الأعوام المقبلة‏,‏ فنحن نخوض معركة التنمية بإمكانات ليست وفيرة‏,‏ وهي معركة تحتاج إلي إرادة واعية‏,‏ وشئ من الثقة في قدرتنا علي المواجهة‏.‏ فالسخط الذي يحاول البعض استثارته لن يمنحنا القوة اللازمة‏,‏ ولن ينوب عنا في مواجهة مشكلات نعرف جميعا أنها ليست سهلة‏.‏

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى