مقالات الأهرام اليومى

مبارك‏..‏ خيارات الحرب والسلام

تمثل الأزمات دائما لحظات فارقة في تاريخ الدول والشعوب‏,‏ وتترتب عليها دروس لمن أراد أن يعتبر‏.‏ وعندما نتناول الحرب علي لبنان من هذا المنظور نجد أن إسرائيل لم تخرج منها إلا بمرارة الهزيمة والشعور بالعجز عن تحقيق ما أرادت من أهداف‏,‏ كما أن مسيرات النصر في طهران ودمشق لم تكفكف دموع اللبنانيين علي الضحايا والجرحي والدمار الذي لحق بكل شئ في بلادهم‏,‏ فلقد انسحب المهنئون بالنصر تاركين شعبا يعاني‏,‏ وأمة تلملم جراحها وهي مذهولة بحجم خسائرها‏.‏

أيضا ظهرت علي الجانب الإسرائيلي قضايا كثيرة تخضع حاليا للمراجعة لمحاسبة من تسببوا في تلك الهزيمة المعنوية القاسية‏.‏ أما علي الجانب العربي فلقد برزت خلافات وتراشق بالألفاظ واتهامات تناثرت هنا وهناك‏,‏ وضجيج سوف يخبو مع الأيام‏,‏ ولكن ستضيع معه القدرة علي استخلاص الدروس والعظات‏.‏ وبرغم تلك الصورة المحبطة في العالم العربي فإن ملامح جديدة تتبدي لتيار يتشكل في العقل العربي وهو يتابع مسلسل الأزمات علي أرضه منذ سنوات طويلة‏.‏

لقد كانت حرب لبنان واحدة من الأزمات القليلة في التاريخ العربي المعاصر التي عبر فيها الرأي العام العربي عن نفسه في تيارين‏,‏ وإن لم يكونا بنفس القوة‏:‏ التيار الأول تعبوي حاشد استمد ملامحه وحركته من ضيقه الشديد بالممارسات الإسرائيلية‏,‏ وإخفاقات عملية السلام‏,‏ ومعاناة العرب في مواقع كثيرة من المنطقة بسبب إسرائيل والولايات المتحدة‏,‏ ولاشك أن شيئا من الثقة بقدرتهم علي المواجهة وشن حرب شاملة سوف يساعد علي استعادة الحقوق الضائعة‏.‏ ولقد وجد هذا التيار الدعم اليومي عن طريق كثير من الفضائيات العربية حتي بدا وكأنه التيار السائد في العالم العربي‏,‏ وقد اكتسب علي مدي أيام الحرب أنصارا كثيرين‏.‏

أما التيار الآخر فقد كان أكثر عقلانية وأعمق قراءة للأسباب والنتائج‏.‏ وهو وإن كان أقل ظهورا وانتشارا في الشارع العربي‏,‏ إلا أنه كان موجودا ومؤثرا بشكل لم يحدث من قبل في أزمات العرب الكبري‏.‏ فلقد افتقدناه في حرب يونيو عام‏1967,‏ وفي حروب الخليج الثلاث‏,‏ وكذلك في لبنان مرات عديدة‏,‏ وفي مناطق أخري من العالم العربي‏.‏ والحقيقة أن وجود هذا التيار وتطوره ينسب للصحافة العربية أكثر من أي وسيلة إعلامية أخري‏.‏ فلقد نشرت كثيرا من الآراء التي تنتمي لهذا التيار الذي يبدو أنه آخذ في النمو في مواجهة ديماجوجية الفضائيات التي اعتادت ممالأة الشارع والنزول عند رغباته وآماله من المعارك الحربية‏,‏ وحتي الفيديو كليب‏!.‏

ولاشك أن الرئيس حسني مبارك هو الذي بعث هذا التيار علي الساحة الإعلامية العربية منذ اللحظة الأولي لاندلاع الحرب علي لبنان‏.‏ حيث اجتذبت رؤيته لحقيقة الصراع وخيارات الحرب والسلام كثيرين من الكتاب والمحللين غير التعبويين‏,‏ فظهرت تحليلاتهم التي أثارت بدورها اهتمام قطاع من العرب تزايد طوال أيام الحرب أيضا‏.‏ ومن المؤمل أن يتنامي هذا التيار باعتباره ضرورة ومصدر قوة لصناع القرار في العالم العربي في إدارة أزمات العرب الكبري‏.‏ فلو أن مصر انجرفت إلي مسلسل المغامرات السياسية ـ وما أكثرها في العالم العربي علي مدي العقدين الماضيين ـ لكنا قد خضنا حروبا عدة فقدنا فيها من شبابنا وقدراتنا الكثير دون أن نحقق شيئا من مصالحنا وأهدافنا‏.‏

وعندما نتناول تاريخ الصراع العربي ـ الإسرائيلي نجد أن خيار الحرب قد ظل قائما قرابة ثلاثة عقود‏,‏ كما أن خيار السلام يقارب اليوم عامه الثلاثين‏.‏ وبرغم الإخفاقات والمشكلات‏,‏ فإن حسابات المكسب والخسارة علي كل المستويات ترجح خيار السلام لكل الأطراف‏.‏ فلقد تحملت مصر في خيار الحرب المسئولية الكبري‏,‏ وتتحمل في خيار السلام المسئولية الكبري أيضا‏.‏ وإذا كانت إدارة الحرب تتطلب قيادة‏,‏ فإن إدارة السلام تتطلب حكمة‏.‏ وقد جمع مبارك بين قيادة الحرب وحكمة إدارة السلام‏.‏ فلقد ترك العسكرية منتصرا في أشرف معارك مصر الحديثة‏,‏ وواجه تحديات السلام منذ سنوات حكمه الأولي‏,‏ وخاض معركة تحرير طابا‏,‏ وهي جزء من التراب الوطني لايقبل المساومة‏,‏ واستعادها كاملة دون إراقة نقطة واحدة من الدماء‏,‏ وهكذا عادت إلينا كل أرض سيناء‏

أسامة سرايا

وأعطي الرئيس مبارك بمسعاه دفعة لعملية السلام‏,‏ وقدم برهانا علي أن استعادة الحقوق يمكن أن تتم بغير الحرب‏,‏ أما حين تطاول بعض الإسرائيليين علي مصر مهددين بالحرب فإن إسرائيل لم تسمع ردا أعنف مما قاله مبارك‏.‏

لقد تتابعت عبر السنين أحداث كبري‏,‏ أعادت سحب الحرب إلي سماء المنطقة‏,‏ واقتربت كثيرا من مصر‏.‏ وفي كل أزمة تنادي المغامرون بمصر‏,‏ لكي تنجرف إلي هاوية الحرب‏,‏ إلا أن رغباتهم اصطدمت بموقف لم يحد عنه مبارك يوما‏,‏ وبرؤية أثبتت الأيام في كل أزمة أنها كانت أكثر صوابا وحرصا علي مصالح مصر والعرب‏,‏ بل إن الذين لم ينصتوا جيدا إلي كلماته‏,‏ ولم يقرأوا جيدا أفكاره ـ في العالم العربي وخارجه ـ داهمتهم الحروب بويلاتها‏,‏ وتساوي في المعاناة منها المنتصرون والمنهزمون علي السواء‏,‏ فقد صعبت عليهم الحرب وتباعد عنهم السلام‏,‏ وما أكثر الجوعي والمتعطشين إلي الحرب في عالم اليوم‏,‏ وما أكثر القوي الراغبة في استثارة الحروب هنا وهناك‏,‏ وهؤلاء جميعا يروجون لكل حرب ذرائع وأسبابا حتي تكتسب شرعية من وجهة نظرهم‏,‏ ويلتف حولها المخدوعون‏!.‏

إننا نعايش ومنذ سنوات خديعة الحرب علي الإرهاب‏,‏ التي لم تمنع إرهابا‏,‏ ولم تحفظ دماء الأبرياء ومقدرات الشعوب‏,‏ وسقط في تلك الحروب من الأبرياء أضعاف ما سقط من الإرهابيين‏,‏ حتي أصبح من الصعب تحديد الأبرياء من الجناة‏,‏ وأدخلت الحرب علي الإرهاب العالم في دائرة خبيثة تنامت فيها مشاعر العداء لدي الجميع وأدت إلي تحول الضحايا إلي جناة‏,‏ وارتداء الجناة قناع الضحايا‏,‏ وليس هناك من حل للخروج من تلك الدائرة إلا بنشر ثقافة السلام بين الجميع‏,‏ ونبذ العنف‏,‏ ووأد نوازع القوة وأوهام التفوق‏,‏ والإيمان بأن السلام غاية الإنسان في كل عصر‏,‏ وأن الحرب هي أبغض الحلال عند الإنسان‏.‏

واليوم وبعد أن انتهت الحرب العبثية في لبنان بلا منتصر أو مهزوم‏,‏ نجد أن أصوات التعبئة وتجييش النفوس مازالت تنعق في الفضاء العربي‏,‏ وتخلط الحقائق بالأكاذيب في مناخ لم يعد الكثيرون فيه قادرين علي فرز الحقيقة من سواها‏.‏

ففي العالم العربي الآن من يخلط الحكمة بالعجز‏,‏ ولايرضي بغير المغامرة سبيلا‏,‏ ويريد أن يعيد الزمن إلي ماض تباعدت به الأيام‏,‏ وإني أتساءل‏:‏ أي عجز يرونه في قراءة حكيمة لواقع معقد؟ وأي عجز يرونه في حماية مصالح أمة لديها من التحديات ما يمنعها من الدخول في مغامرات غير محسوبة؟ وأي عجز يرونه في أن تتصدر مصالح مصر والمصريين أولويات العمل الوطني‏,‏ وأن تكون تحركات الخارج في خدمة أبناء الداخل؟‏..‏ إن الذين يتحدثون عن الحكمة باعتبارها عجزا لايقولون لنا كيف يرون الحكمة في إدارة الصراع والأزمات ومقدرات الأمم والشعوب‏.‏ هل يرونها في المغامرات التي أورثت العرب مشكلات أرهقت الحكماء وغيرهم؟‏.‏ إن العجز يحيط بهؤلاء أكثر من غيرهم لأنهم يفتقدون القدرة علي تجاوز أوهام الماضي والتخلي عن أحلام الصبا في زمن الرومانسية السياسية‏.‏

إن خيار السلام لايستبعد الحرب متي كانت مبرراتها الحقيقية قائمة‏,‏ ولاسبيل لتجنبها‏,‏ ومتي كانت نتائجها أكثر قيمة وفائدة من ثمنها‏.‏ وما نريد أن نقوله هو إن الحرب في هذا الزمن لم تعد فروسية وفخرا تجري به ألسنة الكتاب والشعراء‏,‏ ومصدر زعامة وكتابة صفحات من التاريخ‏,‏ فآلة الحرب لم تعد تمنع الدمار عن المنتصر‏,‏ ولم يعد يليق بالإنسان في هذا العصر أن يتحسس سلاحه ووسائل الدمار لديه كلما ظهرت في الأفق بوادر أزمة‏.‏ فالحرب خيار واحد والسلام خيارات متعددة‏,‏ وقد دعينا للحرب مرات ومرات منذ توقيع معاهدة السلام مع إسرائيل‏,‏ وكأن خيار الحرب نزهة ننفس بها عن رغبات أو إحباطات مكبوتة‏,‏ دعينا إليها مع الغزو الإسرائيلي للبنان عام‏1982,‏ ومع مغامرات صدام حسين في الخليج‏,‏ ومع الأزمات التي تفاقمت بين إسرائيل وسوريا‏,‏ وغيرها الكثير‏,‏

ولا يعني ظهور هذا التيار العقلاني في أزمات العرب ـ مثلما ظهر في الحرب الأخيرة علي لبنان ـ أن الطريق أمامه مفتوح‏,‏ إذ مازال الخطاب التعبوي أكثر تأثيرا وأعلي صوتا وأوسع انتشارا بفعل الاستعدادات القائمة لدي الرأي العام العربي من جانب‏,‏ والتناقضات التي ينطوي عليها الواقع السياسي والإعلامي في المنطقة بأسرها من جانب آخر‏,‏ وفي مثل هذا المناخ ما أسهل مهمة المغامرين‏,‏ وما أصعب مهمة الحكماء‏.‏

لقد حظيت مصر من التيار التعبوي بنصيب كبير من الاهتمام إيمانا بدورها وريادتها وتأثيرها الإقليمي والدولي‏,‏ وتذكر عرب ذلك التيار أن مصر هي الشقيقة الكبري للعرب‏,‏ وأنها المحرك الأساسي للأحداث في المنطقة‏,‏ وأنها وحدها التي لابد أن تتقدم الصفوف دفاعا عن العرب وقضاياهم‏,‏ وبرغم أنها لم تتوان عن القيام بهذا الدور منذ اللحظة الأولي لاندلاع الحرب علي لبنان‏,‏ فإن هذا التيار لايريد لمصر إلا أن تكون محاربة وتابعة لقرار الحرب الذي تم اتخاذه في عاصمة غير عربية‏,‏ وللأسف فإن أنصاره لم يحسنوا قراءة الأحداث والمتغيرات الدولية‏,‏ ولم يحسنوا فهم رؤية القيادة السياسية لمصر في إدارة مثل تلك الأزمات‏.‏ والغريب أن بعض فصائل هذا التيار كانت في ظاهر حديثها تستبعد الحرب‏,‏ ولكنها في باطنه تطالب بما سوف يؤدي في النهاية إلي تزايد فرص المواجهة العسكرية‏,‏ وأعتقد أن نتائج الحرب الأخيرة في لبنان سوف تكشف عن واقع أكثر وضوحا أمام العقل العربي‏,‏ بما يمكنه من حسم عقلاني للخيار بين الحرب والسلام‏.‏

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى