مقالات الأهرام اليومى

ما بعـد قانـا‏2006‏

تكد دماء الأبرياء في قانا‏1996‏ تجف‏,‏ ولم يكد الضمير الإنساني يجد له في أرض تلك القرية اللبنانية مرفأ من عذابات السنين‏,‏ حتي عاد طيش القوة وجنونها يبعث من جديد مأساة لم تذهب فحسب بأرواح المزيد من الضحايا وعذاب المصابين‏,‏ ولكنها أيضا جددت الآلام القديمة في الجسد اللبناني والعربي‏,‏ وأخرجت من الأرض رفات الضحايا وبقايا الضمير العالمي‏,‏ ووضعت المذبحة الجديدة العقلية الإسرائيلية في ضوء ساطع يفضح كل آلات الدعاية‏,‏ ومحاولات التعتيم‏,‏ وخلط الأوراق والخداع‏,‏ ويضع العجز الدولي المزمن علي المحك‏.‏

ولم تعد تصريحات البيت الأبيض تكفي للتغطية علي تلك المذابح التي ترتكبها إسرائيل في غزة ولبنان‏,‏ بعد أن سقطت كل الدفاعات التي أغرت جنون القوة بالمزيد من الاعتداءات‏.‏ فلقد نشرت إسرائيل في ساعات المساء عبر شاشات التليفزيون في كل أنحاء العالم مشاعر الفزع والخوف والشك والتساؤل حين ملأت هذه الشاشات بالدماء والآلام وبقايا أجساد الأبرياء من الأطفال والنساء والرجال‏,‏ بينما العالم الجديد الذي تقوده الولايات المتحدة يقف عاجزا عن أن يفعل شيئا ـ بقصد وبدون قصد ـ وكانت النتيجة واحدة وهي أن آلة الحرب الإسرائيلية مازالت تحصد المزيد من الأرواح‏,‏ وتدك مقدرات شعب لتعيده سنوات طويلة إلي الوراء‏.‏

إن عالم ما بعد قانا‏2006‏ يتغير ببطء‏,‏ ولكنه بالفعل يتغير عن عالم ما قبل المذبحة‏.‏ ولقد فشل اجتماع روما في حشد المجتمع الدولي وراء قرار ينهي حالة الحرب‏,‏ وعجز مجلس الأمن عن أن يتحمل مسئولياته في المهمة التي أنشئ من أجلها‏,‏ وهي حماية الأمن والسلم الدوليين‏.‏ وما بين فشل اجتماعات روما وعجز مجلس الأمن‏,‏ تتبدي حقيقة مؤكدة‏,‏ وهي أن العالم بات غير آمن‏,‏ وأن الأخطار محدقة بالجميع‏,‏ وأن المجتمع الدولي ـ الذي نشأ مع معاهدة وستفاليا في القرن السابع عشر للحد من طغيان الدولة وعبثها بأمن ومصالح الآخرين ـ لم يعد قادرا علي فعل شيء‏.‏ فالأمن ينتهك‏,‏ والسلم يتعرض لاضطرابات شديدة‏,‏ والمصالح تتعارض‏,‏ والرؤي تتصارع‏,‏ كما تتبدي علي وجه المجتمع الدولي طموحات الهيمنة وإخضاع الجميع للرغبات القادمة من العالم الجديد عبر المحيط‏.‏

لقد وضعت مذبحة قانا الأحداث في العالم والمنطقة عند منعطف جديد تجري فيه مراجعة المواقف‏.‏ وكشفت كلمة الرئيس حسني مبارك عقب المذبحة المروعة في قانا ـ أسبابا‏,‏ ووضعت حلولا لمشكلات منطقة اشتدت أزماتها‏,‏ وامتدت آثارها لتهدد ما بقي من الأمن والسلم الدوليين‏.‏ فلقد أشار الرئيس إلي الاختلالات في نظام الأمن الجماعي في عالم اليوم‏,‏ والقصور الذي اعتري النظام الدولي الراهن‏,‏ وأعجزه عن أن يوفر الحد الأدني من الأمن للجميع‏,‏ وقد سبق له أن حذر مرارا من تلك الاختلالات‏,‏ ولكن جنون القوة‏,‏ وغطرسة العنف مازالت تغري البعض بفرض المزيد من الهيمنة وإملاء الرغبات‏.‏ وفي تصوري أن بعض القوي الدولية الرئيسية لن تخرج مما يجري اليوم دون دروس وإن كان الوقت لم يحن بعد لشق عصا الطاعة‏,‏ أو الجهر بالعصيان للقوة المهيمنة‏,‏ كما أن الوقت لم يزل مبكرا لأن تفيق تلك القوة أو تتراجع عن أغراضها‏.‏

أيضا فإن كلمة الرئيس أشارت بعمق إلي حقيقة ما يجري في لبنان وفلسطين باعتباره نتاجا طبيعيا للإخفاقات المستمرة في عملية السلام‏,‏ والتي تتحملها إسرائيل أكثر من أي طرف آخر مشاركة مع الولايات المتحدة الأمريكية‏.‏ فالسلام وحده كان يمكن أن يحمي إسرائيل والمنطقة بأسرها من تلك التداعيات التي تنذر بعواقب وخيمة‏,‏ خاصة أن إسرائيل قد عجزت بقواتها عن أن تحقق شيئا من الأمن المفقود‏,‏ الذي تعودت علي استخدام القوة من أجل الحصول عليه‏.‏

أما قضية السلام في المنطقة ـ كما قال الرئيس ـ فهي في حاجة إلي إعادة النظر في مساراتها‏,‏ والتقويم الأمين لعوامل الإخفاق التي واجهتها‏,‏ فالأخطار التي تهدد السلام في الشرق الأوسط تهدد الأمن العالمي‏,‏ بما يفرض توافر إرادة دولية مصممة علي إزالة كل العقبات عن طريق‏,‏ نعلم أنه طويل وشاق‏,‏ ولكنه ينتهي بنا إلي منطقة آمنة تتفرغ شعوبها للتنمية والبناء والمساهمة في صياغة مستقبل الحياة علي هذه الأرض‏.‏ فما تفعله إسرائيل في لبنان من قتل وتدمير للبني التحتية يضعف إرادة البناء‏,‏ ويدعم إرادة العنف مادام مصير كل تعمير بعد سنين قد أصبح التدمير والخراب‏.‏ وإذا كانت إسرائيل لا تعي تلك الحقيقة‏,‏ ولاتعمل من أجلها‏,‏ فإنها أيضا لا تعي أن إرادة الحرب التي تبعثها قوية تحت ضربات القنابل سوف تطولها وتهدد مستقبلها وتقوض أسس وجودها‏.‏

ومن هذه الرؤية للرئيس مبارك تحددت ملامح الدور المصري في احتواء الأزمة ووقف الاعتداءات ونزيف الدم اللبناني‏.‏ فعلاقة مصر بلبنان علاقة خاصة لاتخضع للمزايدات‏,‏ وقد بدأت قبل أن يظهر النظام الإقليمي العربي نفسه إلي الوجود‏.‏ ففي فجر التاريخ الحديث تعانق المصريون واللبنانيون لطرد فلول الظلام وبقايا القرون الوسطي من المنطقة التي خيم عليها القهر والتخلف قرونا طويلة‏.‏ وجاء العناق المصري ـ اللبناني بمصابيح كثيرة أضاءت جنبات الشرق فكرا وفنا وأدبا وموسيقي‏.‏ ويعلم اللبنانيون قبل غيرهم أن أكثر محبيهم خارج حدودهم يعيشون في وادي النيل‏.‏ وأن لبنان من قبل ومن بعد جزء عزيز من أمتنا التي تحملنا في سبيلها كثيرا وطويلا‏.‏

لقد كانت مصر في مواجهة ما نزل بلبنان هي الأكثر حركة ونشاطا عربيا وإقليميا ودوليا‏,‏ وإن عجز البعض عن قراءة المغزي والمعني وراء هذا التحرك‏.‏ فبعض الأشقاء في المنطقة العربية مازالت تغريهم الشعارات التي مضي زمانها‏.‏ ونحن اليوم في مواجهة نظام عالمي جديد يخضع لقوي تتبني مواقف مغايرة‏,‏ وهي قادرة علي الاعتراض في المنظمات والمحافل الدولية‏.‏ والحقيقة أنه لاشيء غير الحكمة والواقعية يمكن أن يجدي مع هذا الواقع العالمي الجديد‏.‏ فالحكمة والعقل جديران بتحقيق ما نريد‏,‏ ولن تفيدنا الشعارات والمظاهرات وصراخ الفضائيات في تقديم شيء مفيد‏.‏

أسامة سرايا
إن الموقف المصري فاعل ومؤثر دائما‏,‏ وهو غير مطالب بتقديم كشف حساب لأحد‏,‏ فتلك مسئولية تحملتها مصر منذ زمن بعيد‏.‏ وربما يأتي الوقت الذي يعرف فيه اللبنانيون قبل غيرهم ما قامت وتقوم به مصر ورئيسها حسني مبارك من أجلهم‏..‏ أما المشكلة العاجلة اليوم فتكمن في ضرورة أن نعرف كيف نستجيب لمتغيرات هائلة شهدها العالم خلال العقود الثلاثة الماضية‏.‏ فلقد أصبحنا في مواجهة نظام عالمي تغيرت جميع أركانه‏,‏ وظهرت علي الساحة العالمية آليات مختلفة وأصبح الواقع الجديد يفرض مناهج عمل مختلفة‏.‏ ولم تعد أساليبنا القديمة تجدي نفعا‏,‏ بل أصبحت سبيلا لخسارة محتومة‏.‏ وقد بات من الضروري أن نفصل بين استجابة الشارع واستجابة الساسة والدبلوماسيين والعسكريين أيضا‏.‏

فاستجابة الشارع عفوية وتلقائية تحركها العواطف والانفعالات‏,‏ واستجابات الساسة لابد أن تستند إلي دراسات وتحليلات أكثر دقة وأكثر عمقا‏,‏ وإلا جاءت بنتائج مخيفة وعاجزة عن تحقيق أي شيء‏.‏ إن الشارع السياسي يطالب بتوسيع نطاق الحرب أملا في الانتقام من الذين قتلوا الأبرياء‏,‏ ولكن توسيع نطاق الحرب سوف يزيد الدمار والخراب‏,‏ ويدخل المنطقة في نفق مظلم لا يعلم أحد مداه‏.‏ كما أن قرار توسيع الحرب لم يكن ولن يكون قرارا يمليه الشارع المحتقن والمنفعل علي الساسة والعسكريين‏.‏ فمن عادة الفضائيات العربية ممالأة الشارع والعزف علي أوتاره الملتهبة في كل أزمة‏.‏

إننا اليوم نواجه موقفا شديد التعقيد‏,‏ ولابد من استخدام تفكير مركب وليس بسيطا في مواجهته‏.‏ إذ إن إسرائيل ـ وبرغم مسيرة السلام والجهود المخلصة التي بذلت من أجله ـ مازالت تتمسك بوهم الردع والسيطرة والاستئصال‏,‏ وهي مفردات لاتخدم السلام لأنها تخضع العقل للقوة‏,‏ وتخضع حقائق السياسة للأوهام العسكرية‏.‏ ولا شك في أنها أفرطت في استخدام القوة مع المدنيين في لبنان وغزة‏,‏ وحشدت كل أسلحتها القديمة والجديدة التي تدفقت عليها‏,‏ ولكنها مع ذلك أخفقت‏,‏ ومازالت تتجرع مرارة الفشل العسكري‏,‏ وتطلب من حلفائها المزيد من الوقت لإنهاء مهمة لن تنتهي‏,‏ وتحقيق نصر لن يتحقق‏.‏

ولقد آن الأوان بعد الأسبوع الثالث من الزحف العسكري الإسرائيلي برا وبحرا وجوا أن يعود أولمرت إلي حظيرة العمل السياسي والدبلوماسي بشيء من التواضع والاعتراف بالهزيمة العسكرية‏,‏ وأن يكف عن التلويح بالتكنولوجيا العسكرية الأمريكية في مواجهة المدنيين‏.‏ فالقوة العسكرية ربما تفرض واقعا جديدا علي الأرض‏,‏ ولكنه واقع مهما يطل سوف يظل مؤقتا‏,‏ لأن حركة التاريخ أقوي من كل أوهام القوة وترسانات الأسلحة‏.‏

وفي مواجهة العجز الدولي الراهن لم يعد من المهم كثيرا أن تتوقف الحرب القذرة علي لبنان‏.‏ مادامت إسرائيل مستمرة في أوهامها وأخطائها‏,‏ لأنها سوف تخرج من حرب لتدخل أخري‏,‏ والمهم هو أن نجتث ثقافة الحرب واستخدام القوة من المنطقة‏,‏ وأن نضع نهاية لكل الحروب‏.‏ وهذا الهدف لن نصل إليه إلا إذا اختارت إسرائيل أو أجبرت إقليميا ودوليا علي اختيار طريق غير ذلك الذي مشت فيه ورفضت السير في غيره‏.‏ ولا أمل في إنهاء الصراع إلا بالانسحاب الإسرائيلي من مزارع شبعا والجولان‏,‏ وإعادة الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني‏,‏ واحترام إرادة الشعوب‏,‏ والرغبة الحقيقية في التعايش الآمن مع شعوب المنطقة‏.‏

إن في إسرائيل اليوم تيارا ينمو شيئا فشيئا يرفض أن تدخل إسرائيل حروب غيرها‏..‏ فتحقق مصالحهم وتعاني هي الكراهية في محيط تعيش فيه‏.‏ ويري هذا التيار أن مستقبل بلاده مرهون بقدرتها علي التعايش مع محيطها الإقليمي‏,‏ وليس بقدرتها علي تحقيق أهداف الغير بمواجهة محور الشر بالنيابة‏.‏ فالشر الذي ينتظر إسرائيل دائما هو تفجر براكين الغضب في الشعوب المحيطة بها‏,‏ وتجذر العداء لها بينهم‏,‏ لكن يبدو أن الحكومة الإسرائيلية نفسها غير واعية حتي الآن لتلك الحقيقة التي بدأ بعض الإسرائيليين في التحذير منها‏.‏

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى