مقالات الأهرام اليومى

الحرب علي لبنان دروس ونهايات مفتوحة‏!‏

ما أكثر النهايات المفتوحة للأحداث في الشرق الأوسط‏.‏ فكل القضايا الاجتماعية والسياسية والفكرية مازالت تراوح مكانها في هذه المنطقة من العالم‏.‏ ولم تحسم قضية ولم يغلق ملف ولم تتفق الشعوب علي شئ من شئونها في الداخل ليوجه علاقاتها في الخارج‏.‏ ولا شك أن أحداث النهايات المفتوحة تضعف تراكم الخبرات واستخلاص العبر من دروس طويلة وكثيرة مرت بها المنطقة‏.‏ صحيح أن القوي الخارجية أسهمت كثيرا في أن تطيل أمد كل قضية وأن تدفع بها إلي نهايات مفتوحة‏,‏ إلا أن تلك السياسات وجدت لها تربة خصبة في منطقة لم يتراكم فيها من الخبرات ما يجعل لها ثوابت يلتقي عندها الجميع‏,‏ وتصبح منطلقا لسياساتها ومواقفها المتغيرة بحسب كل قضية وكل موقف‏.‏

وفي كل حدث يمتد بآثاره إلي حدود الشرق الأوسط بأسره نعيد أساليب التعامل ذاتها‏,‏ وآليات المعالجة نفسها‏,‏ بالرغم من أننا نعلم أنها لم تكن يوما ناجعة‏,‏ ولم تحقق شيئا مما نريد‏.‏ وما يحدث اليوم في الشارع العربي بشأن العدوان العسكري الإسرائيلي علي لبنان يشبه إلي حد بعيد ما حدث حين بدأت الولايات المتحدة عدوانها علي العراق‏.‏ وكانت الصورة آنذاك عبارة عن انقسام بين العرب‏,‏ واستقطاب عاطفي حاد‏,‏ واتهامات طالت كل صوت عاقل وتحذير رشيد‏,‏ بالإضافة إلي تجاوز الواقع إلي عالم الأحلام‏,‏ وشعوب مازالت تبحث عن بطل أسطوري بمواصفات الزير سالم وعنترة بن شداد‏.‏ ولكن‏,‏ وبرغم طول البحث‏,‏ لم يظهر البطل ولم تتوقف عن مساعي اكتشافه‏.‏

إن العالم لم يعد بحاجة إلي زعامات تخاطب العواطف والأحلام بقدر حاجته إلي رجال دولة يستندون إلي الخبرة والمعرفة والتعامل مع الواقع‏,‏ وكشف آفاق المستقبل في إطار لايسمح بالتضحية بالممكن في سبيل المستحيل‏.‏

وتشهد أزمات العرب الكبري أن الرئيس حسني مبارك كان نموذجا لرجل الدولة صاحب الرؤية والسياسي الذي يتسم بالحكمة وبعد النظر‏,‏ واستشراف الأفق البعيد‏,‏ وهو يقف علي أرض يعرف تماما معطيات واقعها‏.‏ ففي بداية الحرب علي لبنان قال مبارك إن إسرائيل لن تخرج رابحة من الحرب‏,‏ وهو ما بدأت الأصوات تردده في إسرائيل الآن‏,‏ وقال أيضا إن العمليات العسكرية تزيد الأزمة تعقيدا‏,‏ وهو ما يحدث بالفعل‏,‏ وأشار إلي أن التفاوض هو الحل الأمثل بل والوحيد‏..‏ وهذه حقيقة باتت مؤكدة مهما تطل الحرب‏.‏

أسامة سرايا
لقد بدأ مبارك مشاوراته واتصالاته منذ بداية الحرب‏,‏ وجمعته محادثات مع العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز للتشاور فيما يمكن أن ينقذ لبنان وأهله من المشروع الإسرائيلي الرامي إلي تدمير دولة عربية‏,‏ خاصة بعد النتائج التي انتهي إليها مؤتمر الكبار في روما‏,‏ والذي وضع العالم في موضع المتفرج علي شعب ودولة يتعرضان للدمار‏.‏

وموقف مبارك اليوم هو الموقف نفسه‏,‏ الذي وقفه من الأزمة العراقية في بدايتها‏,‏ وأثبتت الأيام للأطراف كلها كيف كان تحليله وتقديره للأمور دقيقا‏,‏ وكم كان من الممكن تجنب الكثير من ويلات الحروب‏,‏ لو أن الجميع أنصت لصوت العقل‏.‏ ولكن ما أكثر الدروس غير المستفادة في العالم العربي‏.‏

وكذلك فإن إسرائيل هي الأخري تعاني الأعراض نفسها‏.‏ فدروس الصراع الطويل ونتائجه يبدو أنها غائبة عنها‏.‏ فالقوة العسكرية لم تحقق لها حلمها‏,‏ سواء واجهت جيوشا نظامية أو حركات مسلحة‏.‏ فهي في كل موقف تظل أقرب إلي حشد قواتها منها إلي البحث عن بديل سلمي قد يحقق لها ما عجزت القوة عن تحقيقه خلال سنوات الصراع الطويلة‏.‏ فكل عملية عسكرية إسرائيلية كانت تؤذي إسرائيل بنفس القدر الذي تؤذي به من تستهدفهم‏,‏ والعمليات العسكرية التي تشنها آلة الحرب الإسرائيلية في لبنان سوف تؤذي مستقبل الطرفين معا‏,‏ في غياب القراءة الرشيدة لواقع الأحداث في المنطقة‏,‏ كما أن القضاء علي صواريخ الكاتيوشا التي يطلقها حزب الله علي الشمال الإسرائيلي أيسر كثيرا من تبديد مشاعر الغضب التي تجتاح المنطقة وتهدد مستقبل إسرائيل بأكثر كثيرا مما تفعله تلك الصواريخ‏.‏

إن آلة الحرب الإسرائيلية قد تجد دعما عسكريا أمريكيا‏,‏ وقد تجد دعما معنويا بالانضمام إلي ثقافة جورج بوش المطالبة بحرب علي محور الشر‏,‏ ولكن الحقيقة هي أن الإسرائيليين وليس الأمريكيون هم الذين يتعين عليهم مواصلة العيش في الشرق الأوسط‏,‏ وعليهم وحدهم أن يفكروا في طريقة للتعايش مع أولئك الذين قد لايستمتعون بالحياة إلي جوارهم كما قالت صحيفة ها آرتس في افتتاحية لها‏.‏

ومن الواضح أن ماحققه حزب الله عسكريا في ظل القوة العسكرية الإسرائيلية قد أغري قياداته بخطاب سياسي جديد‏,‏ تحول فيه الحزب من حركة مقاومة تعمل من أجل لبنان إلي حزب يعمل ويقاتل من أجل مصالح الأمة الإسلامية‏,‏ كما قال السيد حسن نصر الله أمينه العام‏.‏ وهنا يبدو حزب الله أكثر رغبة في الاقتراب من برميل البارود الإسلامي بتأجيج المشاعر الدينية خارج حدود لبنان‏,‏ وحشد الشارع الإسلامي المشحون لممارسة الضغوط علي الحكومات فتتسع دائرة الحرب‏,‏ ولكن حرب الدول أكبر كثيرا من قرار يتخذه حزب الله بما في ذلك الدول التي يجد الحزب لديها الدعم والمساندة‏.‏ وما يفعله هذا الحزب تمارسه أحزاب وحركات مشابهة في أكثر من موقع في الشرق الأوسط‏.‏

وهنا تبدو عودة الدولة وسيادتها وقوتها ضرورة حياة للمنطقة بأسرها‏.‏ فالأخطار التي جاءت بها الأسابيع القليلة الماضية قد ظهرت في غياب الدولة‏,‏ وكان اختطاف الجنود الإسرائيليين الثلاثة في غزة وجنوب لبنان عملا منفردا لحركات إسلامية‏,‏ في ظل أنظمة حكومية منتخبة وشرعية في لبنان وفلسطين‏,‏ دون أدني اعتبار لما سوف تدفعه الحكومات والشعوب من جراء هذه الأعمال‏,‏ وقد وصف رئيس الوزراء اللبناني فؤاد السنيورة ما جري بقوله‏’‏ إن السلطة في لبنان لايمكنها الصمود حين تكون آخر من يعلم وأول من يضرب‏’.‏ وهذا الوصف لايبتعد كثيرا عما جري في فلسطين‏,‏ حيث واجهت السلطة الفلسطينية‏,‏ مثل الحكومة اللبنانية‏,‏ اتهامات المسئولية عما جري‏,‏ وكان عليهما معا أن يتحملا نتائج أفعال لم يكن لديهما بها علم‏.‏ ولقد بدأ الرد الإسرائيلي محدودا بمظلة الإفراج عن أسيري لبنان وأسير غزة‏,‏ ولكنه تحول إلي عملية معقدة سياسيا وعسكريا‏,‏ تجاوزت تقديرات القادة في حماس وحزب الله‏,‏ وفرضت تدخلا عربيا فوجئ هو الآخر بتطورات الأحداث المتسارعة‏,‏ في الوقت الذي لم تكف فيه الضغوط الشعبية عن إيجاد مخرج من الورطة التي أوقعتنا فيها حركات اعتادت الالتفاف علي سلطة الدولة‏,‏
وحكم الشرعية‏.‏ فهذا الخروج علي شرعية الدولة‏,‏ سوف يزيد أزمات المنطقة ويدفعها إلي آفاق لايعلم مداها الكثيرون ممن ينظرون تحت أقدامهم بحثا عما يريدون‏.‏

ووسط تداعيات هذه الأزمة الطاحنة جاءت بعض وسائل الإعلام التي اعتادت مداعبة أوهام الشارع العربي‏,‏ وما أكثرها‏,‏ لتزيد المشكلة تعقيدا حين أرادت ـ عن عمد ـ أن تجلد النظام الإقليمي العربي‏,‏ وأن تحمله المسئولية كلها‏,‏ في الوقت الذي تضع فيه أكاليل الغار علي رؤوس الذين اخترقوا هذا النظام والتفوا حوله‏,‏ وحاولوا تقويضه من داخله‏.‏ ولم تقف بعض الفضائيات والصحف أمام اللغة الصريحة الواضحة التي تحدث بها القادة العرب‏,‏ ولم تكلف نفسها عناء البحث عن مغزي تلك اللغة‏,‏ التي قد تثير خلافا‏,‏ ولكنها تستجيب لمعطيات الواقع الحقيقي الذي نعايشه‏.‏

لقد أصبحت بعض الممارسات الإعلامية العربية عبئا علي القادة والدبلوماسيين العرب‏,‏ وعلي الجهود المبذولة من أجل المصالح العربية العليا‏.‏ فالتصريحات تخضع للتأويل والتحريف والتشويه‏,‏ ثم للهجوم‏,‏ إلي الحد الذي أصبح معه الصمت خيار بعض السياسيين باعتباره أكثر أمانا‏.‏ وقد أصبح من الصعب أن ينادي أحد‏,‏ في الوضع العربي الراهن‏,‏ بأن تكون وسائل الإعلام قوة دعم للجهود المبذولة من أجل المصالح العربية العليا‏,‏ فالحقيقة أن معني هذه المصالح قد أصبح غامضا وسط المصالح القطرية الضيقة‏,‏ وهذا المعني تسبب في غيابه عن العقل العربي ذلك الصخب والضجيج التعبوي‏,‏ الذي يملأ الساحة العربية اليوم‏.‏ ولا شك أنه بدون مثل هذا الدعم الغائب لن نستطيع أن نحقق شيئا وسوف نستمر في جلد أنفسنا‏.‏

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى