مقالات الأهرام اليومى

مبارك و عصر جديد من حرية التعبير

لم يكن الإثنين الماضي يوما تفخر به الصحافة المصرية وحدها بتدخل الرئيس حسني مبارك لحسم الأزمة التي ألمت بها‏.‏ وإنما كان أيضا يوما لانتصار حرية التعبير بكل أشكالها وصورها‏,‏ وانتصار الديمقراطية التي عمل مبارك من أجلها طويلا‏.‏ وسواء توقع البعض تدخل الرئيس أم لم يتوقعوه فلقد جاء القرار تعبيرا عن رؤية وعقيدة لازمته منذ توليه المسئولية‏,‏ ووفاء بعهود قطعها علي نفسه ولم يتخل عنها‏.‏ ولم يكن القرار الذي اتخذه لحل الأزمة تعبيرا عن اتجاه جديد في شخصيته‏,‏ أو تحولا في فلسفة الحكم لديه‏,‏ ولكنه كان تأكيدا لما حاول البعض إنكاره أو التشكيك فيه‏.‏

فلقد صدرت توجيهات الرئيس يوم الإثنين الماضي لكي يفيق الضمير السياسي المصري لدي البعض من غفوته فيراجع مسيرة العلاقة بين الرئيس والصحافة‏.‏ وهي مسيرة تشهد بأن الصحافة المصرية لم تشهد من الحرية مع غيره مثلما شهدت معه‏.‏ ولم تشهد نهضة وتنوعا في الآراء والأفكار مثلما شهدت في عهده‏.‏ ولم يسبق لحاكم مصري منذ ظهور الصحافة أن أبدي من الصبر والتسامح مع الأقلام مثلما فعل الرئيس مبارك‏.‏ فلقد كان بوسعه أن يتدخل في الأزمة بعد أن ينتهي مجلس الشعب من التعديلات فيمارس صلاحياته الدستورية بإعادة طرح القانون للمناقشات مرة أخري‏.‏ ولكنه آثر ألا تطول الأزمة بالصحافة‏,‏ وألا تزيد الضغوط عليها‏,‏ وألا تتحول بجلالها ورسالتها إلي ميدان للمزايدات والمناورات السياسية‏.‏ فأراد بقراره في هذا التوقيت أن يحدد للجميع تلك المكانة التي يريدها للصحافة في مسيرتنا الديمقراطية‏.‏ كما أراد منحها قوة وقدرة علي مواجهة تحديات الممارسة الديمقراطية‏.‏ وهكذا نجد أن وراء قرار يوم الإثنين معاني كثيرة لايمكن فهمها إلا في سياق التحول الديمقراطي الذي يقوده الرئيس علي كل الجبهات‏.‏

لقد كانت تداعيات القرار في مجلس الشعب غير مسبوقة ففي الوقت الذي وصلت فيه الأزمة إلي ذروتها‏,‏ تحولت مناقشات المجلس المحتدة إلي عرس ديمقراطي التقت فيه إرادة نواب الأغلبية والمعارضة‏.‏ ووضع مبارك نهاية للخلاف والاختلاف‏,‏ وانتصر للأقلام التي لاتستقيم الديمقراطية بدون إسهاماتها ومشاركتها الحرة في تسديد خطي الجميع‏.‏ وبقراره اختفي كثير من الانفعالات والاحتقانات التي سيطرت علي المناقشات‏,‏ وتوارت مشاعر الثأر التي وجهت البعض نحو النيل من الصحافة‏.‏ وخرج مجلس الشعب من الأزمة وقد سجل في تاريخه سابقة برلمانية ليكون الأول بين البرلمانات العربية الذي يرفع قيود الحبس عن الضمير الصحفي‏,‏ ويمهد الطريق أمام مرحلة جديدة من حرية التعبير‏,‏ ويؤكد مكانة الصحافة ورسالتها في مسيرة ديمقراطية لم ولن تتوقف‏.‏

غير أن النهاية التي وصلت إليها أزمة الصحافة بتدخل الرئيس تفتح أبوابا جديدة للنقاش حول مستقبل الممارسة الصحفية في إطار التحول الديمقراطي‏.‏ ففي ظلال حرية الصحافة تنشأ المعايير المهنية المتطورة باعتبارها خيارا ذاتيا يقدم عليه الصحفيون أنفسهم‏,‏ وتنشأ أيضا أخلاقيات العمل الصحفي باعتبارها صدي الضمير الصحفي الحر‏.‏ ونجد في الأنظمة السلطوية أن الصحافة تمارس مهنتها وأخلاقياتها بموجب القوانين والتعليمات المفروضة‏,‏ أما في الأنظمة الحرة فإن الصحفيين أنفسهم يتحملون مسئولية تطوير مهاراتهم المهنية وأساليب عملهم والكيفية التي يمارسون بها رسالتهم والإطار الأخلاقي الذي يحتوي تلك الممارسة‏.‏ وأحسب أن الصحافة المصرية بالتعديلات الأخيرة قد وجدت لنفسها مكانا مؤكدا ضمن منظومة الصحف الحرة في العالم اليوم‏.‏

أسامة سرايا
أيضا فإن الصحف في الأنظمة الديمقراطية ـ وإن خرجت من تحت سيطرة الحكومة ـ لاتخرج أبدا عن سيطرة الرأي العام ورقابته‏,‏ وهو في بعض الأحيان يمكنه فرض بعض القيود غير المنظورة علي الصحف إذا خرجت علي أسس المجتمع وأصبحت تهدد أمنه واستقراره‏.‏ وقد حدث ذلك في الصحافة الديمقراطية الحديثة بالولايات المتحدة الأمريكية حين تشكلت لجنة أهلية تطوعية عقب الحرب العالمية الثانية للنظر في الممارسات التجارية لكثير من الصحف الأمريكية والتي اعتبرت ضارة بالمجتمع‏.‏ وخرجت تلك اللجنة‏,‏ التي ترأسها أحد الحقوقيين بجامعة هارفارد‏,‏ برؤية جديدة عرفت فيما بعد باسم نظرية المسئولية الاجتماعية للعمل الصحفي‏.‏ ووضعت كثيرا من الصحف في دائرة اتهام الرأي العام بالإثارة والإضرار بقضايا المجتمع الحيوية‏.‏ وقد أدت تلك الصرخة التي خرجت من المجتمع المدني إلي إعادة النظر في سياسات تحرير العديد من الصحف‏.‏

ومن المؤكد أن حالة التربص التي أظهرها البعض في مناقشات القوانين الخاصة بالنشر كان باعثها هو بعض الممارسات الصحفية غير المقبولة والتي اتسمت بشيء من الانفلات‏,‏ وكثير من التجاوزات في سياق الإغراءات المهنية بتقديم موضوعات مثيرة توفر شيئا من الانتشار في ظل المنافسة المتزايدة في السوق الصحفية المصرية‏.‏ ومع أن الرأي العام بمصر في مرحلة تطوره الراهنة لايستطيع أن يمارس تأثيره القوي لمنع تلك الممارسات‏,‏ إلا أن شيئا من الاستياء كان قد بدأ في التبلور بشأن بعض الممارسات الصحفية المعروفة للجميع‏.‏ ولذلك وجد المتربصون بالصحافة بعض الدعم من هذه القطاعات في الشارع المصري‏.‏ والخطيئة التي ارتكبها هؤلاء جميعا هي أنهم لجأوا إلي التعميم فتناثرت الاتهامات لتطول الشرفاء من الصحفيين‏,‏ وهم الأغلبية الساحقة‏.‏ ونسي هؤلاء أن تلك القوانين وما بها من عقوبات تتعلق بالصحافة‏,‏ باعتبارها مؤسسة اجتماعية شديدة الأهمية والحيوية ولاتتعلق بصحفيين يرونهم متجاوزين‏.‏ وتغافلوا عن حقيقة أن الصحافة مثل الطب تفرض أهميتها وخطورتها شيئا من التسامح مع أخطائها‏.‏

والحرية التي جاءت مع القرار الرئاسي يوم الإثنين الماضي إلي عالم الصحافة وإن كانت تمنح الصحفيين قوة ودعما في أداء الرسالة في مواجهة المتربصين بها‏,‏ إلا أنها تفرض عليهم مسئوليات جديدة‏,‏ وتتطلب منهم العمل علي استحداث معايير مهنية أكثر ملاءمة‏,‏ والسعي نحو مكانة تليق بأمانة الكلمة التي تحملها‏,‏ والعلو إلي مستوي تطلعات الرأي العام وتوقعاته في مجتمع ديمقراطي‏.‏ فالصحافة تظل ـ كما يقول المؤرخون ـ أكثر إبداعات العقل البشري إبهارا منذ اختراع الطباعة‏.‏ فهي وحدها دون سائر وسائل الإعلام الأكثر قدرة علي نشر الفهم والوعي والسلام‏,‏ وهي أيضا الأكثر قدرة علي استثارة الفتن وتلويث الفكر وتهديد السلام‏.‏ ومن أجل ذلك لم تتراجع الصحافة مع ظهور الراديو‏,‏ ثم التليفزيون‏,‏ ثم الاتصال الإلكتروني‏,‏ وظل الحديث عن تراجعها وهما يجيء مع الدهشة التي تصيب البعض كلما حدث تطور في وسائل الاتصال الإلكترونية‏.‏

والآن وقد هدأت مخاوف الصحفيين وعبرت الأزمة أجواء الصحافة المصرية‏,‏ آن الأوان لأن يناقش أهل المهنة أوضاعها‏.‏ فليس من الحكمة أن ننكر أن هناك أخطاء شابت مسيرتها وأوضاعا غير مقبولة مازالت قائمة فيها‏,‏ وأن أمر التصحيح موكول للصحفيين أنفسهم دون غيرهم‏.‏ فلقد شقت صفوف الصحفيين خلافات لم تكن أبدا في مصلحة المهنة‏,‏ خلافات مكنت قوي سياسية من أن تتسلل إلي شئونهم‏,‏ وأن تحاول استخدام البعض لتحقيق أهدافها‏.‏ ولم تحظ شئون المهنة والارتقاء بها بقدر كبير من الاهتمام‏,‏ ولم نفكر كثيرا في سبل توفير حياة كريمة للعاملين بها‏.‏ إننا نعلم أن الصحافة تعبير عن الاختلافات‏,‏ وتعدد الرؤي في المجتمع‏,‏ ولكن شئونها الداخلية ينبغي أن تحظي بقدر أكبر من الإجماع بين الصحفيين المختلفين سياسيا وفكريا‏.‏

أيضا فإننا لم نفكر طويلا في اقتصاديات هذه الصناعة وقدرتها علي النمو والتطور‏,‏ ولم ننظر إلي التحديات التي تواجهها بسبب التغيرات في البيئة الإعلامية المحيطة‏.‏

إنها قائمة طويلة من القضايا المهنية تنتظر الصحفيين‏,‏ وهي قضايا بالغة الأهمية والحيوية من أجل الرسالة التي تحملها‏,‏ ومن أجل الملايين الذين يعيشون علي معلوماتها ومعارفها‏.‏ فاليوم وقد تحررت الصحافة من قيودها ومن المتربصين بها تزداد التوقعات بشأن تعظيم دور الصحافة في تعميق الممارسة الديمقراطية الصحيحة‏.‏ والرئيس حسني مبارك ـ الذي أنهي بقراره معاناة الصحفيين في تلك الأزمة كما فعل في غيرها من الأزمات التي كادت تصيب الصحافة بالاختناق ـ عبر في أحاديثه العديدة والمؤثرة لمختلف الصحف المصرية عن رغبته في أن تجنح الصحافة نحو الموضوعية التي تعني النزاهة والتوازن والتجرد في الممارسة‏,‏ ونادي بأن تنهض الصحافة بمهمة النقد القادر علي تصحيح وتسديد خطي الحكومة وغيرها‏,‏ كما طالب الصحافة بلغة ترقي بالمجتمع بعيدا عن الشتائم التي زادت معدلاتها في بعض الصحف‏.‏

ومن هنا فإن الصحفيين وحدهم اليوم مدعوون إلي النظر في أمر مهنتهم والارتقاء بها‏.‏ فالطريقة التي تمارس بها الصحافة رسالتها هي التي سوف تحدد الطريق الذي تريد السير فيه‏.‏ وعلي الصحفيين في مصر ـ مثل غيرهم في كل مكان ـ أن يدركوا أن العالم به الكثيرون من المتربصين بحرية الصحافة‏.‏

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى