مقالات الأهرام اليومى

احتراما لسلطة القضاء ومكانــة القضــــــاة

منذ بضعة أسابيع كتبت عن محاولات العبث قرب منصة القضاء فلقد سعي البعض إلي تحويل مشكلة عارضة في دوائر القضاة إلي أزمة تزداد حجما مع الأيام‏,‏ وبذلوا جهودا كبيرة لتسييسها تحقيقا لأهداف لاعلاقة لها بالقضاة‏,‏ واليوم يعود القضاء إلي دائرة الحوار العام في المجتمع مع جهود تعديل بعض أحكام قانون السلطة القضائية‏,‏ وعلي الرغم من أن بعض القوي السياسية في المجتمع تحاول ممارسة الأساليب نفسها التي استخدمتها من قبل للوقيعة بين القضاة أنفسهم‏,‏ وبينهم وبين السلطات الأخري‏,‏ فإن حوار اليوم يختلف كثيرا عن حوار الأمس‏.‏ فهو بمثابة تعبير عن الاحترام الكامل لسلطة القضاء ومكانة القضاة‏.‏ ويدور في إطار الحقائق التالية‏:‏

أولا‏:‏ أنه لاعلاقة بين الجهود الراهنة لإصلاح أوضاع السلطة القضائية‏,‏ والأزمة الأخيرة التي شغلت القضاة وقتا ليس بالقصير‏,‏ فما يجري اليوم هو ترجمة حقيقية لما سبق أن أعلنه الرئيس حسني مبارك في برنامجه الانتخابي‏,‏ الذي نص علي تعزيز استقلال القضاء بتبني التعديلات التشريعية لقانون السلطة القضائية‏,‏ وهذا الفصل ضروري ومهم حتي يمكن وضع التعديلات الراهنة في سياقها الصحيح‏.‏ فكثير من التحليلات الخاصة بالتعديلات تربط بشكل متعسف بينها وبين ما حدث في نادي القضاة أخيرا‏,‏ وهي تحليلات تفتقر إلي العمق اللازم في قراءة مثل هذه التعديلات‏.‏

ثانيا‏:‏ أن هذه التعديلات تتم في إطار منظومة شاملة للإصلاح سوف تطال بقية السلطات في الدولة‏,‏ وهي بهذا المفهوم تمثل نقلة نوعية في إعادة صياغة البنية الأساسية اللازمة للإصلاح الشامل وخاصة أنها تمس واحدة من المؤسسات التي يناط بها دور أساسي في تفعيل حركة المجتمع ودفع حركة الإصلاح فيه‏.‏ كما أنها تمثل نقلة نوعية في مجالات الإصلاح بعد أن سيطر الإصلاح الاقتصادي علي مساعينا طوال سنوات التسعينيات‏,‏ ثم بدأ بعده الإصلاح السياسي‏.‏ ولذلك فإن امتداد مظلة الإصلاح لتشمل السلطة القضائية بما يضمن لها استقلالها يؤكد أن الإصلاح في مصر يسير في مجراه الطبيعي‏.‏

ثالثا‏:‏ أن الثقافة السياسية والاجتماعية المصرية تحيط القضاء بالاحترام والتقدير اللذين توجبهما رسالة هذه المؤسسة في الحياة المصرية‏,‏ بصرف النظر عن الحماية التي توفرها القوانين‏,‏ فالضمير المصري يظل هو الأكثر حماية للقضاة والقضاء‏,‏ وقد استقرت في أعماقه قدسية الرسالة وأصحابها‏,‏ وهذه القدسية يعززها تاريخ عريق وتأثير تجاوز حدود مصر إلي محيطها الإقليمي‏.‏

رابعا‏:‏ أن التعديلات المطروحة جاءت نتاج جهود خبراء كثيرين من بينهم شيوخ في القضاء وأساتذة في القانون وخبراء في وزارة العدل‏,‏ بل وشارك في مناقشتها رئيس نادي القضاة ووكيله‏,‏ وبالتالي فإننا أمام تعديلات جادة خضعت لاجتهادات وآراء شتي وصولا لصالح عام نرجوه وليس لمصالح فئوية‏.‏

ويبدو الحوار حول التعديلات الأخيرة خاضعا بدرجة أو بأخري للموقف الذي اتخذه نادي القضاة‏,‏ ونحن لا ننكر حق القضاة في إبداء وجهة نظرهم بشأن القوانين المنظمة لشئون السلطة التي يعملون تحت لوائها‏,‏ ولكن هذا الحق مرهون بالكثير من الضوابط‏,‏ فليس من المقبول اختزال السلطة القضائية جميعها في مجلس إدارة نادي القضاة‏,‏ أو أن يصبح نادي القضاة وصيا علي الدولة بسلطاتها المختلفة في محاولة إصلاح أوضاع السلطة القضائية‏,‏ لأن ذلك معناه أن تستقل كل جماعة في الدولة بصياغة القوانين المتعلقة بها‏,‏ وبالتالي ندخل عصر الفوضي التشريعية‏.‏ إذ كيف تستقيم الأمور حينما نختزل كل سلطة في المجتمع في أي تجمع لها سواء كان هذا التجمع نقابة أو ناديا؟‏.‏

أسامة سرايا

إن النظرة الشاملة علي أوضاع السلطة القضائية خلال العقدين الماضيين تؤكد أن هناك خطوات تم اتخاذها لتحقيق المزيد من الاستقلال للسلطة القضائية‏.‏ ففي عهد الرئيس مبارك صدر القانون رقم‏35‏ لسنة‏1984‏ الذي أعاد لكل هيئة قضائية مجلسها الخاص بها مستقلا في إدارة شئون أعضائها‏,‏ وعمل علي الحد من سلطات المجلس الأعلي للهيئات القضائية الذي لايمكن إلغاؤه إلا بتعديل دستوري‏,‏ وقد عهد القانون لمجلس القضاء الأعلي بمسئولية إدارة شئون القضاء ورجاله‏,‏ وهو ما حقق المزيد من استقلال السلطة القضائية‏,‏ كما أحاط هذا القانون أعضاء النيابة العامة ـ بمن فيهم النائب العام ـ بالحصانة المكفولة للقضاة‏,‏ حيث أصبحت النيابة العامة شعبة أصيلة من السلطة القضائية‏.‏

وتمثل التعديلات الأخيرة سياجا يحمي استقلال القضاة‏,‏ ويدعم حصانة القاضي في ممارسة رسالته‏.‏ إذ تنص هذه التعديلات علي أن ينفرد مجلس القضاء الأعلي بالإشراف علي شئون القضاء‏,‏ وأصبحت موافقته شرطا في أغلب المسائل التي اكتفي القانون الحالي باستطلاع رأيه فيها‏,‏ وتستثني تلك التعديلات ثلاثة موضوعات من اشتراط موافقة مجلس القضاء الأعلي عليها مع الإبقاء علي استطلاع رأيه‏.‏ أولها تعيين رئيس محكمة النقض الذي هو من اختصاص رئيس الدولة بموجب الدستور‏.‏ وقد جري العمل خلال الفترة السابقة علي موافقة الرئيس علي مايقترحه مجلس القضاء الأعلي‏,‏ بل إن العمل جري أيضا باختيار أقدم نواب رئيس محكمة النقض رئيسا لها‏.‏

وثانيها اختيار مساعد أول وزير العدل ومساعديه‏,‏ فالقانون الحالي لم يكن ينص علي استطلاع رأي مجلس القضاء الأعلي في هذه التعيينات‏,‏ لكن التعديلات الجديدة تشترط أن يؤخذ رأي المجلس في هذه التعيينات قبل صدور قرار رئيس الجمهورية‏.‏ وثالثها استطلاع رأي المجلس في مشروعات القوانين الخاصة بالسلطة القضائية‏.‏

ولو أن التعديلات المقترحة اشترطت موافقة مجلس القضاء الأعلي علي مشروعات القوانين لكان ذلك إخلالا بمبدأ الفصل بين السلطات‏,‏ لأن السلطة التشريعية هي التي تنفرد بمسئولية الموافقة أو عدم الموافقة علي مشروعات القوانين‏,‏ ولكان معني ذلك سلب السلطة التشريعية اختصاصاتها‏.‏

كما أن التعديلات المقترحة أفردت موازنة سنوية مستقلة للقضاء والنيابة العامة‏,‏ وخولت مجلس القضاء الأعلي توزيعها وفق القواعد المتبعة في الموازنة العامة للدولة‏,‏ وأصبح المجلس مخولا بممارسة جميع اختصاصات وزارتي المالية والتنمية الإدارية ورئيس الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة‏.‏ كما وضعت حدا أقصي لمدد إعارة رجال القضاء والنيابة العامة إلي الحكومات الأجنبية‏.‏ وحققت تلك التعديلات ضمانات غير مسبوقة للتقاضي في دعاوي القضاة وتأديبهم‏,‏ وهي ضمانات لم تكن قائمة من قبل‏.‏

و الحقيقة التي لاسبيل إلي إنكارها هي أن التعديلات المطروحة توفر الكثير من الضمانات التي تدعم استقلال القضاة بما يمكنهم من أداء رسالتهم بوحي من ضميرهم دون مؤثرات تحول دون إعمال الضمير القضائي الحر‏,‏ لكنها مثل غيرها من التعديلات تثير لدي البعض مطالب ومقترحات ومرئيات‏,‏ وهذا أمر طبيعي‏,‏ فتحقيق الرضا للجميع غاية لاتدرك‏.‏

لقد أثار البعض في نادي القضاة موضوع تشكيل المجلس الأعلي للقضاء‏,‏ وطالبوا بضم بعض الأعضاء من القضاة إلي عضوية المجلس بالانتخاب‏.‏ وقد علمتنا التجارب أن الانتخابات ليست علي الدوام الأسلوب الأمثل في الاختيار حينما يتعلق الأمر بقضايا ذات طابع خاص‏,‏ فللانتخابات في كل وقت حساباتها ومعاركها وأحقادها وتأثيراتها علي القرار‏.‏ والقياس علي انتخابات نادي القضاة قياس خاطئ‏,‏ فمجلس القضاء الأعلي يختلف في مهمته وولايته عن نادي القضاة‏.‏ والتشكيل الحالي للمجلس يرتكز علي تاريخ كفل الحفاظ علي تقليد تميزت به الحياة القضائية‏,‏ وهو احترام الأقدمية التي تنأي بالقضاة عن خلافات سوف تنشأ‏,‏ وصراعات سوف تظهر مما يؤثر علي مكانتهم في المجتمع‏,‏ وعلي كيفية إدارة شئون تلك السلطة الحيوية في المجتمع‏,‏ وتجارب الآخرين في الانتخاب ماثلة في أذهان كثيرين بنتائجها السلبية‏.‏

ومن بين ما أثير حول التعديلات الأخيرة مايتعلق بموقع نادي القضاة وضرورة تنظيمه بنصوص في قانون السلطة القضائية‏,‏ وهو مطلب يبدو غريبا إلي حد كبير‏,‏ فالواقع الحالي لم يمنع النادي من ممارسة أنشطته واختصاصاته‏,‏ وليس هناك ما يمنع استمرار النادي في أداء مسئولياته تجاه أعضائه‏.‏ أما النص علي ذلك في القانون فإنه يقترب من فرض ولاية النادي علي إدارة شئون القضاة التي يختص بها المجلس الأعلي للقضاء‏.‏ وليس للنادي تلك الصفة التي تخوله المطالبة بهذا الحق‏,‏ فهو تجمع اجتماعي يخص القضاة وحدهم‏,‏ وليس بأي حال جزءا من السلطة القضائية‏,‏ ولايجوز إقحامه في هذه السلطة التي ترتبط بها مصالح الوطن والمواطنين‏.‏

وفي النهاية فإن التعديلات المطروحة هي تعديلات حاكمة لمسيرة الإصلاح‏,‏ وليست قوانين تخص فئة بعينها في المجتمع‏,‏ كما أنها لاتحقق مطالب القضاة وحدهم‏,‏ وإنما تأتي استجابة لمطالب المجتمع في إطار التكامل بين مؤسسات الدولة‏.‏

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى