مقالات الأهرام اليومى

جولات الرئيس في الداخل والخارج مبارك في مهمة من أجل مصر والمصالح العربية

ما بين زيارات الرئيس حسني مبارك إلي مواقع الإنتاج في الداخل‏,‏ وجولاته الإقليمية والدولية في الخارج‏,‏ تتبلور منهجية العمل الوطني الجاد والدءوب في مواجهة تحديات التنمية في الداخل‏,‏ وتحديات السلام والأمن في الخارج‏.‏ فنحن لانتحمل خيار العزلة عن محيطنا الإقليمي والدولي‏,‏ أو الاعتماد الكامل علي هذا المحيط‏,‏ دون تفعيل قدراتنا الذاتية وتعظيمها‏,‏ ونحن نخوض غمار بناء نهضتنا لنترجم آمالنا إلي واقع من حولنا‏.‏

هذه هي الحقيقة في جهود الرئيس التي تتواصل في الداخل والخارج‏.‏ ولولا الغبار الذي تثيره في سمائنا أزمات تتابعت وأقوال تناثرت فحجبت عن البعض منا حقيقة مايبذل من أجل قضايا الوطن وهمه الأول‏,‏ لكانت رؤيتنا لما نحن فيه قد تغيرت وهيأت مناخا أفضل لمزيد من الجهد الجماعي اللازم والمطلوب‏.‏

ثماني عشرة ساعة فصلت بين زيارة الرئيس لإحدي قلاعنا الصناعية الواعدة‏,‏ وجولة جديدة له في ثلاث دول أوروبية وعربية‏.‏ ففي العاشر من رمضان تابع الرئيس بعض ملامح جهودنا الصناعية‏,‏ وما توفره من قدرة علي النمو وزيادة الاستثمار والإنتاج والتصدير وتوفير فرص العمل والتحديث‏.‏ وكشفت زيارته لهذه المنطقة عن أننا نمضي بخطي واثقة علي طريق ينتهي بنا إلي بناء وتشغيل ألف مصنع‏,‏ وتوفير فرص العمل التي وعد بها في برنامجه الانتخابي‏,‏ بالإضافة إلي جهوده في الزراعة والسياحة والخدمات وغيرها‏.‏

وبعد ساعات قليلة من هذه الزيارة الداخلية كانت طائرة الرئيس تعبر البحر المتوسط إلي أوروبا في جولة لاتختلف في مغزاها ومعناها ونتائجها النهائية عما قام به من جولات في مواقع العمل والإنتاج في الداخل‏.‏ فالهدف واحد في كل تلك الجهود المكثفة وهي مصالح مصر وأمنها ورخاء شعبها في محيط تتفاقم مشكلاته وأزماته‏.‏ وأصبحت فيه الأزمات الإقليمية جزءا من الواقع المصري‏,‏ وعائقا يحول دون بلوغ أهدافنا وتحقيق أحلامنا في الداخل‏.‏

لقد حمل الرئيس معه هموم مصر داخليا وخارجيا في جولته إلي قوتين دوليتين‏,‏ لهما تأثيرهما في صياغة ملامح الواقع الإقليمي والدولي من حولنا‏.‏ وقد استطاع الرئيس أن يعيد صياغة علاقاتهما مع مصر والمنطقة العربية‏,‏ بما أصبح يمثل دعما قويا للموقف المصري والعربي‏.‏ فلقد شملت رحلته الأوروبية إيطاليا وألمانيا‏,‏ وهما الدولتان اللتان كانت للرئيس فيهما محادثات قبل أقل من شهرين‏.‏ فالحقيقة أنه يبدي كثيرا من الحرص علي تنمية العلاقات الأوروبية‏,‏ ليس لأسباب سياسية فحسب‏,‏ وإنما أيضا لأسباب ودواع اقتصادية لها أهميتها الحاسمة في دعم قدرات الاقتصاد المصري‏.‏ مع ما بين السياسة والاقتصاد من روابط وتداخلات‏.‏

لقد فرض الملفان الفلسطيني والإيراني نفسيهما علي الجانب السياسي من محادثات الرئيس في إيطاليا وألمانيا‏.‏ وكان الموقف المصري الذي حدد الرئيس ملامحه هو ضرورة أن تعود المساعدات الأوروبية للشعب الفلسطيني‏,‏ بما يدفع خطي السلام‏,‏ ويحول دون استثمار السخط الفلسطيني من جانب القوي المناهضة له‏.‏ وشرح الرئيس الآثار السلبية لوقف تلك المساعدات علي الأوضاع الفلسطينية في الداخل‏,‏ وعلي المنطقة بأسرها‏.‏ كما أكد الرئيس أن التسوية السلمية لأزمة الملف النووي الإيراني هي ضرورة تمليها اعتبارات كثيرة حالية ومستقبلية‏.‏ وأنه من الضروري النظر إلي التداعيات المستقبلية لاستخدام الحل العسكري في ضوء ما انتهت إليه الأوضاع في العراق‏,‏ حيث حذر الرئيس منذ سنوات مما يعانيه الجميع في العراق الآن‏.‏

وعلي الصعيد الاقتصادي‏,‏ فإن المشاركة المصرية ـ الأوروبية تبدو خيارا استراتيجيا أكده الرئيس من قبل‏.‏ فقد شهدت السنوات الأخيرة نموا كبيرا ومنتظما في حجم التجارة بين مصر ودول الاتحاد الأوروبي‏.‏ ففي عام‏2004‏ كان حجم تلك التجارة‏11.5‏ مليار يورو وفي عام‏2005‏ بلغ‏13.3‏ مليار يورو‏,‏ وحققت الصادرات المصرية إلي أوروبا في العام الماضي زيادة بلغت‏20%.‏ وهذه الأرقام نفسها لا تمثل الهدف الذي نسعي إليه‏,‏ وإنما تشير إلي فرص هائلة متاحة أمام الصادرات المصرية التي لاتخضع لأي نوع من الجمارك‏.‏ كما حققت صادراتنا الزراعية نموا بلغ‏45%,‏ وأصبحت منتجاتنا الزراعية من الفواكه وبعض أنواع الخضراوات متاحة في جميع الأسواق الأوروبية‏,‏ مما يزيد من فرص التصدير والنمو أمام القطاع الزراعي‏.‏

إنها آفاق هائلة تفتحها الأسواق الأوروبية أمام الاقتصاد المصري ويتطلب بعضها تطويرا في أساليب الإدارة‏,‏ وتنمية الموارد البشرية‏,‏ وإعادة النظر في الهياكل الاقتصادية القائمة واعتماد المواصفات العالمية ومعايير الجودة‏.‏ ويتطلب بعضها الآخر جهدا سياسيا يمهد الطريق أمام المزيد من التعاون مع الشركاء الأوروبيين‏,‏ ويعظم فرص الاقتصاد المصري في الإفادة من خبرات وتكنولوجيا وأسواق تقع علي الشاطئ الآخر من البحر المتوسط‏.‏ وهذا ما حظي باهتمام الرئيس مبارك في محادثاته مع القادة الأوروبيين بإيطاليا وألمانيا‏.‏

لقد كانت إيطاليا المحطة الأولي في زيارة الرئيس الأوروبية‏,‏ وكان اللقاء الأول الذي يجمع بينه وبين روماني برودي رئيس الحكومة اليسارية الإيطالية الجديدة بعد توليه السلطة‏.‏ وكان مجيء اليسار إلي الحكم في إيطاليا قد أثار بعضا من التحليلات والتكهنات حول تغييرات متوقعة في السياسة الخارجية الإيطالية‏,‏ ومن هنا تكتسب زيارة الرئيس مبارك لإيطاليا أهمية خاصة في توقيت يتسم بكثير من الحكمة والدقة لسببين رئيسيين‏:‏

السبب الأول‏:‏ اقتصادي‏,‏ حيث تعد إيطاليا القوة الاقتصادية الثالثة في أوروبا بعد ألمانيا وفرنسا‏,‏ والشريك التجاري الرئيسي مع مصر بعد الولايات المتحدة‏,‏ حيث تمثل تجارتها نحو‏26%‏ من إجمالي حجم التجارة بين مصر والاتحاد الأوروبي‏.‏ وتستوعب السوق الإيطالية صادرات مصرية تقترب من مليار دولار‏.‏ في حين تصل الاستثمارات الإيطالية في مصر إلي ثلاثة مليارات جنيه‏,‏ وهي استثمارات قابلة للزيادة الكبيرة في ضوء المقومات المتوافرة لدي الدولتين‏.‏

وخلال زيارة الرئيس مبارك السابقة تم التباحث مع حكومة بيرلسكوني حول عدد من القضايا ذات الأهمية الاقتصادية‏,‏ والتي تدفع آفاق التعاون بين البلدين خطوات إلي الأمام‏.‏ وكان من الضروري متابعة موقف الحكومة الجديدة ورؤيتها للتعاون الاقتصادي المصري ـ الإيطالي‏,‏ خاصة أن الخلفية المتميزة من علاقات البلدين السياسية تمهد الطريق أمام هذا التعاون المنشود باعتبارهما قوتين رئيسيتين علي ضفتي المتوسط‏.‏ وقد حققت الزيارة أهدافها الاقتصادية بتعهد الحكومة الجديدة باستمرار التعاون مع مصر في مجال تدريب العمالة‏,‏ ودعم العلاقات التجارية‏,‏ وتشجيع الاستثمارات الإيطالية في مصر‏,‏ وتنفيذ ماتم الاتفاق عليه في زيارة الرئيس السابقة‏.‏


وتقديرا للرئيس مبارك‏,‏ أكد رومانو برودي رئيس وزراء إيطاليا الجديد أن بلاده ستعمل علي أن تظل مصر هي الشريك الأول للاتحاد الأوروبي في المنطقة‏,‏ وأن يستمر التدفق السياحي الإيطالي لمصر‏,‏ والذي بلغ‏800‏ ألف سائح سنويا‏.‏ وهي نتائج سيكون لها تأثيرها الإيجابي في الاقتصاد المصري خاصة في هذه الظروف التي تواجه فيها السياحة المصرية صعوبات جاءت بها أيادي الإرهاب الأسود في مناطق الجذب السياحي‏.‏

أما السبب الثاني‏:‏ فهو سياسي‏,‏ حيث أن الجهود الدولية مازالت تواجه صعوبات تحول دون وضع نهاية لقضايا المنطقة الملتهبة‏,‏ أو تخفف من حدتها‏.‏ فرئيس الحكومة الجديد أكثر حماسا من سابقه لدور إيطالي نشيط في بناء أوروبا الموحدة‏,‏ حيث عمل من قبل رئيسا للمفوضية الأوروبية‏.‏ كما أن برودي والائتلاف اليساري الذي يحكمه يبدو أكثر ميلا نحو التراجع خطوات عن التطابق مع السياسات الأمريكية‏,‏ علي النحو الذي ميز السياسة الإيطالية إبان حكم بيرلسكوني‏.‏ وهناك أيضا توقعات بأن الحكومة الإيطالية الجديدة سوف تتخذ موقفا أكثر توازنا بين الفلسطينيين والإسرائيليين‏,‏ وهو موقف تخلي عنه بيرلسكوني بتبني مواقف وصفت بأنها أكثر انحيازا لإسرائيل‏.‏

وسواء أكانت هذه التوقعات صحيحة أم لا‏,‏ فإنه قد أصبح في دولة أوروبية قوية ومؤثرة حكومة جديدة لابد أن تحظي باهتمام السياسة الخارجية المصرية التي تتحمل العبء الأكبر في جهود إحلال السلام في المنطقة‏.‏ ومن هنا كانت أهمية زيارة الرئيس مبارك لإيطاليا‏,‏ وحكومتها الجديدة تتلمس سياساتها بشأن قضايا محورية في السياسة الخارجية المصرية‏.‏

ويري الإيطاليون في زيارة الرئيس مبارك فرصة للتعرف علي وجهة نظر مصر ورؤيتها حول تلك الملفات‏,‏ وهي رؤية رجل عرك أحداث المنطقة وعلاقاتها المتشابكة‏,‏ وهي ـ كما وصفتها رئاسة الوزراء في إيطاليا ـ يمكن أن تساعد الحكومة الإيطالية الجديدة في تحديد ملامح دورها بشأن هذه القضايا داخل الاتحاد الأوروبي‏.‏

وأستطيع القول‏:‏ إن محادثات الرئيس مبارك مع برودي‏,‏ أو مع قيادات أحزاب يسار الوسط الفائزة في الانتخابات الأخيرة‏,‏ قد تركت علي الجانب الإيطالي رؤية تتسم بالكثير من الوضوح بشأن قضايا المنطقة‏,‏ وهو ما يسهم في تفعيل دور إيطاليا بشأن أمن المنطقة واستقرارها علي حد تعبير بعض الصحف الإيطالية وهو ما يؤكد أهمية الدور المصري والخبرة السياسية المصرية في الحفاظ علي الأمن والتعاون عبر المتوسط‏.‏

وفي ألمانيا كانت جولة جديدة من المحادثات تعكس منهجية الرئيس مبارك في تفعيل الوجود الأوروبي‏,‏ وتأثيره في قضايا المنطقة‏,‏ ودفع التعاون الثنائي المصري ـ الألماني خطوات إلي الأمام‏,‏ علي النحو الذي قام به في إيطاليا‏.‏ فلقد وصل الرئيس إلي برلين‏,‏ ووجه مصر فيها يعلوه بريق خاص‏.‏ فالمدينة الألمانية العريقة تعيش حالة من الترقب لحدث هو الأهم والأبرز في أوروبا الآن‏.‏ حدث يكتسب أهمية خاصة بين الألمان المولعين كثيرا بحضارة المصريين‏,‏ التي تروي قصة الإنسان منذ فجر التاريخ‏.‏

فهناك‏489‏ قطعة من كنوز مصر الغارقة قد تناثرت في تنظيم بديع عبر ثماني عشرة قاعة تستخدم أحدث تكنولوجيا العرض‏,‏ والتي نشرت في المكان صورة حية للأرض والمياه المصرية التي احتوت هذه الكنوز قرونا طويلة في منطقة حوض الميناء الشرقي بالإسكندرية‏,‏ حيث شيدت قصور كليوباترا‏,‏ ومارك أنطونيو والميناء الملكي‏.‏ في هذا الجو المفعم بعبق التاريخ‏,‏ أطل الرئيس مبارك علي برلين بوجه مصر الحضاري وتاريخها القديم وإرادتها القوية في بعث المجد المصري من جديد‏.‏

وعلي الصعيدين السياسي والاقتصادي دفعت محادثات الرئيس مبارك بالقضايا المشتركة خطوات علي طريق التفاهم والتلاقي مع ألمانيا متنامية القوة السياسية والاقتصادية في أوروبا وخارجها‏.‏ وقد فرض الملف الإيراني والقضية الفلسطينية أنفسهما علي الأجندة السياسية للمحادثات‏,‏ كما تلاقت رغبات الطرفين في دعم تعاون اقتصادي ينمو يوما بعد آخر‏.‏ فالصادرات المصرية إلي ألمانيا تتجاوز اليوم‏630‏ مليون يورو‏,‏ ومازالت هناك آفاق واسعة لزيادتها والإفادة من التكنولوجيا الألمانية المتطورة‏

حتي تتحول مصر إلي مركز لتصدير مكونات السيارات إلي أوروبا والعالم العربي وأفريقيا‏,‏ وهي خطوة لقيت اهتماما من الرئيس بلقائه مع مديري خمس شركات صناعية ألمانية‏.‏ كما مهدت زيارة الرئيس الطريق أمام زيادة الاستثمارات الألمانية التي تبلغ اليوم ملياري دولار تدور في‏168‏ مشروعا‏.‏ وزيادة الاستثمارات تعني المزيد من فرص العمل والإنتاج والتصدير وهي جوهر مشكلات الاقتصاد المصري‏.‏

ويختتم الرئيس مبارك جولته بزيارة الشقيقة العربية المغرب في مبادرة جديدة لدفع التعاون المصري ـ المغربي وتحقيق التوازن في العلاقات بين المشرق والمغرب العربي‏.‏ فهناك الكثير من الفرص الاقتصادية التي تعود بالنفع علي الجانبين‏,‏ خاصة في مجال السياحة التي أصبحت تشكل مصدرا مهما من مصادر الدخل الوطني في البلدين‏.‏ كما أن دعم العلاقات الاقتصادية وزيادة حجم التبادل التجاري ينطويان علي أهمية خاصة لدعم صادرات الشقيقتين العربيتين‏.‏

وفي النهاية‏,‏ فإن جولة الرئيس مبارك الأوروبية ـ العربية تأتي في توقيت له دلالته علي مستوي التطورات السياسية التي تشهدها المنطقة‏,‏ وعلي المستوي الداخلي‏,‏ حيث تنطلق فيه مصر نحو تنفيذ برنامج رئاسي طموح يستجيب لآمال الأمة في تجاوز مشكلات الحاضر والانطلاق نحو المستقبل‏.‏

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى