مقالات الأهرام اليومى

قمة الخرطوم وآليات التشاور الجديدة

في الخرطوم أنهت القمة العربية دورتها الثامنة عشرة لتعيد‏,‏ من جديد‏,‏ طرح التساؤلات القديمة المتجددة حول جدوي القمم العربية في معالجة قضايا العرب السياسية والاقتصادية والأمنية‏.‏ فالحقيقة أن مشكلات القمم العربية دائما ليست فيما تخرج به من نتائج بقدر ما تكمن في التوقعات المنتظرة منها‏,‏ إذ كثيرا ما تتجاوز هذه التوقعات حدود الممكن والواقع إلي الأحلام الناتجة عن الرغبة في الخروج السريع من أزمات طال أمدها أو ازداد تأثيرها‏.‏

وعندما نتناول قمة الخرطوم الأخيرة بنتائجها نجد أنها تفرض رؤية مغايرة لذلك بحكم طبيعة القضايا التي نوقشت فيها وتعدد الأطراف اللاعبة في ميادينها‏.‏ فما بين دارفور‏,‏ وتطورات القضية الفلسطينية‏,‏ والأوضاع في العراق‏,‏ والملف النووي الإيراني‏,‏ والحالة السورية ـ اللبنانية‏,‏ تعددت الأطراف المحلية والإقليمية والدولية‏,‏ وزادت من تعقيد هذه القضايا‏.‏ وكان علي القمة أن تتعامل معها وأن تحظي بإعداد يتناسب وتلك التحديات‏,‏ حتي تخرج بنتائج أقرب إلي الواقع‏,‏ مهما تكن المسافة الفاصلة بين مقتضياته وبين تداعيات الآمال والطموحات‏.‏

ولاشك أن الجزء الأكبر من تهيئة الأجواء قبل هذه القمة تحمله الرئيس حسني مبارك في رحلات ومحادثات جرت في مصر وأوروبا وعدد من العواصم العربية‏.‏ وأسهمت في فك حالة الاحتقان التي كانت تمثل مصدر تهديد لما يمكن أن تنتهي إليه محادثات الزعماء الأشقاء‏.‏ كما أنها هيأت الرأي العام الدولي لدور عربي يعبر عن فاعليته وجديته في الاقتراب من قضايا كان قد غاب عنها‏,‏ أو تراجع فيها كثيرا‏,‏ لحساب أطراف أخري إقليمية أو دولية‏.‏ كما أن الرئيس مبارك وضع أمام القمة العربية آلية عمل جديدة تمثل نقلة نوعية لها أهميتها ومغزاها في تفعيل مشاورات القادة والزعماء‏,‏ في مواجهة الأحداث المتلاحقة التي لاتنتظر تطوراتها ترتيبات القمة‏.‏

وجاءت قراءة القمة لأبعاد اقتراح مبارك قراءة متعمقة لما يفرضه الواقع السياسي في المنطقة والعالم‏,‏ انطلاقا من أهمية البحث عن آليات عمل عربي يستجيب للواقع المتغير بكفاءة واقتدار‏.‏ وأثبتت جولات الرئيس ومحادثاته في بعض العواصم العربية أهمية الآلية الجديدة ضمن منظومة آليات العمل العربي المشترك‏.‏ فقد تمكن في تلك الجولات من إيجاد الكثير من الحلول لمشكلات وخلافات كان يمكن أن تهدد نجاح القمة العربية ذاتها‏.‏ وتعد النتائج التي ترتبت عليها تعبيرا واقعيا وعمليا عن حاجة العمل العربي لمثل تلك الآليات‏.‏

وأحسب أن تلك الآلية الجديدة التي وافقت عليها القمة تمثل قفزة نوعية في جهود إعادة صياغة آليات التشاور‏,‏ وبناء المواقف العربية الموحدة‏.‏ فالعالم العربي يعايش اليوم أكثر الملفات سخونة وتوترا علي الساحة الدولية‏,‏ وهي ملفات تتسم بكثير من التعقيد‏.‏ وبالتالي فإن القمم التي كانت تواجه ملفا واحدا في الماضي بات عليها اليوم أن تواجه العديد من الملفات التي تنطوي علي أخطار من كل لون‏.‏ وبالطبع فإن آليات مواجهة ملف واحد ـ مهما تكن درجة خطورته ـ لاتصلح في مواجهة ما نحن بصدده في العالم العربي‏.‏ وربما تحتاج هذه الآلية التي اقترحها الرئيس‏,‏ ولقيت ترحيبا عربيا‏,‏ إلي صياغة محكمة ورغبة حقيقية في النجاح‏,‏ وقبلهما الإدراك الواعي لأهمية البحث في استجابة عربية سريعة لما يطرأ من أحداث علي الساحة العربية‏.‏ فالقمم التشاورية جديرة بتخفيف الأعباء عن القمم الدورية‏,‏ وتوفير فرص أكبر لبناء مواقف عربية أكثر تماسكا‏.‏

المجتمع الدولي والقمة العربية
لقد كشفت القمة العربية الأخيرة في الخرطوم عن اهتمام دولي بهذا الحدث العربي‏,‏ وتمثل ذلك في حضور فعال لإفريقيا والاتحاد الأوروبي والصين واليابان وغيرها لعدة أسباب‏:‏

أولا‏:‏ أن القمة تضم قادة المنطقة التي تشتعل أرضها بخمس قضايا ساخنة‏,‏ تمثل جميعها أهمية خاصة علي أجندة القوي الدولية والإقليمية‏,‏ فضلا عما تمثله كل قضية من تهديد للأمن والسلام العالمي‏.‏ فلم تعد هناك في العالم اليوم منطقة يمكن أن تستقل بمشكلاتها عن المجتمع الدولي‏.‏ وإذا كانت تلك المنطقة هي العالم العربي فإن الموقف يصبح مختلفا تماما باعتبارات الجغرافيا السياسية والتأثير الاقتصادي‏.‏ فضلا عن أن حسابات تلك القوي للقمة العربية في الوقت الراهن ربما تختلف كثيرا عن حسابات الرأي العام العربي‏.‏

ثانيا‏:‏ رغبة كثير من القوي والمنظمات الدولية في وجود عربي مؤثر في المساعي الرامية إلي الخلاص من بؤر التوتر‏,‏ بصيغة تضمن قدرا من التوازن بين المصالح الوطنية والإقليمية والدولية‏.‏ وترتكز هذه الرغبة علي إدراك المقدرات الاقتصادية والسياسية العربية الكامنة وغير الموظفة في الخروج بالمنطقة من النفق المظلم الطويل‏.‏ فالموقف العربي الفعال كفيل بإحداث الكثير من التوازن بين القوي الدولية اللاعبة في المنطقة‏,‏ والحيلولة دون انفراد قوة واحدة برؤية وحيدة ومصلحة خاصة في تشكيل ملامح الخروج من الأزمات العربية الراهنة‏.‏

ثالثا‏:‏ أن القمة العربية ـ برغم النجاحات والإخفاقات ـ مازالت هي المحفل الوحيد الذي يمكن للمجتمع الدولي من خلاله مخاطبة العرب مجتمعين‏.‏ وهي أيضا المحفل الذي يجد فيه الآخرون موقفا عربيا واحدا‏,‏ أو حتي مواقف عربية متنوعة‏.‏ وهذا الواقع الذي تمثله القمة العربية يكتسب أهمية خاصة في علاقات العرب بالمجتمع الدولي خلال المرحلة المقبلة‏.‏

أسامة سرايا

التهديدات العاجلة والآجلة
ومن الإنصاف أن نقول إن تفاقم الأوضاع السياسية المتردية في المنطقة مازال يقف حجر عثرة في طريق تحقيق تكامل اقتصادي عربي حقيقي يلمس المواطن العربي مردوده في حياته اليومية‏.‏

ولاشك في أن أجندة القمة العربية مثقلة بالقضايا السياسية التي تذهب بجهد كل قمة منذ سنوات طويلة‏,‏ تاركة قليلا من الاهتمام بالشئون الاقتصادية العربية‏,‏ وغيرها من الشئون المهمة في حياة المواطن العربي‏.‏

وإذا كنا ندرك أن التهديدات السياسية عاجلة والاقتصادية آجلة‏,‏ فإن هذه التهديدات قد أصابت كثيرا من التجارب الإقليمية في العالم العربي بالكثير من الإخفاق أو التأخير‏,‏ علي النحو الذي رأيناه في الاتحاد المغاربي ومجلس التعاون الخليجي‏.‏ وقد آن الأوان لأن ينتبه العرب إلي ضرورة البحث عن آلية جديدة تدعم التعاون بين الاقتصادات العربية في ظل الأزمات السياسية التي لاتبدو لها في الأفق نهاية‏.‏

لقد وجدت قمة الخرطوم نفسها في مواجهة تهديدات عاجلة متعددة‏,‏ ربما أكثر مما واجهته قمم عربية سابقة‏.‏ ولذلك سيطرت الملفات السياسية الساخنة علي محادثات الزعماء العرب‏,‏ وما انتهوا إليه من نتائج‏.‏ فجاءت القضايا الاقتصادية والاجتماعية في ذيل القائمة لاتنطوي علي شيء له مغزي أو معني برغم أهمية هذه القضايا‏.‏

وفي مواجهة الأزمات السياسية العربية‏,‏ وتهديداتها العاجلة‏,‏ جاءت قرارات القمة في حدود التوقعات الرشيدة الواعية بمجريات الأمور في المنطقة‏.‏ ولعل أبرزها‏..‏

الموقف من أزمة دارفور‏.‏ فقد كان انعقاد القمة في الخرطوم برئاسة السودان هو رد الاعتبار العربي لتلك الدولة الشقيقة التي تعرضت‏,‏ ومازالت تتعرض‏,‏ لضغوط دولية كثيرة‏.‏ وكان لموقف القمة بالنسبة للسودان مغزي وهو يتعرض في جنوبه وشرقه وغربه للكثير من الاضطرابات‏.‏ وكان التضامن العربي قويا ومطلوبا للسودان في أزمته الراهنة‏,‏ وهو ماعكسته قرارات القمة في خمسة عشر بندا تدعم دور الاتحاد الإفريقي‏,‏ في بعديه السياسي والعسكري‏,‏ وتؤكد سيادة السودان بشأن دخول أي قوات أجنبية إلي أراضيه بدعوي حفظ السلام‏.‏ وكذلك تقديم الدعم المادي لدفع عملية التنمية في السودان‏.‏

وفي الشأن الفلسطيني أكد العرب أهمية احترام الخيار الديمقراطي الفلسطيني‏,‏ وتقديم الدعم المادي العربي‏,‏ ودعوة المجتمع الدولي إلي مساعدة الفلسطينيين‏,‏ والوفاء بالتزاماته تجاههم‏,‏ ورفض الموقف الإسرائيلي المتذرع بوصول حماس إلي السلطة‏.‏

والحقيقة أن القضية الفلسطينية تحتاج من العرب أكثر مما جاء في ختام قمتهم‏,‏ في ضوء التطورات الأخيرة في إسرائيل‏.‏ وربما يحتاج الأمر إلي المتابعة المستمرة لقرارات القمة في هذا الشأن‏.‏ فالقضية الفلسطينية هي أكثر قضايا المنطقة خطورة‏,‏ وهي قضية حاكمة للكثير من القضايا الأخري‏.‏ فقد صدرت عن قمم سابقة تعهدات والتزامات لم تتحقق‏,‏ وهو الأمر الذي يفقد الفلسطينيين والإسرائيليين معا الثقة بالموقف العربي تجاه القضية الفلسطينية‏.‏

أما في الشأن العراقي فإن البيان الختامي للقمة يعكس غياب آلية عمل عربية تقوم بتفعيل الدور العربي في الوضع العراقي المتأزم‏,‏ ويبدو أن العرب رضوا بما هم فيه بالنسبة للعراق‏,‏ أو أنهم اليوم علي اقتناع بأنه لامكان لهم في هذه المشكلة‏.‏ ولكن شعورهم بضعف دورهم سوف يدعم صمتهم بصورة أكبر تجاه ما يحدث علي أرض العراق‏,‏ حتي إن الولايات المتحدة‏,‏ بالرغم من عدائها لإيران‏,‏

لم تجد غضاضة في فتح الحوار معها بشأن العراق‏,‏ الذي كان ومازال وسيظل عربيا باللغة والدين والتاريخ‏.‏ ولقد حمل بيان القمة بشأن العراق عبارات نتمني أن تختفي لتحل محلها برامج أو آليات عمل تحقق شيئا علي أرض الواقع‏,‏ إذ لم يكن الزعماء العرب في حاجة إلي اللقاء والاجتماع حتي ينتهوا إلي إعادة تأكيد احترام وحدة العراق وسيادته واستقلاله‏.‏ كما تضمن البيان فقرة تنص علي تأكيد ـ مجددا ـ أربع فقرات من قرار قمة الجزائر‏,‏ الخاصة بتطورات الوضع في العراق‏.‏ ولا أحد يدري أي معني لأن ينص الزعماء العرب علي ضرورة التزام دولهم بما جاء في قرارات قمة الجزائر بشأن العراق‏.‏ فمثل هذه الصياغات ترد كثيرا في مقررات القمم العربية‏,‏ وقد آن الأوان لأن تختفي منها‏,‏ لأنها بلا معني أو هدف‏.‏

ولم تكن القمة بحاجة إلي عدة قرارات بشأن العراق‏,‏ بل كان يكفيها قرار واحد يتم تنفيذه‏,‏ أو تعد العدة لترجمته إلي واقع ذات يوم‏.‏ فلاشك أن العرب يرضيهم إصدار قرار واحد بشأن كل قضية بشرط تنفيذه‏,‏ بدلا من عشرات القرارات التي تتلي في وقت طويل ثم تنسي تماما‏.‏

ومهما يكن أمر ما انتهت إليه القمة‏,‏ فإنها سوف تظل محفلا ينطوي علي أهمية قابلة للتفعيل‏,‏ يتعين الحفاظ عليها في ضوء التحسينات التي طرأت علي آليات التشاور العربي المقترحة من الرئيس حسني مبارك‏.‏

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى