مقالات الأهرام اليومى

نحن وأوروبا‏..‏ وأخطاء السياسة الأمريكية في المنطقة

أصبح الشرق الأوسط‏,‏ بأزماته واضطراباته المتلاحقة‏,‏ مصدرا لعدد من المشكلات التي تنطوي علي تهديدات تمتد بتأثيراتها إلي خارج المنطقة‏,‏ الأمر الذي أصبح مصدر حيرة للسياسيين والمؤرخين علي حد سواء‏,‏ وبمرور الأيام فإن هذه المنطقة تشهد أزمات جديدة‏,‏ أكثر مما تشهد من انفراج للمشكلات القائمة‏.‏

وهناك حقيقتان تتعلقان بأزمات الشرق الأوسط‏:‏ الأولي أن هذه الأزمات المتلاحقة ليست صناعة محلية‏,‏ حيث أسهمت في حدتها‏,‏ بل في ميلاد بعضها‏,‏ قوي تقع خارج الحدود‏,‏ ومازالت هذه القوي تمارس هذا المسلك التاريخي الذي لم يتوقف أو يتغير بتغير القوي العالمية الفاعلة‏.‏ والثانية‏:‏ أن الشرق الأوسط‏,‏ بأزماته ومشكلاته‏,‏ كان يمكن أن يتحول إلي مصدر تهديد حقيقي للأمن والسلام الدوليين لولا أصوات العقل والحكمة التي تسكن بعض بلدان هذا الإقليم‏,‏ وفي مقدمتها مصر‏.‏ فقد دأب الرئيس حسني مبارك علي العمل لنزع فتيل الأزمات بين الفرقاء وترشيد القوي الخارجية‏,‏ وتبصيرها بحقيقة ما يجري في المنطقة‏,‏ التي أصبح فهمها مستعصيا علي غير حكمائها‏.‏

وإذا كان الأمريكيون هم القوة الأكثر انفرادا بأمر الشرق الأوسط الآن‏,‏ كما هو الحال مع غيره‏,‏ فإن الأوروبيين‏,‏ بحكم التاريخ والجغرافيا‏,‏ هم الأقرب إلي فهم قضاياه‏,‏ والمطالبون قبل غيرهم بتقديم الدعم والمشاركة للخروج بالمنطقة من أزماتها‏,‏ ومر زمن غاب فيه الدور الأوروبي لأسباب كثيرة بعضها من الشرق الأوسط‏,‏ وبات الخيار الأمريكي هو الأوحد‏,‏ ولكن سنوات الانفراد الأمريكي بالمنطقة لم تفرز سوي الإخفاق في مواجهة المشكلات المعاصرة‏,‏ بل وزادتها تفاقما‏,‏ وأضافت إلي قائمة الأزمات كوارث أخري كثيرة‏.‏ وفجرت بين شعوب المنطقة شعورا بالظلم‏,‏ وإحساسا بالمهانة‏.‏

وعلي الرغم من أن الأمريكيين يعترفون بسلبية مشاعر شعوب المنطقة نحوهم‏,‏ ويدركون أسباب ذلك‏,‏ فإنهم حاولوا تغيير هذه المشاعر مع الإبقاء علي أسبابها‏,‏ فزادت حدة المشاعر وتعاظمت الأسباب‏,‏ ومازال الأمريكيون علي ظنهم بأنهم يعرفون أكثر مما يعرفه غيرهم عن المنطقة‏,‏ ويبدون شيئا من الحذر أحيانا‏,‏ وكثيرا من الشك أحيانا‏,‏ أخري فيما يسدي إليهم من نصائح ممن عرك عالم السياسة وطبائع الحياة في الشرق الأوسط لسنوات طويلة‏.‏

أزمة السياسة الأمريكية‏..‏ اليمين والمحافظون الجدد
أيضا يدرك الأمريكيون قبل غيرهم‏,‏ أنهم يعالجون أزمات العالم بفكر يعاني كل أشكال الأزمات‏.‏ ففي العراق تبلور هدفهم في الإطاحة بالرئيس العراقي المخلوع صدام حسين‏,‏ ولكن معلوماتهم ورؤيتهم للبديل كانت تعبر عن فقر في المعلومات‏,‏ وقصور في الرؤية‏.‏ فقد خضع العراق لفترة طويلة‏,‏ لحكم حزب قومي أخفي حقيقة التركيبة العرقية والدينية والمذهبية للشعب العراقي عن أنظار الكثيرين‏,‏ وحينما أطيح بحزب البعث ظهرت أوضاع وحقائق عبرت عن نفسها بوسائل لم تكن معروفة أو متوقعة‏.‏

وأقول في هذا الصدد إن أزمة أمريكا الحقيقية لاتوجد في العراق‏,‏ أو إيران‏,‏ أو في غيرهما‏,‏ بقدر ما توجد في الفكر السياسي الأمريكي المعاصر‏,‏ الذي أوقعها في مأزق العراق‏,‏ ومازال يفتح الفرص لمزيد من المآزق‏.‏ وفي رأيي أن هذه الأزمة من صنع المحافظين الجدد الذين ظهر تيارهم في ستينيات القرن الماضي‏,‏ وهو التيار الذي يؤمن بوجود قوي للشر في العالم‏,‏ كما يؤمن بدور أمريكا في محاربة هذا الشر باستخدام القوة العسكرية‏.‏ وقد ظهر جيل جديد من هؤلاء المحافظين في تسعينيات القرن الماضي أكثر جرأة في الترويج لاستخدام القوة العسكرية لتأكيد القيادة الأمريكية للعالم‏.‏

وحول الفروق بين هذين الجيلين من المحافظين الجدد يري أندرو باسيفيتش أستاذ العلاقات الدولية بجامعة بوسطن في كتابه‏’‏ النزعة العسكرية الأمريكية الجديدة‏’‏ أن الجيل الأول تولدت أفكاره من الظروف الدولية والتحديات الداخلية التي واجهتها أمريكا بعد الحرب العالمية الأولي‏,‏ وحتي نهاية حرب فيتنام‏,‏ وهي الفترة التي شهدت الكساد العالمي وصعود النازية وتراجع فيها الدور الأمريكي‏.‏ وتولدت اعتقادات لدي المحافظين الجدد بأن صعود قوي الشر كان مرهونا بضعف أسباب مقاومته‏,‏ وانتهي هؤلاء إلي الاعتقاد بأن القوة العسكرية هي الأداة المناسبة لمواجهة هذه القوي‏.‏ أما الجيل الثاني الذي اختطف السياسة الأمريكية الراهنة‏,‏ فقد ظهر بعد انفراد أمريكا بالعالم عقب انهيار الاتحاد السوفيتي الذي كان الرئيس الأمريكي الراحل رونالد ريجان قد وصفه بـ إمبراطورية الشر‏.‏ ثم جاءت عاصفة الصحراء نصرا سهلا بخسائر محدودة لتفتح شهية هؤلاء المحافظين للنزعة العسكرية وتزيد الطلب علي خدمات الجيش في شن الحروب الخارجية‏.‏ وانتهي الأمر بالجيل الثاني من المحافظين الجدد إلي اعتناق خمسة أفكار هي‏:‏

أولا‏:‏ إن العالم اليوم يبحث عن قائد هو الولايات المتحدة القادرة علي إعادة تشكيل نظام عالمي جديد‏.‏

ثانيا‏:‏ إن الفشل الأمريكي في قيادة العالم سوف يؤدي إلي فوضي عارمة‏.‏

ثالثا‏:‏ إن القوة العسكرية الأمريكية ضمان للنجاح في قيادة العالم‏.‏

رابعا‏:‏ الالتزام المطلق بدعم القوة العسكرية الأمريكية لخدمة الأهداف الكبري في العالم‏.‏

خامسا‏:‏ نبذ السياسات الواقعية التي روج لها هنري كيسنجر‏,‏ وزير الخارجية الأمريكية الأسبق‏,‏ والسياسات المترددة التي روج لها كولين باول الوزير السابق‏.‏ فالواقعية والتردد مرضان خطيران يحولان دون قيادة أمريكا للعالم حسب اعتقاد المحافظين الجدد اليوم في واشنطن‏.‏

أسامة سرايا

الشرق الأوسط‏..‏ وأحلام المحافظين الجدد
اختص المحافظون الجدد الشرق الأوسط بالجزء الأكبر من أخطائهم في السياسة الخارجية‏.‏ والسبب يشرحه بيوكانن مرشح الرئاسة الأمريكية عام‏2000,‏ حيث يقول إن أيديولوجية المحافظين الجدد تنطلق من مبدأ أساسي هو تطابق المصالح الأمريكية والإسرائيلية‏,‏ وبالتالي هم يدفعون أمريكا إلي محاربة أعداء إسرائيل ولذلك كانت الحرب علي العراق‏,‏ وكان التهديد بالقوة العسكرية في مواجهة إيران‏.‏ وقد وجد هؤلاء في أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام‏2001‏ فرصة للترويج بوجود قوي الشر وإطلاق أفكارهم صوب هذه المنطقة من العالم‏.‏

وهناك الكثير من الكتابات حول عناد المحافظين الجدد بشأن الوضع في العراق‏,‏ فبالرغم من الأخطاء الكثيرة التي ارتكبتها الإدارة الأمريكية منذ دخول قواتها إلي العراق‏,‏ فمن الواضح أنها لن تجبر المحافظين الجدد علي التسليم بالهزيمة‏.‏ حيث يري ويليام كريستول المدير السابق لمكتب نائب الرئيس الأسبق جورج بوش الأب‏,‏ والذي يعده البعض الأب الروحي للجيل الحالي من المحافظين الجدد‏,‏ أنه لامفر أمامهم من إثبات القدرة علي النجاح في العراق‏,‏ لأن فشل المشروع الأمريكي سيشكل انتكاسة كبري للمحافظين الجدد‏,‏ ولكنهم لن يختفوا من المسرح السياسي الأمريكي‏.‏

ومنذ أن اختطف المحافظون السياسة الأمريكية تتزايد أخطاؤهم حتي إن بيوكانن حذر في كتابه‏’‏ أين أخطأ اليمين‏’‏ من المصير الذي آلت إليه الإمبراطوريات الكبري في العالم بسبب الإفراط في شن الحروب الخارجية‏,‏ واتهم المحافظين الجدد بأنهم هم الذين غيروا فكرة الرئيس بوش بأن تقوم الولايات المتحدة بدور الشرطي لحفظ النظام والأمن في العالم لتصبح سياسة شن الحروب الاستباقية الإجهاضية لدعم إسرائيل وإعادة تشكيل العالمين العربي والإسلامي تحت دعاوي نشر الديمقراطية‏,‏ وهي سياسة سوف تصل بالولايات المتحدة إلي صراع لانهاية له‏,‏ وإلي حرب تلو أخري لفرض الديمقراطية العلمانية المرفوضة في العالم الإسلامي‏.‏

ويري بيوكانن أن الحرب الأمريكية علي العراق كانت أكبر خطأ استراتيجي أمريكي خلال أربعين عاما‏.‏ فقد استخدم فيها الأمريكيون مقولة‏:‏ إنها حرب علي الإرهاب‏,‏ بينما كانت حربا للسيطرة علي الشرق الأوسط‏,‏ وهي سيطرة لم تقدم حلا لمشكلة الإرهاب بل كانت وستكون دائما سببا له‏.‏

الدور الأوروبي‏..‏ وجولة الرئيس
تراكمت الأخطاء الأمريكية في ظل أوهام القوة العسكرية ونقص المعرفة بحقائق الأوضاع‏.‏ ولم يكن هناك بديل عن تفعيل دور قوي أخري قادرة‏,‏ بحجم ما لديها من أوراق ونوعية ما تختزنه من معرفة ـ علي ترشيد الوجود الخارجي والرأي الدولي في شئون الشرق الأوسط‏.‏

وكانت هذه المهمة واحدة من المهام الرئيسية لجولة الرئيس حسني مبارك الأخيرة في القارة الأوروبية‏.‏ والتي شملت أربع محطات هي‏:‏ روما وفيينا وبرلين والفاتيكان‏.‏ ولم تكن الزيارة في هذا الجانب تعبيرا عن رغبة مصرية فقط‏,‏ بل كانت أيضا استجابة لرغبة أوروبية ملحة في ضوء التطورات الأخيرة التي باتت تهدد وبشكل مباشر أمن أوروبا‏.‏ فقد أصبحت جهود السلام في الأراضي الفلسطينية علي حافة الانهيار‏,‏ كما تتبدي علي شطآن الخليج العربي ـ حيث يختزن العالم معظم احتياطيات النفط ـ بوادر أزمة تنذر بكارثة إقليمية‏,‏ وتتداعي الأوضاع إلي ما هو أسوأ في العراق‏..‏ أما علي مشارف الصحراء الكبري فيعاني السودان تعنتا دوليا في أزمة دارفور‏.‏ وهناك الأزمة الأكبر الناتجة عن التأثيرات المتبادلة بين هذه الأزمات‏,‏ والتي تنذر الجميع بالخطر‏,‏ وسط مشاعر غضب وسخط سادت وسوف تسود تجاه الجهود الدولية التي تقودها الولايات المتحدة بسياسات تتسم بالكثير من الشطط‏.‏

ففي ظل هذه المعطيات جرت محادثات الرئيس حسني مبارك بالعواصم الأوروبية الأربع‏,‏ وكان من أبرز ما يميزها استدعاء القادة الأوربيين تحليلات مبارك السابقة حول كثير من الأزمات الراهنة‏,‏ وكيف أن الأحداث أثبتت صدقها وعمقها‏.‏ وقد أعرب الرئيس الإيطالي عن ذلك بقوله‏’‏ إننا ننتظر هذا اللقاء لكي نسمع رأي الرئيس في جميع القضايا‏’.‏ ووجه كلامه إلي الرئيس مبارك قائلا‏:‏ تعلمون أننا نثق برأيكم‏,‏ وخبرتكم وقد استمعت إليكم من قبل‏,‏ وأثبتت الأيام صحة وجهة نظركم في العراق ودارفور وغيرهما‏.’‏

ورددت دوائر السياسة في برلين وفيينا والفاتيكان شيئا من ذلك‏.‏ وعلي خلفيته حققت الزيارة نجاحا أشادت به الصحافة الأوروبية‏.‏ وقد أسفرت زيارة الرئيس بشأن ملفات المنطقة عن دعم أوروبا لكل ما من شأنه تجنب المزيد من التوتر‏,‏ وإتاحة الفرصة كاملة للوسائل السلمية لتسوية الصراع في العراق وإيران ودار فور‏.‏ كما دفعت أوروبا إلي استمرار الدعم الكامل للفلسطينيين‏,‏ وتجنب معاقبة الشعب الفلسطيني علي خيارات الحكم‏,‏ والعمل علي وقف الاستفزاز الإسرائيلي المحبط لجهود السلام‏.‏ وقد ظهرت في أثناء زيارة الرئيس بوادر تغيير في المواقف الأوروبية من قضية حماس‏.‏

ويبقي أن نقول إن تحقيق أهداف جولة الرئيس يظل مرهونا بأداء القوي الإقليمية في الملفات المطروحة‏.‏ فقد أصبحت أوروبا بعد هذه الجولة أكثر تفهما للموقف‏,‏ وأكثر استعدادا للتعاون لمنع تفاقم الأوضاع بالمنطقة‏.‏ لكن هذا التعاون يتوقف علي القراءة الصحيحة‏,‏ للأوضاع من جانب الإيرانيين والعراقيين والفلسطينيين والأشقاء في السودان‏.‏

ولاشك أن جولة الرئيس قد أتاحت أيضا للجميع في الشرق الأوسط الفرصة لكي يستثمروا النتائج التي تحققت‏,‏ وأن تشهد إدارة هذه الأزمات ما يعكس تفهم طبيعة الدور الأوروبي ومداه وقدراته ورغبته في المشاركة‏.‏ وبات موقف مصر‏,‏ وهي القوة الإقليمية الرئيسية‏,‏ وموقف العديد من الدول الأوروبية متطابقين في دفع مساعي السلام إلي نهايتها وتحقيق المصالح الوطنية والإقليمية‏.‏

ومن المهم أن نشير أخيرا إلي أن القمة العربية المرتقبة مطالبة باستثمار الموقف الأوروبي الذي بات مهيأ بعد زيارة الرئيس لدعم مطالب السلام‏,‏ والخروج الآمن من الأزمات الراهنة‏.‏

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى