مقالات الأهرام اليومى

مصــــر وأوروبا الرئيس مبارك في جولة عبر المتوسط

بعد أقل من عشرة أيام علي جولته العربية التي سعي من خلالها إلي بناء موقف عربي موحد بشأن الملفات المتأزمة علي الساحة العربية‏,‏ بدأ الرئيس حسني مبارك أمس جولة جديدة عبر البحر المتوسط تشمل إيطاليا وألمانيا والنمسا والفاتيكان‏.‏

وتكتسب جولة الرئيس الأوروبية أهمية خاصة سواء علي صعيد العلاقات الثنائية مع مصر أو علي صعيد العلاقات بين أوروبا والعالم العربي‏.‏ فالحقيقة أن العلاقات المصرية ـ الأوروبية لم تكن بقوتها التي هي عليها الآن في عهد الرئيس حسني مبارك‏.‏ ولم تكن علاقة أي زعيم مصري بالقادة الأوروبيين كما هي العلاقة بين مبارك وزعماء أوروبا‏.‏ فقد استطاع الرئيس عبر سنوات طويلة إعادة بناء العلاقات المصرية ـ الأوروبية علي أسس أملتها المصالح الوطنية والإقليمية‏,‏ والقراءة الصحيحة للجغرافيا السياسية في المنطقة‏.‏ وقد مرت هذه العلاقات بأطوار تراوحت بين العداء‏,‏ الذي فرضته مرحلة إنهاء الحقبة الاستعمارية في الخمسينيات والستينيات‏,‏ وبين تعاون أقرب إلي الفتور منه إلي الدفء‏,‏ بسبب الأولوية المطلقة للعلاقات مع الولايات المتحدة‏.‏

وكانت سياسة مصر ترمي إلي الحفاظ علي العلاقات الاستراتيجية مع الولايات المتحدة ودعمها‏,‏ دون أن يكون ذلك علي حساب أوروبا القادرة علي أداء دور مؤثر في السياسة العالمية والإقليمية بعد ظهور الاتحاد الأوروبي‏,‏ وهو كيان كبير له دوره ومكانته‏.‏ وقد أثبتت هذه الرؤية صدقها وفاعليتها في دعم المواقف المصرية والعربية في القضايا الإقليمية‏.‏

ومن هذا المنطلق وأمام الملفات الساخنة التي يواجهها العرب علي أرضهم وما حولها تأتي جولة الرئيس مبارك عبر المتوسط‏,‏ وقبل أسبوعين من قمة الخرطوم للتشاور مع الأوروبيين حول جهود إنقاذ مساعي السلام التي تتعرض للخطر في فلسطين والعراق والسودان وإيران‏.‏

أسامة سرايا
بيرلسكونى الشريك الأوروبى الرئيسى ـ ميريكل علاقات متميزة مع ألمانيا ـ تشوسيل تعميق التعاون ـ البابا بنديكت السادس عشر لقاء يتسم بالقيم الروحية

وعندما نتأمل تاريخ العلاقات بين أوروبا والعالم العربي نجد أنه تاريخ طويل لم يخل من التعاون وأيضا من العداء‏.‏ فلقد ظهرت علي الجانبين حضارات تفاعلت‏,‏ وأسهمت في تطور الحضارة الإنسانية المعاصرة‏.‏ واليوم يريد العرب والأوروبيون أن تنشأ علي ضفتي المتوسط لغة من التعاون والفهم المشترك بحيث يصبح هذا التعاون رمزا للسلام بين حضارتين‏,‏ وممرا بحريا يصل بين ثقافتين لديهما القدرة علي التعايش في أمن وسلام‏,‏ والقدرة علي إثراء الحضارة الإنسانية كما فعلتا بالأمس‏.‏ وربما كانت أوروبا مطالبة أكثر من غيرها بأن تمد جسور التعاون مع دول جنوب المتوسط وأن تشارك بفاعلية في مساعي هذه المنطقة لتحقيق الأمن والسلام والتنمية لشعوبها‏,‏ التي أرهقتها سلسلة طويلة من الأزمات لم تكن أوروبا بعيدة عنها‏,‏ ولن تنجو منها إن أخفقت جهود السلام فيها‏.‏

وأشير هنا إلي أن سماء العلاقات الأوروبية ـ العربية والإسلامية قد عبرت الأزمة التي فجرتها رعونة رسام في صحيفة غير معروفة حاول الإساءة فيها إلي الرسول الكريم صلي الله عليه وسلم‏,‏ وكشفت هذه الأزمة للعقلاء علي الجانبين العربي الإسلامي والأوروبي أهمية السعي نحو التفاهم والاحترام المتبادل والعمل المشترك لما فيه مصلحة الطرفين‏.‏

وتهدف جولة الرئيس في دول أوروبية‏,‏ لها ثقلها السياسي‏,‏ إلي تفعيل الدور الأوروبي فيما هو مطروح علي ساحة الشرق الأوسط حيث تبدو الحاجة ملحة إلي تعاون وتفهم دولي حقيقي للمشكلات التي تزداد تفاقما‏.‏ فالدور الأوروبي يعطي الجهود الدولية ثقلا وأهمية وفاعلية ربما لاتتوافر مع انفراد قوة واحدة بالتحرك نيابة عن المجتمع الدولي‏,‏ فالأخطاء التي ارتكبت فادحة وتدفع الأوضاع نحو الأسوأ‏,‏ ولكن تنشيط هذا الدور وتوسيع دائرة الحوار والتشاور سوف يسهمان في الحد من الأخطار وتخفيف النتائج السلبية الناتجة عن تضييق مجال المشاركة الدولية وفي المقدمة منها أوروبا‏.‏

أيضا فإن جولة الرئيس تنطوي علي أهمية خاصة لمصر وهي تسارع الخطي في مسيرة الإصلاح الاقتصادي‏,‏ وتنفيذ البرنامج الوطني الشامل الذي أعلنه وكلف به الحكومة‏.‏ فأوروبا شريك تجاري أساسي لمصر‏,‏ وهي مصدر لكثير من الاستثمارات التي يمكن أن تدعم خطة التنمية المصرية‏.‏

وعلي الصعيد الإقليمي تبرز القضية الفلسطينية في مباحثات الرئيس بالعواصم الأوروبية‏,‏ فالاتحاد الأوروبي هو أكبر داعم دولي للسلطة الفلسطينية من الناحيتين الاقتصادية والسياسية‏,‏ ولابد من تأكيد استمرار هذا الدعم‏,‏ إذ إن هناك تخوفا من أن يؤدي ظهور حماس علي المسرح السياسي بعد الانتخابات الفلسطينية إلي تراجع أو إعادة صياغة الموقف الأوروبي بما يلحق الضرر بالقضية الفلسطينية‏,‏ خاصة أن تغيرات أخري قد طرأت علي الجانب الإسرائيلي‏.‏ وربما كان المطلوب من المجتمع الدولي ـ بما فيه أوروبا‏,‏ هو الحفاظ علي مساعي السلام وتوفير الظروف الكفيلة بتحقيق المزيد من التقدم نحو السلام الدائم‏.‏

وفي تقديري أن المشكلات القائمة الآن من الممكن ألا توقف مسيرة السلام إذا توافر دعم دولي يساعد الأطراف المختلفة علي تجاوزها‏.‏ فلقد قطعت مفاوضات السلام الفلسطينية ـ الإسرائيلية طريقا طويلا تجاوزت خلاله عقبات ومشكلات بفعل الدعم الدولي والعربي وبفضل جهود الرئيس مبارك الذي تحمل سنوات طويلة مسئولية الجمع بين مختلف الأطراف علي مائدة التفاوض من أجل إنهاء العنف والعمل في طريق السلام وإقرار الحقوق المشروعة لأصحابها‏.‏ من هنا فإن القضية الفلسطينية في حاجة اليوم إلي دور أوروبي نشيط يدعم قوي الاعتدال العربية وخيار السلام في المنطقة‏.‏

وفي العراق تزداد الأوضاع سوءا تحت عباءة الاحتلال وقد يمتد التوتر إلي مناطق أخري خارج العراق‏,‏ وينبغي التأكيد أن مواجهة الكوارث التي حلت بالعراق لم تعد مهمة أمريكا وحدها بل أصبحت أيضا مهمة المجتمع الدولي الراغب في تجنب ويلات حروب جديدة قد تخرج من العراق لتصيب الجميع‏,‏ خاصة أنه توجد علي حدود العراق أزمة أخري تنذر بعواقب وخيمة ربما أشد وطأة مما يحدث اليوم في العراق‏.‏

وتتطلع معظم الدول العربية وغير العربية اليوم إلي دور أوروبي يضبط إيقاع الأحداث‏,‏ ويضمن ألا تنجرف إلي هاوية تجر إليها شعوبا ودولا أخري كثيرة‏,‏ وهكذا فإن هذه الأحداث المتسارعة تفرض تحركا دوليا يسعي إليه الرئيس مبارك في جولته الأوروبية الحالية‏.‏
وعلي صعيد العلاقات الثنائية فإن زيارة الرئيس لإيطاليا تكتسب أهميتها من حجم العلاقات التجارية والاقتصادية بين البلدين‏,‏ ومكانة مصر في السياسة الخارجية الإيطالية‏,‏ فتحالف يمين الوسط الحاكم اليوم يري أهمية أن تلتزم إيطاليا باتفاقياتها مع العالم العربي‏,‏ وبخاصة دول البحر المتوسط‏,‏ حيث يري هذا التحالف أن معاهدة ماستريخت قد تجاهلت الشرق الأوسط والبحر المتوسط‏,‏ ويؤكد أهمية توقيع اتفاقيات ثقافية واقتصادية مع الدول العربية‏,‏

ويعطي أهمية خاصة‏,‏ لمصر ودول الشمال الإفريقي‏,‏ كما أن إيطاليا تولي منطقة جنوب المتوسط أهمية خاصة‏,‏ وتري أنها منطقة بالغة الحيوية لأمنها وأمن أوروبا بأسرها‏.‏

وعلي الجانب الاقتصادي والتجاري فإن إيطاليا التي زارها الرئيس أمس تعد القوة الاقتصادية الثالثة في أوروبا بعد ألمانيا وفرنسا‏.‏ وقد حدث نمو اقتصادي هائل مكنها من أن تحقق فائضا تجاريا مع القوي الاقتصادية الكبري في عالم اليوم‏,‏ وتعد الشريك التجاري الرئيسي مع مصر بعد الولايات المتحدة‏,‏ حيث تمثل تجارتها نحو‏26%‏ من إجمالي حجم التجارة بين مصر والاتحاد الأوروبي‏,‏ وقد وصل حجم الصادرات المصرية إلي إيطاليا إلي قرابة مليار دولار‏,‏ وينساب هذا التعاون الاقتصادي علي خلفية علاقات سياسية متميزة باعتبارهما قوتين رئيسيتين علي ضفتي المتوسط‏,‏

ويمكن لهذه العلاقات أن تمهد الطريق أمام المزيد من الاستثمارات الإيطالية في مصر‏,‏ والتي تبلغ حاليا قرابة ثلاثة مليارات جنيه‏,‏ وهو رقم لا يعادل المقومات المتوافرة‏,‏ والتي ينبغي أن يترتب عليها زيادة هذه الاستثمارات‏.‏ وفي ألمانيا يلتقي الرئيس ـ وللمرة الأولي ـ بالمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل التي تولت مهامها في نوفمبر الماضي لتكون المستشار الثامن في تاريخ ألمانيا منذ الحرب العالمية الثانية وخامس امرأة ترأس حكومة في العالم والأولي في أوروبا‏,‏ ويأتي لقاء مبارك وميركل انطلاقا من العلاقات المتميزة التي بنيت خلال لقاءات متعددة جمعت بين الرئيس مبارك وعدد من المستشارين الألمان السابقين‏,‏ فلقد كان لهذه العلاقات تأثير واضح في قضايا المنطقة والتعاون الاقتصادي المصري ـ الألماني‏.‏ حيث تؤكد سياسة ألمانيا تجاه القضية الفلسطينية حق الشعب الفلسطيني في العيش داخل دولة خاصة به بالرغم من العلاقات القوية التي تربطها بإسرائيل‏.‏

وعلي الصعيد السياسي فإن العلاقات بين مصر وألمانيا قد بدأت في نهاية عام‏1957‏ وشهدت خلال العقدين الأخيرين تطورا ملموسا كان له تأثيره القوي في دعم التعاون بين البلدين في مجالات شتي‏.‏ ولعل من أبرزها الاستثمارات الألمانية الصناعية‏,‏ ومشروع مبارك ـ كول الذي تحقق بعد محادثات مع المستشار السابق هيلموت كول في أوائل التسعينيات بهدف تحسين مستويات القوي العاملة في مصر‏.‏

أما زيارة الرئيس إلي النمسا فتكتسب أهمية خاصة‏,‏ فالنمسا ترأس الاتحاد الأوروبي في دورته الحالية‏,‏ ومن هنا فإن مباحثاته مع المستشار النمساوي فولفجانج شوسل تهدف إلي تعميق التعاون بين مصر والنمسا من ناحية‏,‏ وبين مصر والاتحاد الأوروبي من ناحية أخري‏.‏

وفي رحلة العودة سوف يزور الرئيس مبارك دولة الفاتيكان‏,‏ ويلتقي مع البابا بنديكت السادس عشر‏,‏ في لقاء ودي يتسم بالقيم الروحية ويعبر عن مكانة البابا العالمية ودوره الكبير في نشر العدل والتسامح بين البشر‏.‏

إن أحداثا كثيرة تفرض نفسها علي أجندة الرئيس في أوروبا بحكم الاهتمام المشترك بالدور الذي يتعين أن تقوم به القوي الإقليمية الفاعلة والمؤثرة‏,‏ وهناك أيضا تحديات العولمة في أبعادها السياسية والاقتصادية والثقافية‏,‏ وكذلك وضع الأمم المتحدة في ظل النظام العالمي الراهن‏,‏ وهي قضايا يجب علي أوروبا أن تمارس بشأنها دورا يليق بتاريخها وحجمها وقدرتها علي معالجة القضايا الدولية‏.‏

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى